مغامرة حسين السماعيل في غاليري تراث الصحراء

الأحد 2014/05/04
الفوضى في المعرض كان موضوع المواضيع

الخبر- (السعودية)- “كل شيء أحاط بشيء فهو إطار”. بهذه الجملة الدلالية يستقبلنا معرض “إطار” للفنان التشكيلي السعودي حسين السماعيل الذي بدأ العمل عليه قبل عام، حيث قدّم جزءا من مشروعه في صالة الفنان عبدالله الشيخ بفنون الدمام، ثم أكمله على جاليري “تراث الصحراء” بالخبر شرق السعودية في أبريل الماضي.

السماعيل في “إطار” لم يدّخر فكرة إلا ووظّفها في سبيل تكوين رؤيته للتفاصيل الصغيرة والكبيرة من حولنا، فالحياة- في نظره- مجرد إطارات تتنوّع أشكالها، لكنها تحمل دلالة واحدة فقط، يقبض هو على طرف حبالها بيديه لكنه يترك الطرف الآخر لتأويل المتلقي.

يحدثنا عن التجربة الناقد عبدالله السفر: “معرض الفنان الشاب حسين السماعيل الذي ضمّ أكثر من مشروعٍ بصيغ فنيّة مختلفة تتناول الإطار بوصفه عائقاً ومشكلة؛ باعتباره خندقاً وحدّاً ينعزل فيه الفرد وفقَ ترسيمةٍ اجتماعية أو أيديولوجية تجعله خصماً لمن هو خارج هذه الترسيمة “الإطار” في متّصل تبدأ نقطته من القلق وعدم الشعور بالراحة ويتنامى حتى النفي والإقصاء وينتهي بحالة العداء.

وهذا التصوّر اشتغل عليه الفنان من أجل تفكيكه وتسييل أضلاعه لإنتاج حالة تتعالى على ذلك الإطار وتتجاوزه عبرَ الوعي به ومجادلته بالشكل الذي تمّ جماليا وفنيا، ومن خلال أساليبَ احتشدَ بها المعرض تنزّلَ فيها الإطار من مفهومٍ وفكرة إلى موضوعٍ يعالجُهُ الفنان بملموسيّة وبحسيّة تنقّلتْ من اللوحة إلى الفوتوغرافيا إلى الفيديو إلى الكاريكاتير إلى المفاهيميّة بوصفها مجلى مباشراً للتعبير عن الإطار وكذلك وسيطاً للتحلّل منه”.


الإطار نسق

حالة النسقية في المعرض هي الركيزة الأساسية التي يريد السماعيل أن يفككها


من هذا المنطلق نجد السماعيل يضع الإطارات باعتبارها أنساقاً اجتماعية ودلالية ترسم معالم علاقاتنا كحدود دقيقة لا يمكن القفز عليها دون كسر للأعراف والتقاليد التي حُقن بها الأفراد منذ الصغر فأصبحوا في إطارات ثابتة شبيهة بالصناديق المسكونة بالأفكار المعلّبة. من هنا أتت اشتغالات المعرض تحاكي هذه المنطقة في أعمال تركيبية معاصرة، حيث وضع السماعيل – على سبيل المثال- “لمبة” مطفأة داخل بعض الصناديق، كما وضع في تكوين آخر “تربة حسينية مكتوب عليها لفظ الجلالة (الله) داخل إطار في إشارة للتفكير المظلم داخل الصندوق “الإطار”.

تقول التشكيلية مريم بوخمسين عن التجربة: “حسين يعمل بخلفية مأزومة ومثقلة بالأدلجات المتزاحمة حول عقولنا لذا جاءت مخرجاته الفنية حابسة للأنفاس وداعية إلى تجديد الهواء، أعتقد أنه كان ذكياً في تقديم خطاب تنويري غير تقليدي، فزمان الخطاب المباشر قد ولّى”.


الدادائية والخراب


يتكئ السماعيل على ذات السخط الاجتماعي الذي انطلق منه الدادائيون أثناء الحرب العالمية الأولى، حين قرروا تهديم كلّ ما هو شائع ومتعارف عليه من النظم والقواعد والقوانين والمذاهب والفلسفات والعلوم والمؤسسات. ورغم أن الدادائيين كحركة عدمية لم تعمّر كثيراً إذ سرعان ما انطفأت نيرانها بعد الحرب إلا أن السماعيل أراد أن يعيد صناعتها وفق منظوره الخاص، حيث استحضر الثورة على الإطارات كحالة اجتماعية بديلة للخراب.

