مغامرة صوفية حديثة عن صراع الذات على أنغام العود

الروائي المصري أحمد القرملاوي يقدم روايته التي تمتح من أجواء صوفية وتراثية وإن كانت مغلّفة بسرد معرفي عن الموسيقى والعزف.
السبت 2018/04/07
شخصيات تروي الموسيقى تمزقها (لوحة للفنان سعد يكن)

تمتح رواية أحمد القرملاوي “أمطار صيفية”، الفائزة مؤخرا بجائزة الشيخ زايد – فرع أدب الشباب، من أجواء صوفية وتراثية، وإن كانت مغلّفة بسرد معرفي عن الموسيقى والعزف. وتكاد تكون أول رواية تتطرق إلى هذه المنطقة الثرية، خاصة في ظل ازدياد حدة التيار السلفي الذي يعمل على مناهضة الصوفية ويقف حجر عثرة أمام الإبداع.

الرواية الدائرية

الرواية تنتمي إلى الروايات الدائرية، حيث تبدأ الرواية من نهايتها، فتبدأ بمشهد حريق الوكالة التي هي محور أحداث الرواية وأيضا محور الصراع عليها والرغبة في تحديثها، ثم يبدأ الراوي العليم بوصف المكان الوكالة الأثرية لصاحبها “عبادة الموصلي” التي تعود إلى سبعمئة عام، حيث عصر المماليك البرجيين، ولا يكتفي بذلك بل يأخذك بعدسته في جولة مع الشخصيات الرئيسية مثل الشيخ ذاكر راسلان، وما يشغله حيث يبحث عن وريث يقوم بمهام هذه الوكالة.

كما يستعرض شخصية زينة الديناري المولعة بأجواء الوكالة، وإن كان يعرفها بأنها “ابنة لأب مصري وأم ألمانية بولندية الأصل” ورحمة ابنة الشيخ ذاكر. ثم يوسف الذي سينصبه الشيخ ذاكر موجها جديدا للطريقة الموصلية. هكذا بنظرة طائرة يأخذك السارد إلى أجواء الرواية وشخصياتها. كما يسبق الرواية بتصدير يخبرنا فيه بتدخلات الناشر الذي يظهر على استحياء في النص، وهي ثيمة جديدة اعتمدها الراوي جاعلا الناشر مشاركا له في النص، بل منحه حق التعليق على الأحداث والاعتراض على ما جاء مخالفا لما سرده الراوي، وإن كان ثمة تحفظ عليها.

 

إن كتابة رواية عن عوالم الموسيقى بنظرة تاريخية واجتماعية ودينية وحتى اقتصادية ناقدة تنضوي كلها تحت مظلة الفن، وهو أمر بالغ التعقيد والطرافة في آن، حيث لم تشهد المدونة العربية مثل هذا النوع من الروايات الذي كتب فيه الروائي المصري الشاب أحمد القرملاوي روايته "أمطار صيفية"

السرد في الرواية يعود إلى زمنيْن أولهما الزمن الحاضر، وهو لا يتجاوز مدة طويلة، ربما تصل إلى الأيام المعدودة منذ تنصيب يوسف موجها للطريقة الموصلية، وصولا إلى حرقها (الوكالة) بعدما حدث صراع بين السلفيين الذين أرادوا الاستيلاء عليها، واستغلال زياد لها في التصوير، ثم الفضيحة بتصوير فيلم حب قامت به ياسمينة داخل أجواء الوكالة.

وزمن آخر هو زمن ينتمي إلى الماضي، وهو الآخر ينقسم إلى ماض بعيد يستدعيه الراوي كثيرا، حيث يحكي فيه تاريخ هذه الوكالة، وتاريخ الشيخ الموصلي منذ أن كان صانع أعواد قبل أن يصير إماما صوفيا في زمن لاحق ورحلة قدوم ابنه عبادة وحيدا مع جماعة من النازحين إلى مصر بعد استباحة المغول للموصل بلده، ومآله حيث سيكسب عيشه بالضرب على العود لمواساة النازحين، إلى أن يصل إلى مصر التي سينتظر فيها “أمره الجلل” وإنْ كان عانى أشد المعاناة “حيث قوبل بالتضييق والازدراء”.

وهناك زمن ماض قريب، هو زمن ماضي يوسف وزياد وحكايتهما قبل وصولهما إلى الوكالة التي كان زياد سببا في ارتقاء صاحبها الذي يصل إلى وريث الشيخ ذاكر بعدما “تساقط منه الحس النقدي في دوامة الوجد”. ومن هذا الزمن زمن الشيخ ذاكر وعلاقته بالموسيقى وعمله مع عبده داغر، ورحلته إلى ألمانيا وزواجه هناك، وحكاية ابنته التي سيتضح أنها زينة الديناري من هيلجا عازفة آلة الأبوا في الأوبرا الألمانية.

 ورغم تعدد الأزمنة ومسارات الحكايات التي يحملها كل زمن إلا أنه لا يحدث التداخل بين الزمن الماضي القريب والبعيد والحاضر. فثمة مسافة سردية يراوح فيها السارد بين هذه الأزمنة التي تمكنه من تمرير زمنه الماضي البعيد أثناء سرده للحاضر، في محاولة لكشف تاريخ المكان والشخصية. ومن ثم نلاحظ أن زمن الرواية يتصاعد كرونولوجيا إلى الأمام، في حين يعود الزمن المرجعي إلى الوراء.

