مغامرة يوسف شاهين الموسيقية

كتاب يدرس عبقرية يوسف شاهين في اختيار الموسيقى الملائمة لأفلامه بما يتماشى مع الصورة السينمائية.
الأحد 2019/06/02
بصمات راسخة في تاريخ السينما المصرية والعالمية

تعد موسيقى الأفلام عنصرا أساسيا من مقومات الفيلم السينمائي، ومن أهم عوامل نجاح الفيلم وباستطاعة المؤلف الموسيقي البارع أن يلعب دورا مهما في الصيغة النهائية المتكاملة للفيلم بإضافة الحيوية على السرد الروائي للقصة ووضع الموسيقى الملائمة لإيقاع الفيلم بما يتماشى مع الصورة السينمائية.. في ضوء هذه الرؤية تتبع الناقدة رانيا يحيى في كتابها “موسيقى أفلام يوسف شاهين” مفهوم الموسيقى وجمالياتها وعلاقتها بالفنون الأخرى وخاصة السينمائية، وأثرها البناء في بناء المجتمعات بكافة مراحلها مع الفنون الأخرى في التعبير عن الواقع الذي يعيشه الإنسان بأفراحه وأتراحه، حيث إن للثقافة الموسيقية دورا اجتماعيا مهما يجب تفعيله.

تتناول يحيى موسيقى الأفلام منذ نشأة السينما في العالم مع التركيز على السينما المصرية، كما تتعرض تاريخيا لرحلة يوسف شاهين الفنية، وجماليات الصورة السينمائية لديه، والعلاقة بين الموسيقى والصورة داخل فيلمه، كما تحلل فنيا الجانب الموسيقي الإبداعي في أفلامه من خلال جماليات خمسة عشر فيلما توثق رحلة نصف قرن للمخرج الفنان، وقد تعاون خلالها مع مؤلفين موسيقيين عظماء لهم دور بارز لا نستطيع إغفاله في مجال موسيقى الأفلام، وهم إبراهيم حجاج وفؤاد الظاهري وعلي إسماعيل وجمال سلامة وعمر خيرت.

الموسيقى والصورة

وقالت يحيي عن العلاقة بين الموسيقى والصورة داخل الفيلم السينمائي “الموسيقى مرتبطة بالصورة والمشهد منذ أزمنة بعيدة، وقد ظهر ذلك في العروض اليونانية التاريخية، حيث ارتبطت بالمسرح وبالنشاط الدرامي، ثم من خلالها في عصر النهضة نهجت العروض المسرحية نفس النهج الذي أثر على فن الأوبرا، حيث ازداد الارتباط بين الموسيقى والنص والحدث الدرامي، ويرجع ذلك لما للموسيقى من تأثير على الإنسان، إذ تمنحه دفعة شعورية غير طبيعية لأنها سريعة النفاذ إلى الوجدان والعواطف ولها قوة تعبيرية تصل إلى أعماق النفس.

 كما أنها تعتمد على عنصر الإيقاع الذي يعتبر من أهم العناصر المكوّنة لأي عمل فني، وهو من أهم العناصر الموسيقية التي تحدد على أساسها طبيعة الموسيقى، كما أن الإيقاع داخل العمل السينمائي أيضا من أهم العناصر الفنية التي تتحكم في مسار العمل الدرامي ولا بد من أن يحدث التوافق بين عنصري الإيقاع ليتحدا معا حتى يكوّنا عنصرا إيقاعيا واحدا في العمل الدرامي حتى تكون الموسيقى والصورة في وحدة إيقاعية واحدة تعمل على خلق بعد جمالي في الفيلم”.