لكنه يؤلف بين حالات الدمار بنظام يحاول أن يستقيم في أسئلته الخاصة داخل المعرض. عن هذا الشأن يحدّث السماعيل صحيفة “العرب” قائلاً: ” الدادائية لم تعمر بذات أفكارها في عموم أوجه الرفض التي تبنتها لكنها تحوّلت إلى أشكال أخرى، وسببت صنع الحركة السوريالية والنيودادا والفليكسس والحداثة، وأثرها باقٍ، وبهذا يكون التأثير والانطلاق”.

وأضاف: “الفوضى كانت من ضمن المواضيع الأكثر تعبيراً في بدايتها خاصة عند مزامنتها للحرب العالمية الأولى، وبشكل ما الفوضى إن صغرت أو كبرت لازالت موجودة في جزيئات ممارستنا اليومية ونحن نعاني منها. ولأن الفوضى مثيرة وخلاقة وغير قابلة للرصد وجدت الإطار وتقييد بعض الرؤى والأفكار من خلاله مجال واسع للتنفيس عن جوانب مختلفة من قضايانا المعاصرة”.


غزوة المراجيح


تتوسط المعرض “أرجوحة” تجلس عليها فتاة بالزي السعودي المحافظ، متقلّدة على رأسها خوذة الحرب، وقابضة على سيفها بجوار رمح طويل. يأتي هذا العمل في إشارة لخبر صحفي شغل المجتمع السعودي ومواقع التواصل الاجتماعي حيث احتل هاشتاق #غزوة_ذات_المراجيح في تويتر أعلى تفاعل على مستوى العالم في وقتها. وتحكي القصة أن رجالات من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داهموا مجموعة فتيات كنّ “يتمرجحن” في حديقة عامة، وقبضت عليهن تحت ذريعة هتك العرف العام.

السماعيل توقّف كثيراً عند هذه الحادثة المستفزة، وقام بتوظيفها بشكل رمزي في معرض إطار. حيث جعل أحد الممثلين الأدائيين في المعرض يسحب الفتاة/ الجنديّة بطرف أحد الإطارات من الأرجوحة ليموضعها من جديد داخل الإطار الذي تتموضع فيه نساء أخريات محافظات على وجودهن داخل البرواز/ النسق، في توجيه واضح لهيمنة البوليس الديني على الحريات الشخصية في المملكة.


مسرح الشارع

تجربة فنية مغامرة مفاجئة وغير متوقعة أبدا.. الإطار يشكل حدود الموضوع ولكل موضوع إطار على اللامتوقع


تواجهنا في مدخل المعرض جدارية كبيرة كتب عليها “تعايش” يقف بجانبها ممثّل يرتدي ثوباً كُتبت عليه تصنيفات أيديولوجية مختلفة من اليسار واليمين، مثل “مثقف، ملتزم، متحرر، ليبرالي، مطوّع، ناشط، شيعي، سني، …”.

ولعل هذه الحالة النسقية بالتحديد هي الركيزة الأساسية التي يريد السماعيل أن يفككها، فبرغم أن المعرض حمل 135 عملاً فنياً تفاوت بين التجريدي والسريالي والواقعي والتعبيري والفوتوغرافي والتركيبي المعاصر والآرت فيديو، الأمر الذي قد يربك المتلقي للوهلة الأولى إلا أن جميعه كان متناغماً ضمن دلالة مفهوم “التعايش” الذي يؤلف بينه وبين الأعمال مجموعة ممثلين متطوعين يقومون بعمل آدائي ينطلق من الإطار ليعود إلى الإطار من جديد، فالممثلون متواجدون داخل الإطارات، بعضهم يحمله، والبعض الآخر يجلس داخله، والبعض الثالث يدور به في جنبات المعرض.

ومن الواضح أن العرض الآدائي المسرحي الذي يشرف عليه السماعيل بنفسه كان يريد أن يخرج من الحالة الكلاسيكية للعروض الفنية ليقدّم للمتلقي عرضاً فنياً معاصراً يحضر فيه المسرح والموسيقى الحيّة والتشكيل دون أن يشعر المتلقي بذلك الشتات الذي سكنه في المصافحة الأولى.