صراع الهوية

يهيمن على الرواية صراعان، الأول صراع خارجي وهو يأتي عبر صيغتين؛ الأولى تتمثل في محاولات التغريب التي تسعى إليها زينة، حيث تريد تغيير هوية المكان، واستبداله بمكان يقدم مزيجا من الموسيقى الشرقية والغربية، أو الموسيقى الإلكترونية. وسعت في هذا عبر شخصية يوسف الوريث الجديد، بتقديم المشروع له، ثم بعد ذلك عبر استغلال نسبة مشاركتها في الوكالة باعتبارها تمتلك 33 بالمئة من نسبة أمها إضافة إلى نسبتها من ميراث أبيها. والثانية تتمثل في ازدياد نفوذ السلفيين وتوسعهم داخل الوكالة، بعد أن فتح لهم الباب الشيخ ذاكر، إلا أنهم استغلوا هذا المنفذ ليتوسعوا في مآربهم التي كان هدفها الأساسي هو تقليص نشاط هذه الوكالة التي تتعارض مع مبادئهم.

رواية دائرية عن جيل من المهزومين والمنتكسين من تغريبة الآباء
رواية دائرية عن جيل من المهزومين والمنتكسين من تغريبة الآباء

أما الصراع الثاني فكان داخليا؛ حيث صراع الذات في البحث عن هويتها، وتمثل هذا النموذج شخصية زياد. وهي شخصية ثانوية، إلا أن موقعها داخل الرواية كان مميزا، حيث أفسح لها الراوي مساحة هائلة لتكون معبّرة عن جيل من المهزومين والمنتكسين من تغريبة الآباء.

الصراع الداخلي الآخر بين يوسف وحبه لرحمة ابنة الشيخ، وإن كانت زينة في المقابل تشده إليها وتسعى بكافة الطرق إلى امتلاكه. وثمة صراع آخر بين الحفاظ على الهوية بروحانياتها وطغيان الحداثة بمادياتها، فالشيخ ذاكر كان حريصا على التمسك بتراث الوكالة وروحها الصوفية، وهو ما اضطره في الدفاع عنهما إلى أن يعترض على طريقة يوسف عندما غيّر المنهج وطريقة تشكيل الفرقة بأن جعل العدد محدودا.

اعتراض الشيخ كان رفضا “للعبث بتراث مولانا الموصلي”، على حد تعبير ذاكر رسلان. وثار عليه، بل سحب منه السلطات. وفي مقابل التمسك بهوية المكان، كانت زينة تعمل بكل ما أوتيت من قوة مستغلة دلالها وجاذبيتها، لطمس هوية المكان وإحلال الموسيقى الغربية عليه. ومع هذا الصراع بين أطراف عديدة كانت النهاية بحرق الوكالة لطمس هويتها تماما.

وتتراوح الشخصيات بين الشخصيات الإشكالية والشخصيات الضد. وغلب على الشخصيات الرئيسية؛ يوسف والشيخ ذاكر النموذج الثاني، فهي شخصيات ضد بامتياز، فيوسف تخلى عن دوره الذي منحه له الشيخ ذاكر إلى أن تم تقويض المكان، في حين وقف الشيخ ذاكر عاجزا عن الاعتراف بأبوّته لزينة، وعن فعل أي شيء لتمادي تغول السلفيين.

وعلى العكس تماما جاءت شخصية زياد، باعتباره شخصية متطلعة إلى الإمام، وإن كان مرهونا بعقدة ترك الأم له، لتلحق بأبيه ليستقرا في دفء منابع البترول، ومن هنا صار قلبه لا يعرف الخوف، حتى صار أشرس أبناء جيله، وصار صاحب “مشاعر بليدة وجلد سميك مع الأيام”، وإن كان ثمة جانب مشرق يعود إلى أستاذة الموسيقى مس جيهان. فكانت الموسيقى هي مرفؤه بعد هزيمته في التعليم، فدرس آلة العود ومبادئ الصولفيج بمعهد خاص”مخالفا إرادة أبويه البعيدين”.

وتدخل في دائرة الشخصيات الضد أيضا، شخصيتا رحمة ومبروكة، فهما أشبه بمسلوبتي الإرادة في الاختيار. الأولى وهي تخشى من الإفصاح عن حبها، والثانية صارت مستسلمة مسلوبة الإرادة لزياد، حتى أنها كانت تدفع له مقابلا ماديا تفاديا لغضبته وثورته عليها، دون أن نعرف لماذا؟

ومع هيمنة الراوي الغائب العليم على الرواية، فهو السارد والمتلاعب بحركة الزمن بين الارتداد إلى الماضي والقفز إلى الأمام، إلا أن المؤلف جعل من شخصية زينة مشاركة في السرد. ومن جانب آخر نجح الراوي في أن يطابق بين اللغة المكتوبة والشفاهية خاصة في أحاديث يوسف وهو المعروف عنه صعوبة النطق. فجاءت بدايات جمله ممدودة ومعبرة عن حالته، دون ابتذال.

15