موسيقى الأفلام لا تلتزم بصيغة بنائية لموسيقاها مثل الصيغ المعروفة للموسيقى البحتة، ولكنها تخضع في تكوينها لمتطلبات الفيلم ذاته وكيفية الانتقال بين المشاهد السينمائية، والتي قد تختلف زمنيا أو مكانيا أو حتى غير مرتبطة ببعضها البعض نفسيا
موسيقى الأفلام لا تلتزم بصيغة بنائية لموسيقاها مثل الصيغ المعروفة للموسيقى البحتة، ولكنها تخضع في تكوينها لمتطلبات الفيلم ذاته وكيفية الانتقال بين المشاهد السينمائية، والتي قد تختلف زمنيا أو مكانيا أو حتى غير مرتبطة ببعضها البعض نفسيا

وأكدت أن موسيقى الأفلام تقوم بدور رئيسي داخل العمل السينمائي حيث أصبحت الموسيقى المصاحبة للأفلام تختلف باختلاف المخرجين إذ يتدخل بعض المخرجين في جميع التفصيلات الخاصة بالعمل الفني إلى الحد الذي قد يسيطر على المؤلف الموسيقي أثناء عملية التأليف للفيلم مما يؤدي إلى وجود بعض الجماليات التي يرى المخرج أهميتها من وجهة نظره.

 وقد يطلق بعض المخرجين العنان للمؤلف الموسيقي ليعبر بوجهة نظره وإحساسه عن المشاهد الدرامية، وكل أسلوب يخلق موسيقى لها شكل معين وجماليات معينة تختلف أيضا مع طبيعة كل مؤلف موسيقي، حيث يوجد بعض المؤلفين الذين يرفضون السيطرة على أسلوب تأليفهم من قبل المخرجين.

وقد يتم الاتفاق بين الاثنين على أن يقوم المؤلف الموسيقي بوضع الموسيقى ثم تتم بعض التعديلات في النهاية بالحذف أو الإضافة، ولكن يتميز بعض المؤلفين الموسيقيين بمرونة وحرفية عند تأليفهم للأفلام إذ يطوع المؤلف إحساسه وموهبته للمشهد السينمائي ويكون هو القائد له عند التأليف.

وظيفة الموسيقى

ولفتت يحيي إلى وجود نوعين من الموسيقى في الأفلام: الموسيقى الأساسية وهي التي تظهر مع بداية الفيلم وظهور عنوانه وأسماء الممثلين (التتر)، أو عند النهاية أحيانا.

وهذه الموسيقى غالبا ما يهتم بها المؤلف الموسيقي حيث تتعلق في أذهان المشاهدين وتتعلق بالفيلم بقدر نجاحها وتظل وكأنها عنوان له يميزه عن دونه من الأفلام الأخرى، وقد يعتمد عليها المؤلف الموسيقي بشكل كبير داخل الفيلم في مصاحبة اللقطات السينمائية أو تكون الأساس الذي يبني عليها أفكاره الموسيقية، وقد يقوم ببناء ثيمات لحنية مختلفة داخل الفيلم وقد يجمع بين تلك الفكرتين معا في آن واحد.

الموسيقى الثانوية: وهي الموسيقى التي تصاحب اللقطات السينمائية والأحداث الدرامية داخل الفيلم الروائي ويستخدمها المخرج لأغراض درامية معينة فهي تتغير وفقا لما تتطلبه الأحداث.

فهي تستخدم أحيانا للربط بين المشاهد وفي أحيان أخرى تكون مجرد خلفية بسيطة غير بسيطة غير ملحوظة بشكل كبير للمتلقي وفي بعض الأحيان تعمل على تهيئة المتلقي لما سوف يحدث على الشاشة وغالبا ما تهيئنا لنهاية الفيلم. كما يعمل الصمت أحيانا على زيادة شعور وإحساس المتلقي بالمشهد الدرامي فقد الصمت أبلغ من الحوار ومن الموسيقى حسبما يتراءى للمخرج في توصيل رؤيته الفنية وأثرها الجمالي على المتلقي.

وأشارت يحيى إلى أن أول فيلم تم تأليف موسيقى له خصيصا هو فيلم “اغتيال دوق جيز″ عام 1907 الذي ألفه المؤلف الموسيقي الفرنسي “كامي سان صانص”، ثم تبعه الكثير من الأفلام منها فيلما جريفيث “مولد أمة” 1915 و”التعصب” 1916 للموسيقار جوزيف كاريل بريل ومن إخراج شارل لو بارجي وأندريا كالمتيس، حين تربعت فرنسا على عرش الإنتاج السينمائي وساهمت في نمو وتطوير هذا الفن، وفي فترة العشرينات ظهرت المدرسة الألمانية التي اتسمت بالعمق والثراء من خلال معالجة بعض الموضوعات على الشاشة ولكنها لم تستمر طويلا.

