مغامر مُتلبد بغيوم الماضي في لجج المستقبل

معرض الفنان الجزائري ناصر الدين بن ناصر يتناول أفكارا متعلقة بالجيوبوليتيكية والعنف، كما يثير أسئلة حول علاقة الحضارات ببعضها البعض.
الجمعة 2018/07/06
شمولية حميمة للاغتراب

من ضمن المعارض المُنتمية إلى الفنون المفهومية/التجهيزية والتي شهدها ولا يزال لبنان، برز معرض الفنان الجزائري والعصامي المتعدد الوسائط ناصر الدين بن ناصر، والمعروف عالميا بـ”نصير”، والذي يعرض حاليا بقاعة “مارك هاشم” بالعاصمة اللبنانية بيروت آخر آثاره الفنية التي منحها عنوانا مطولا تحت مسمى “رحلات على متن بحار الماضي نحو المستقبل”، كرحلة ذاكرته مع الذي كان والذي سيكون.

بيروت – لا يزال معرض الفنان الجزائري المعروف عالميا بـ”نصير”، واسمه الأصلي ناصر الدين بن ناصر، مُستمرا في صالة “مارك هاشم” البيروتية، تحت عنوان سردي يضيء خطى الزائر، وهو “رحلات على متن بحار الماضي نحو المستقبل”.

معرض مفهومي استخدم فيه الفنان الجزائري الرسم والفوتوغرافيا والتجهيز والفيديو والنحت والضوء، أما أهميته الكبيرة فصنعها نصير من خلال تسيّده للبصريات على أنواعها في ارتباطها المتين بالمضمون جاعلا من فرضية الاستطراد هدية نوعية يقدّمها لزائر المعرض.

ويجب في البداية تسليط الضوء على قدرة هذا المعرض المفهومي بامتياز على إصابة جملة هائلة من المعاني المتداخلة بشعرية لا تخلو من العنف من ناحية، والقسوة تجاه الذات من ناحية ثانية.

أصاب المعرض معاني ضاربة في الصميم عند كل من شاهده وأتاحت له الظروف بأن يتواصل في زمن بلغت فيه المعايير المُعولمة ذروة اجتياحها مع ذاته كإنسان له جذور عميقة في المنطقة العربية التي لا ينتمي إليها فقط من الناحية الجغرافية.

هاجس الانتماء والبحث في أصول الهوية برز عميقا في أعمال الفنان التي جاءت كنوع من البحث الروحي بعينين مغلقتين عن الأنا الغائرة في نتف الذكريات، والسابحة في الآن ذاته إلى سطح الوعي بكل ما أوتيت من شجاعة وعزم.

ومن الواضح أن الكثير غير المحدد والعميق الغائم تضارب في لجج ذات الفنان إلى حد بات فيه الناظر إلى أعماله يشعر بأنه هو جسديا وروحيا عمله الفني، لذلك ليست له أي هيئة إنسانية تقليدية إلاّ عبر بعض التفاصيل التي استخدمها كلغة بصرية ليعبّر من خلالها على حشد من أفكاره وكوابيسه وأحلامه.

ونذكر من هذه “الهيئات المادية” التي تجلى فيها نصير ما قدّمه الفنان في عمل تجهيزي يحمل عنوان “صندوق الذكريات”، حيث وضع الفنان فيه إضافة إلى بعض الصور الشخصية والبطاقات التعريفية، وضع “صوته” ساردا لقصة القفطانين الأبيضين اللذين استراحا في وسط الصندوق وهما، الأول لجده الذي لا يذكر منه إلاّ يديه اللتين احتضنتا يده عندما كان صغيرا، وذلك قبل أن يُقتل في حاث سيارة.

أما القفطان الثاني، فهو لوالد الفنان الذي لا يذكره جيدا بسبب الحزن والبُعد اللذين غاص فيهما الوالد بعيد عودته من أهوال الحرب “الإندوشينية” التي أجبر كسائر الجزائريين على الانخراط فيها لصالح فرنسا وقتل فيها الآلاف منهم.

ومن ضمن الهيئات المادية التي قدّم نصير ذاته عبرها وجاءت أقرب إلى حضور تجريدي يسير على نبض إيقاع فردي، الفيديو الذي تبدو فيه “هيئة” الفنان كدرويش يطوف حول ذاته، وهناك أيضا مجموعة من الأعمال التي يظهر فيها الفنان، أو على الأقل في هيئة غير محددة، ولكن تشبهه، وهو ينفث النار من فمه كبهلوان قدريّ كتب له أن يسرد سيرته الفردية وتلك التي يتشارك فيها مع الآخرين.

