مغامرة صينية في الشرق الأوسط: تدخل لا بد منه

بكين تستعرض قوتها العسكرية في منطقة البحر الأحمر، والصين تخشى الهند وروسيا أكثر من الولايات المتحدة.
الجمعة 2018/03/23
الصداع القادم

تواصل الصين بثبات تدخلها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا عسكريا واقتصاديا، لا سيما وأن هدف الرئيس الصيني شي جين بينغ، المتمثل في البقاء في الحكم مدى الحياة، يعتبر تطورا مذهلا يمكن أن يؤثر على المنطقة المضطربة التي تعجّ بالنزاعات والصراعات.

وقد يكثف شي جهود الصين للتوسع في الشرق الأوسط في ظل انسحاب الولايات المتحدة من دور القيادة بعد نصف قرن من فرض الهيمنة على المنطقة ومع سعي روسيا لملء الفراغ الجيوسياسي من خلال إعادة تأسيس نفوذ موسكو هناك.

وقد تتأثر المنطقة كثيرا، وهي التي تشهد الآن حروبا دامية بسوريا والعراق واليمن وليبيا كما تتأرجح على أعتاب حروب جديدة، مثل إحباط إسرائيل للتقدم الإيراني في الملف السوري أو المواجهة المشتعلة بين إيران والسعودية، بالتوسع العسكري الصيني، في الوقت التي حذرت فيه مجلة "فورين بوليسي" من أن العولمة قد خلقت وحشا صينيا.

وصدر إعلان عن وكالة أنباء شينخوا الصينية الرسمية بأن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني قد أوصت بإلغاء وضع حدّ لعدد الولايات الرئاسية باثنتين مدة كل منها خمس سنوات، والذي يعتبر نقطة تحول في التاريخ الصيني بعد أن بدا وكأنه ينفتح بعد عقود من السيطرة الشيوعية المحكمة.

توسع عسكري

جاءت هذه الخطوة في الوقت الذي افتتحت فيه الصين قاعدة عسكرية جديدة بدولة جيبوتي الصغيرة، في القرن الأفريقي، الواقعة على جانبي الممرات الملاحية المهمة في خليج عدن والممتدة على بعد 4 آلاف كيلومتر على طول الساحل. كما استحوذت بكين مؤخرا على ميناء هامبانتوتا في المياه العميقة في سريلانكا بموجب عقد إيجار مقابل 1.12 مليار دولار لمدة 99 عاما.

 

في الوقت الذي يشهد دور الولايات المتحدة الأميركية تراجعا في ملفات المنطقة العربية، بسبب مساعي الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترامب إلى انكفاء واشنطن على ذاتها، ومنح الأولية لمبدأ "أميركا أولا" الذي رفعه ترامب في حملته الانتخابية، لإدراكه التكلفة الباهظة للحروب التي شاركت وأسهمت فيها بلاده، تواصل الصين طموحها العسكري لتتمدد قي منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط، منتهزة فرصة تآكل دور القيادة الأميركي ولتلتحق بموسكو وتتحرك دبلوماسيا وعسكريا، وذلك في الوقت التي تثني فيه بكين -على مستوى داخلي- على نجاح الرئيس الصيني شي جين بينغ في أن يحوّل الحكم تحت قبضة الرجل الواحد (شي)، وهو الطامح إلى جعل الصين عملاقا اقتصاديا رائدا يسمح بفرض توازن دولي جديد ويغير المعادلات الاستراتيجية في العالم، ورغم حجم القلق من تأثر المنطقة من التوسع العسكري الصيني، إلا أن متابعين يؤكدون أنه في حالة تصاعد دور الصين ستنضم إلى باقي المتورطين في مستنقع حروب الإقليم

وكنتيجة لذلك دخلت الهند، التي هيمنت منذ فترة طويلة على الممرات البحرية الحيوية في المحيط الهندي، في سباق مع الصين للاستحواذ على منشآت بحرية بين مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ومضيق ملقا الذي يقع في جنوب شرق آسيا بين ماليزيا وإندونيسيا، والذي يصل بين بحر أمدان في المحيط الهندي وبين بحر الصين من جهة الجنوب الشرقي.

ومع تزايد فرض الصين قوتها في الاتجاه الغربي، بما في ذلك الزيارة الأخيرة لغواصاتها في الموانئ السريلانكية، تزداد مخاوف دول منطقة الشرق الأوسط من التحول المحتمل في ميزان القوى.

وصرح المحلل الدفاعي الهندي بروبال غوش، القبطان المتقاعد من البحرية الهندية، قائلا “تشعر الهند بالقلق إزاء نشر الصين لغواصاتها وسفنها الحربية ودباباتها في المحيط الهندي”.

وكتب جيمس إم دورسي، خبير في كلية راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، “تحف بدول القرن الأفريقي بعض المخاطر الناجمة عن تزايد التوتر والصراع العنيف بين الخصوم في الشرق الأوسط وأفريقيا على حد سواء، لكن هي لعبة يجب حتما على الصين أن تلعبها، على الرغم من تزايد خطر الانغماس في معارك ونزاعات المنطقة الدائرة حاليا".