الممثلون المتطوّعون (فاطمة أبو سرير، محمد بركات، أحمد العيسى، معصومة الجارودي، حسين العامر، سكينة الموسى، تثريب الموسى، عائشة سيردار، عمار الشمراني، وفهد الجنبي)، والموسيقيّون (حسين آل سماعيل على الكمان، وطاهر العلي على الناي، وإبراهيم الخلف على آلة العود)، والجمهور المتوزّع في كل ركن من أركان المعرض، كل هؤلاء كانوا يقدّمون بتلقائية حالة التأطير الخارجة على الإطار داخل مسرح الجاليري الذي هو نفسه صالة العرض دون خشبة مسرحية. عن ذلك كتب القاص حسين الجفال رسالة لصديقه الفنان متسائلاً: “كلنا في خضم هذه الفوضى نتنفّس، منّا منْ يخرج بإرادته من الإطار، ومنّا منْ يعيش ويموت فيه. ترى ما الذي يجعلنا نخلق حالة تعايش ممكنة بين الداخل والخارج؟!”.

يأتي هذا العمل في إشارة لخبر صحفي شغل المجتمع السعودي ومواقع التواصل الاجتماعي حيث احتل هاشتاق غزوة ذات المراجيح في تويتر

يرى السماعيل أن الفن ملهم ومتابعة ما يجري على الساحة الفنية عالمياً يجعل الفنان ضائعاً في فضاء الإبداع حتى يجد كوكباً أو نجماً يستقر عليه. يقول: “فُتنت منذ البداية بأنواع الفنون وكان المسرح أولها ولي مشاركات بسيطة فيه. ومنه إلى التصوير والرسم إلى آخره. العمل المسرحي عمل جماعي، وأنا مؤمن أن الفن فكرة في المقام الأول، ثم تتبعها الأساليب والمدراس، ولهذا لم أشعر بنقص في أن أطلب مساعدة حرفيّ أو مصور أو مسرحي أو موسيقي في تقديم معرض “إطار” وإشراك نخبة من المبدعين بجانبي”.


عمر عثمان


كوقفة وفاء خاصة لصديقه الحقوقي عمر عثمان الذي رحّل للصومال بعد خلافات غير واضحة مع وزارة الداخلية قام السماعيل بوضع بوروتريه لعثمان، وعلّقه في إطار بالمقلوب، ثم كتب بجانبه تغريدة مقلوبة أيضاً تحمل هاشتاق #ترحيل_سعودي_للصومال. قال فيها: “الحياة مغامرة صغيرة تستحق التفاؤل يا صديقي فابتسم”. في هذه الركن من المعرض بالتحديد يتوقف الزمن مع الإطار في حالة من الألم الجاف الذي لا يعرف حلولاً – ولو مؤقتةً- لقضية عادلة، يبحث فيها الإنسان الضائع عن وطن في إطار مقلوب.يعتقد بعض المتلقين أن السماعيل كان يريد أن يوجّه عبر مشروع “إطار” رسالة للمجتمع وللسلطة وللدين.

لكنه في حديثه لصحيفة “العرب” يرفض ذلك معتبراً أن كل ناتج من أعمال المعرض كان سببه مواقف شخصية أو قضايا اجتماعية أو أفكار متداولة. يقول السماعيل: “ما حاولت فعله هو توثيق بعض المواقف واستعراضها. ولم أكن مهتماً بإرسال رسائل إيجابية أو سلبية”، ويكمل في ذات الصدد: “هناك مساحة لغط من المتلقي قد يفسرها كما يشاء، أعتقد أن محاولة صنع رسائل من خلال الأعمال الفنية سيفعّل الرقيب الذاتي في داخلي، وسأعيش لحظات تردد لست في حاجة لها. أرجو أن يكون التأثير بنّاء في خلق الفكر فنياً وعلى مستويات أخرى وإن هدّم شيئاً أو غيّره فلا بأس”.

وحول انطباعاته وقراءاته لتجاوب المتلقي مع عرضه الذي عدّ بأنه جديد يعلّق السماعيل قائلاً: “الانطباعات متفاوتة ويصعب حصرها لعدم تمكني من الحديث مع جميع الزوار إلا أن تعليقات البعض كانت مثيرة خاصة من وصف أن الزائر سيجد جانبه المفضل ضمن هذا التنوع ولن يخرج بخسارة لزيارته المعرض، وبشكل عام كان الحوار ومحاولة فك الرموز هو ما يملأ المكان بالإضافة إلى التفاعل اللافت مع الإطارات المرمية في جوانب المعرض ومحاولة صنع صورة أو مشهد آدائي ليتم التقاطه من الجوال أو الكاميرا”.

12