وفي تلك المجموعة يغمز نصير من قناة سلطة المال المتمثلة بالبترول، وهي المادة السائلة أثناء تحوّلها إلى نار تفتك بهشيم الأرض وأهل الأرض، ومن الأعمال التي يتحوّل فيها البشري/الفردي إلى “حلولية” صوفية تلك التي تحيل المُشاهد إلى كتاب “منطق الطير”.

وفي نفس السياق نشير إلى الأعمال الرائعة، لا بل الخاطفة للأنفاس التي تحمل عنوان “حشد” و”هجرة”، حيث الظل طير، وحيث الهامات البشرية المكهربة بالسعي المتواصل تحيل مُشاهدها إلى الأشعة تحت الحمراء والصور الكربونية.

تشكيلي جزائري يسرد حضورا فرديا يسير على نبض إيقاع جماعي
تشكيلي جزائري يسرد حضورا فرديا يسير على نبض إيقاع جماعي

وأُرفق المعرض بكلمات تدعم ما سيشاهده الزائر، ونختار منها التالي “يتناول المعرض أفكارا متعلقة بالجيوبوليتيكية والعنف.. كما يثير أسئلة حول علاقة الحضارات والثقافات ببعضها البعض، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية كُرس منطق عالمي جديد بدأت تتألف ملامحه من الانسياق الجارف إلى حروب اقتصادية وعلاقات اجتماعية متداخلة ومتوترة، تلت ذلك، وفي أقل من نصف قرن الصراعات الإثنية والعرقية والدينية، وصعود موجة العولمة وعلت وتيرة الهجرات القومية المُشبعة بالمأساوية ومعها مفهوم الأمان وأهمية تشكيل الحدود وبناء الجدران التي تفصل بين البلدان والشعوب”. ويصعب تناول كل ما ورد في هذا المعرض في بضعة أسطر، والذي يشكل قوة متماسكة ومضادة للنخبوية وللتعالي على إطلاق إشارات مُباشرة، ولكن ضوئية وبارقة بعيدة كل البعد عن عجرفة الفن المفهومي المعاصر، لا سيما هذا الذي تبناه العديد من الفنانين اللبنانيين والذي لا ينتمي إلى الفن بشيء إلاّ بالشيء الضئيل.

فن مفهومي منمق يصلح لأن يكون دراسة أكاديمية/شخصية باردة، إذا أمكن جمع هاتين الكلمتين في تعريف واحد، هكذا “فن” تبنته بضع صالات في لبنان، وكأنها تعتمد شعار “فهمت أم لم تفهم، فأنت أقل من أن تفهم”.

يلقي الفنان نصير نظرة شاملة وثاقبة على حركة البشر، وتجيء أعماله تباعا كآراء شخصية مبنية على ملاحظات علمية للضوء والخيالات ولوتيرة الصور التي لا يشكلها في حقل الرؤيا إلى نبضها ورنينها وطنينها، ففي أعمال الفنان يحضر البشر في أشكال تقلباتهم الزمنية وفي ديناميكية طوافهم المتعدد الأنواع.

إنه الطواف الآثر للحجاج من حول الكعبة الشريفة، وهو في أعمال أخرى طواف الشعب التائه عن بلاده، وهو، كما في إحدى لوحاته، المُشكل في طلاعاته التصاعدية حوتا، أو قرشا غصّ بابتلاع شعب كامل قد يكون جزائريا، فلسطينيا، سوريا، مصريا، عراقيا أم لبنانيا، تعدّدت الشعوب وتوحّدت في أمواج هجرات لم تهدىء إلى الآن.

والفنان نصير من مواليد الجزائر سنة 1967، يعيش ويعمل في باريس منذ عشرين عاما، من يوم مغادرته القسرية الجزائر، ولديه في سيرته الفنية عدد كبير من المعارض الفردية والجماعية، ومن البلدان والمدن التي عرض فيها فرديا وجماعيا، نذكر: باريس، لوكسونبورغ، كزابلانكا، المكسيك، تركيا، لندن، نيودلهي، بيروت، ميامي الأميركية وروسيا.

17