ويأتي القلق بشأن نوايا الصين بعد عامين من الدعاية المكثفة من جانب بكين التي تثني على نجاح شي في تحويل الصين إلى عملاق اقتصادي رائد. وقد أعطى هذا وزنا إضافيا للمخاوف من أن شي يسعى إلى التخلي عن قاعدة “السلطة أو القيادة الجماعية” التي أرساها دينغ شياو بينغ في ثمانينات القرن الماضي لتفادي حكم الرجل الواحد.

وقد كانت لهذه المخاوف أسباب أخرى؛ حيث يقول المراقبون إن شي (64 عاما)، بدأ يتخلص من الدستور الصيني منذ انتخابه رئيسا في عام 2012، وقد تأكد من السيطرة المحكمة على هؤلاء الذين كانوا يخشون من الاستيلاء على السلطة.

وأعلن جيش الصين موافقته على التدابير التي اتخذها الحزب الحاكم والتي من شأنها أن تسمح لشي بالبقاء رئيسا مدى الحياة وأنه سيدعم أي "تعديل دستوري" يأتي في صالح هذه التدابير. إلا أن تداعيات هذه التدابير قد تؤثر بشكل كبير على الشرق الأوسط في الوقت الذي تخطط فيه الصين لإنشاء طريق الحرير الاقتصادي الذي يربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وبالنظر إلى مدى أهمية إمدادات النفط الخليجية بالنسبة للصين، لذا فإنها لن ترغب في تعريض هذا التدفق النفطي للخطر، والذي يُقدر بنحو 51 بالمئة من واردات الصين في عام 2014 طبقا لإحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. لذلك قد تجد الصين نفسها متورطة في صراعات المنطقة، ولا سيما بسبب الخلاف بين الرياض وطهران، التي تحافظ كلتاهما على علاقتها مع بكين، التي تعتبر في الأساس واحدة من القوى العالمية الست التي شكلت معها الولايات المتحدة الاتفاقية النووية لعام 2015 مع إيران.

في ظاهر الأمر، تسعى الصين ليس فقط إلى إنشاء شراكات جديدة في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا من خلال عقد صفقات التجارة والطاقة والبنية التحتية، وإنما تنظر أيضا إلى النزاعات الجيوسياسية العاصفة بالمنطقة وما يترتب على ذلك من المخاطر التي تنجم عنها.

وقد قام شي بزيارته الأولى للمنطقة في يناير 2016. وكان من أوائل الزعماء الدوليين الذين زاروا طهران بعد توقيع اتفاقية 2015. وخلال جولته الإقليمية، قام بصياغة “سياسة عربية” جديدة.

التورط في النزاعات

يمكن أن يؤدي دفع شي المكثف إلى تحقيق عدم التوازن في منطقة البحر الأحمر المضطربة، التي تعاني بالفعل من نكسات الصراع اليمني بسبب تواصل اعتداءات الحوثيين على أمن الخليج بتحريض إيراني، فضلا عن عمليات مكافحة الإرهاب التي تشنها الولايات المتحدة في إطار التحالف الدولي للقضاء عليه.

أما الصومال المجاورة فتعيش في الوقت الراهن حالة عنف، منذ انهيار الحكومة القومية الأخيرة للدكتاتور سياد بري في عام 1991، بسبب الصراع الدائم منذ عقود بين الحكومة الغربية الضعيفة الفاسدة والجهاديين في حركة الشباب، ممن يقومون بانتظام بتفجيرات انتحارية في العاصمة مقديشو التي دمرتها الحروب.

​  التدخلات الخارجية.. لعبة يجب حتما على الصين أن تلعبها على الرغم من تزايد خطر الانغماس في معارك ونزاعات  ​
التدخلات الخارجية.. لعبة يجب حتما على الصين أن تلعبها على الرغم من تزايد خطر الانغماس في معارك ونزاعات

وكنتيجة لذلك أصبح هذا التمرد هدفا رئيسيا لحرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الإرهاب التي امتدت مؤخرا إلى كينيا المجاورة. وعلى الرغم من أنه ليس هناك ما يكفي للصين في الصومال، ولكن إراقة الدماء هناك تؤكد بشكل متزايد على أن كينيا المجاورة ودول شرق أفريقيا الأخرى الغنية بالنفط، مثل موزمبيق وتنزانيا، قد تضطر إلى محاربة الجهاديين، وهذا من شأنه أن يعطي الصين فرصة محتملة غير مريحة لمحاربة الجهاديين على أرض دولة أخرى.

أما في ما يخص السودان الفقير، فيتطلع إلى تحقيق مكاسب هائلة من التوسع الصيني المقترح ولكن حروبه الداخلية التي لا تنتهي تشي بالمخاطرة الكبيرة للاستثمار الاقتصادي في الوقت الحالي.

مع ذلك، وإذا وجدت الصين حلا لذلك، فإن هذه الدول التي تسوسها إدارات سيئة وتعتمد على المساعدات الاقتصادية، ستساعد على توفير المداخل لموانئ المحيط الهندي، ما سيساعد بدوره الصين على تسليم صادرات النفط والمعادن الأخرى بشكل سريع عبر المحيط الهندي، حيث تطمح الصين إلى توسيع نفوذها العسكري للسيطرة على الممرات الملاحية.