وفي هذه الأثناء ظهرت المدرسة الروسية التي أبهرت الكثيرين وقد امتزجت موسيقاها بأصوات غريبة مثل الشواكيش والخلاطات وبلغت هذه المدرسة أوجها في ما بين عامي 1925 و1930 بظهور فيلم “المدرعة” لأيزنشتين وفيلم “الأم” لبودفكين، ثم الفيلمين الشهيرين لأيزنشتين “بوتمكين” 1925 و”أكتوبر” 1928 وكتب تلك الموسيقى الثورية الرائعة أدموند مايزال، وغيرها الكثير من الأفلام التي توالت بعد البداية الجريئة التي قام بها سان صانص، كما ألف الكثير من عظماء أوروبا نصوصا سينمائية للسينما خلال فترة العشرينات، مثل: أريك ساتي، داريوس ميلو، آرثر هونيجر، جاك إيبير، جان سيبيليوس، بول هيندميث، ديمتري شوستاكوفيتش.

العصر الذهبي

ورأت يحيى أن الفترة التي تمتد من عام 1941 إلى 1954 تعتبر العصر الذهبي للسينما حيث أحدثت الحرب العالمية الثانية الكثير من التغييرات في صناعة الفيلم، فخلال وبعد الحرب ازدهرت الكوميديا بشكل ملحوظ، وانتشرت أفلام الرعب وتربعت الأفلام الموسيقية على عرش السينما، كما ظهرت أفلام الخيال العلمي حوالي عام 1950.

وأوضحت يحيى أن موسيقى الأفلام لا تلتزم بصيغة بنائية لموسيقاها مثل الصيغ المعروفة للموسيقى البحتة، ولكنها تخضع في تكوينها لمتطلبات الفيلم ذاته وكيفية الانتقال بين المشاهد السينمائية، والتي قد تختلف زمنيا أو مكانيا أو حتى غير مرتبطة ببعضها البعض نفسيا، وبالتالي تكون تلك المشاهد ملزمة للمؤلف باتباع صياغة موسيقية للفيلم داخل إطار كل فيلم على حدة تبعا لمكانه وزمانه وآراء المخرج.

تجربة يوسف شاهين

موسيقى الأفلام لا تلتزم بصيغة بنائية لموسيقاها مثل الصيغ المعروفة للموسيقى البحتة، ولكنها تخضع في تكوينها لمتطلبات الفيلم ذاته وكيفية الانتقال بين المشاهد السينمائية، والتي قد تختلف زمنيا أو مكانيا أو حتى غير مرتبطة ببعضها البعض نفسيا
يوسف شاهين خلال تصوير أحد أفلامه

واستعرضت يحيى تاريخ الفيلم المصري والبدايات الأولى لموسيقى الأفلام وأبرز مؤلفيها، لتنطلق بعد ذلك للحديث عن المخرج يوسف شاهين راصدة تاريخه السينمائي، ملاحظة أنه في جميع أفلامه هناك وجود لعنصر الرقص الشرقي وحتى الباليه وأيضا الموسيقى الشرقية، وقد تعاون مع الكثير من الملحنين المصريين المتميزين في أفلامه بدءا من إبراهيم حجاج وفؤاد الظاهري وعلي إسماعيل وأندريا رايدر ومحمد نوح وكمال الطويل ويحيى الموجي وياسر عبدالرحمن وعمر خيرت وجمال سلامة وفاروق الشرنوبي، كما تعاون شاهين مع فريد الأطرش وشادية في فيلم “أنت حبيبي” وأيضا مع فيروز والأخوان رحباني في فيلم “بياع الخواتم”، والفنانة ماجدة الرومي لبطولة فيلم “عودة الابن الضال”، بالإضافة إلى لطيفة في فيلم “سكوت حنصور”، أما محمد منير فهو حالة خاصة بالنسبة لشاهين وقد تعاونا معا في أكثر من فيلم حيث بدآ بـ”حدوثة مصرية” وأتبعاه بفيلم “اليوم السادس”  ثم فيلم “المصير”.