لكن على صعيد آخر، حذرت مؤسسة “ستراتفور” الأمنية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، من أن الصين تشكل الصداع القادم الذي سيقض مضجع السياسة الخارجية للولايات المتحدة. حيث بحسب ما صرحت به المؤسسة “الولايات المتحدة هي بالفعل في منتصف حربها الكبرى القادمة، حتى لو بدأت للتو في إدراك ذلك”.

وتابعت المؤسسة "في أحدث استراتيجية للأمن القومي أصدرتها واشنطن، أبرز البيت الأبيض القوة التكنولوجية المتنامية للصين كتهديد للقوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية.. يجب علينا الاعتراف بأن الصين تلحق جيدا بالسباق التكنولوجي. والسؤال الآن هو ما إذا ستكون شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، قادرة على مواكبة تقدم واكتشافات نظيراتها الصينية".

وتشير جهود الصين في توسيع نفوذها العسكري عبر بحر الصين الجنوبي الغني بالنفط وعبر مضيق ملقا إلى أنها مستعدة لاستعراض عضلاتها العسكرية المتزايدة للحفاظ على مثل هذه القنوات الاستراتيجية مفتوحة في أي صراع مستقبلي مع الولايات المتحدة أو الهند، والتي حاربت ضد الصين في ستينات القرن الماضي، وتشعر الآن بمخاوف تجاه توسع الصين العسكري.

وقال مالكولم ديفيس، المحلل الأمني ​​الأسترالي لشبكة “سي أن أن” إن ميناء هامبانتوتا “لا يمنحهم فقط نقطة وصول استراتيجية إلى مجال النفوذ الهندي الذي يمكن للصين من خلاله نشر قواتها البحرية، ولكنه يعطي الصين أيضا موقعا مميزا لتصدير بضائعها إلى الاقتصاد الهندي. وبذلك تحقق الصين عددا من الأهداف الاستراتيجية".

في غضون ذلك، تواصل بكين بناء قواتها العسكرية، وخاصة البحرية، وفي ظل حكم شي، تمتلك الصين حاملة طائرات محلية الإنشاء في البحر، وتعمل على إنشاء أخرى. إضافة إلى ذلك، تمتلك الصين مجموعة متقدمة من المدمرات التي ستعمل من القواعد العسكرية التي حصلت عليها الصين في المحيط الهندي.

مع تزايد فرض الصين قوتها في الاتجاه الغربي تزداد مخاوف دول منطقة الشرق الأوسط من التحول المحتمل في موازين القوى

ولكن سيستغرق الأمر سنوات، وربما عقود، قبل أن تقوى شوكة الأسطول البحري الصيني بما فيه الكفاية لشن حرب ضد عدو مثل الولايات المتحدة، التي تمتلك 20 مجموعة من المقاتلات الحربية، أو حتى الهند، ولكن يبدو أن النية لذلك موجودة بالفعل.

كما يجري الآن تجديد وتعزيز القوة الجوية للصين، وينظر الخبراء الغربيون إلى مقاتلتها النفاثة من طراز “جي 20”، التي تعتبر نظيرا للمقاتلة الأميركية “إف 35”. كما قام أميرال في البحرية الصينية بعمل عرض على التلفزيون في عام 2017 استعرض فيه ما زعم أنه أحد مكونات نظام دفع جديد يسمح للغواصات النووية الصينية بالتحرك في صمت، مما يجعل من الصعب اكتشافها.

وكانت هناك تقارير بأن البحرية الصينية قد طورت سلاح أول سفينة حربية، وهو سلاح كهرومغناطيسي لطالما يكافح الأميركيون من أجل تطويره.

وتحاول الهند من أجل مواكبة التوسع العسكري الصيني وتتطلع إلى شراء ما لا يقل عن مئة طائرة مقاتلة حديثة من الجيل الخامس تبلغ قيمتها 15 مليار دولار، وربما طائرات “إف 35” الأميركية أو طائرات “إم آي جي 35” الجديدة من روسيا.

لذلك يمكن القول إن منطقة المحيط الهندي، مثلها مثل منطقة الشرق الأوسط، تتأجج الآن بالصراعات. حيث جزر المالديف تعاني الآن من الاضطرابات السياسية، والتي طالما اعتبرتها الهند، مثل سريلانكا، جزءا من أراضيها.

هناك أيضا اضطراب سياسي يعم الأجواء في سريلانكا وسيشيل وإريتريا وإثيوبيا، وهو أمر يبعث على القلق تجاه منطقة البحر الأحمر، حيث أن المواجهة بين الهند والصين تكتسب زخما وسط تنافس إقليمي طويل الأمد.

وفي حين أن "السياسة العربية" التي انتهجها شي تهدف إلى الاستفادة من استثمارات الصين في مجال التجارة والطاقة والبنية التحتية، يعتقد بعض المحللين أنها ستورط الصين في النهاية إلى النزاعات الجيوسياسية والصراعات التي تحدث الآن في المنطقة.

6