وأضافت أن هذا التعدد لشاهين في اختيار المؤلفين الموسيقيين يعبر عن مدى اهتمامه بعنصري الموسيقى والغناء ومدى أهميتهما في أفلامه وكيفية توظيفهما وأيضا رأيه كمخرج في مدى ملاءمة كل مؤلف موسيقي لموضوع الفيلم، على أساس أن يتم اختيار المؤلف الموسيقي الذي سيحقق له وجهة نظره ويترجم له إحساسه الداخلي في شكل موسيقي، كما يرى أنه هو الذي يسيطر على المؤلف وليس العكس، بحيث يصبح تحت  تأثير إحساس مؤلف واحد في جميع أفلامه، وبالفعل استطاع شاهين أن يصل بموسيقى أفلامه إلى هذا الحد، حيث ترتبط في الكثير من الأذهان موسيقى وأغاني أفلامه بالموضوع حينما يسمعها المتلقي، لأنه وضعها داخل نسيج الأحداث الدرامية ذاتها بشكل عبقري. كما لا نستطيع إغفال عبقرية هؤلاء الموسيقيين الذين استطاعوا تحقيق تلك الرؤية السينمائية والتعبير عنها بكل هذا النجاح.

وحللت يحيى موسيقى فيلمي الموسيقار إبراهيم حجاج: “ابن النيل” و”سيدة القطار”، وأفلام الموسيقار فؤاد الظاهري “صراع في الوادي” و”شيطان الصحراء” و”صراع في الميناء” و”باب الحديد” و”نداء العشاق” و”إسكندرية ليه”، وأفلام الموسيقار على إسماعيل “رمال من ذهب”، “الأرض”، و”الاختيار” و”العصفور”، وفيلم الموسيقار جمال سلامة “حدوثة مصرية”، وفيلمي الموسيقار عمر خيرت “اليوم السادس” و”سكوت حنصور”.

وبعد تحليلها لموسيقى هذه الأفلام انطلاقا من التتر فموسيقى المشاهد الدرامية وانتهاء بالمؤثرات الصوتية، وقدمت يحيى رؤية لجماليات أسلوب المؤلفين الموسيقيين ورؤية يوسف شاهين الجمالية في الأفلام، خلصت إلى أن “ثقافة شاهين للفنون العالمية؛ الموسيقى الكلاسيكية والبالية، نجدها تتبدى وتظهر بشكل كبير في أعماله، وكل ذلك يؤثر على المتلقي ليرتفع به إلى مستوى أفضل سواء في التلقي أو التذوق والإدراك والفهم”.

وأضافت يحيى أن توظيف شاهين للأعمال الموسيقية الكلاسيكية بشكل حي حيث اعتمد في بعض الأحيان على فكرة الدلالية من خلال تلك الأعمال، وذلك يختلف عمّا عهدناه في السابق حيث يعتمد بعض المخرجين على الموسيقى الأوركسترالية المسجلة كموسيقى للأفلام، ولكن شاهين عمل على توظيف بعض تلك الأعمال حسب رؤيته السينمائية ووضعها داخل السياق الدرامي بما يتناسب مع موضوع الفيلم.

وانتهت الناقدة رانيا يحيى إلى أن شاهين تأثر بالموسيقى الغربية وقد تجلى ذلك في اختياراته المتعددة للمؤلفين الموسيقيين الذين كانوا جميعا دارسين للموسيقى الغربية الكلاسيكية وأسلوب كتابتها. كما تأثر شاهين أيضا ببعض الأساليب المستخدمة في الموسيقى الغربية مثل فكرة اللحن الدال التي اشتهر بها المؤلف الألماني فاغنر في أوبراته والتي ظهرت في بعض أفلامه عند ربطه للشخصية أو المكان بلحن معين.

13