مغربيات يلقين دروسا دينية لإشاعة الاعتدال ومكافحة التشدد

المئات من المرشدات الدينيات في المملكة المغربية يقمن بأعمال وعظ وإرشاد ديني، ويمتلكن يوميا وعلى مدار السنة برنامجا مكثفا ومتنوعا لمحو الأمية عبر تعليم القراءة والكتابة للنساء.
الأربعاء 2016/11/30
النموذج المغربي لمحاربة الأمية والتطرف

الرباط - نجح المغرب في بناء تجربة مختلفة في المجال الديني بنشر قيم التسامح والاعتدال ومواجهة التطرف على مستوى الأفكار، بواسطة أئمة ومرشدين من الرجال والنساء الذين تم تكوينهم في معاهد متخصصة.

وكان لمشاركة المرشدات في إشاعة هذه الثقافة دور كبير في منع الجمعيات المتشددة من استقطاب النساء وتوظيفهن في شبكات الدعوة والاستقطاب.

وبسرعة نجحت المرشدات في تخطي العقلية التقليدية التي تقصر الوعظ والإرشاد على الرجال، وتمكنّ من الوصول إلى الناس الذين باتوا يتفاعلون بسهولة ويسر مع أدائهن.

وتمثل فاطمة آيت صالح، مرشدة تتبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، أحد هذه النماذج الفاعلة، إذ تلقي دروسا دينية للنساء والفتيات وتساعدهن على حفظ القرآن، إضافة إلى تنظيم أنشطة للأطفال والكبار وزيارة دور العجزة (كبار السن) والأيتام.

وهي واحدة من بين المئات من المرشدات الدينيات في المملكة اللاتي يقمن بأعمال وعظ وإرشاد ديني، ويمتلكن يوميا وعلى مدار السنة، برنامجا مكثقا ومتنوعا يمتد ليطال مستويات متقدمة من محو الأمية عبر تعليم القراءة والكتابة.

وتعمل فاطمة في العاصمة الرباط، وتحديدا في حي العكاري الشعبي بمسجد “مكة” على توعية النساء والفتيات دينيا والإجابة عن أسئلتهن.

وقبل إلقائها الدرس الديني تعمل فاطمة على تحفيظ نساء آيات من القرآن، بعدما تشرح لهن معاني بعض الآيات.

ولا يتعلق برنامج الأسبوع لدى المرشدات الدينيات بالمساجد فحسب، بل يمتد ليطال دور الأيتام والعجزة والمدارس.

وتقول عزيزة مالك، مرشدة دينية في مدينة سلا بمحاذاة العاصمة، إن “برنامجي الأسبوعي متنوع، حيث أزور المساجد ودور الأيتام والعجزة والمدارس”.

وتضيف “أقدم بعض الدروس في دور العجزة لصالح المسنين، خصوصا أنهم بحاجة إلى مواكبة نفسية وحصص تعليمية من دروس وعبر، فضلا عن تحفيظهم السور القصيرة من القرآن الكريم”.

ولا تبدأ المرشدات هذه المهمة إلا بعد الدراسة في معهد محمد السادس لتكوين (تأهيل) المرشدين والمرشدات (حكومي يعنى بتكوين الأئمة المغاربة والأجانب)، والذي يضع شروطا لقبول من يرغبون في الالتحاق به، ومنها حفظ نصف القرآن.

وبقدر ما ارتبط الخطاب الديني بالرجال بقدر ما كسرت المرشدات في المغرب هذه القاعدة، واستطعن عبر الوعظ والإرشاد أن يساعدن أطفالا وشبابا ونساء ورجالا وأيتاما وأفرادا آخرين في أوضاع صعبة.

ومكنت هذه التجربة المغرب من إرسال مرشدات ومرشدين وأئمة إلى الخارج لنقل نموذجه القادر على محاصرة التطرف بالفكرة.

وسبق للمغرب أن تعهد بتدريب وتأهيل الأئمة في دول أفريقية مثل مالي والغابون والكوت ديفوار وغينيا، وفي بعض الدول الأوروبية كفرنسا وبلجيكا، بهدف توسيع مجال التعاون وقطع الطريق أمام انتشار الفكر الديني المتطرف.

وزاد الإقبال على طلب استقدام الأئمة المغاربة في دول جنوب الصحراء مع أحداث العنف التي تشهدها دول مثل مالي ونيجيريا.

وأعلن المغرب عن إنشاء معهد لـ”تكوين الأئمة المرشدين والمرشدات”، بهدف تكريس الإشعاع الديني، والتشبث بتعاليم الدين الإسلامي المعتدل، وذلك في إطار الترويج لمشروع الإصلاح الديني الذي شرعت فيه الرباط عام 2004. وقد بدأ هذا المعهد في استقبال الدارسين من مختلف الدول خاصة من أفريقيا.

وفضلا عن الطلبة المغاربة المسجلين، والذين يصل عددهم إلى 150 إماما مرشدا و100 مرشدة في السنة، يستقبل المعهد 447 طالبا أجنبيا ينحدرون من مالي (212)، وتونس (37)، وغينيا (100)، والكوت ديفوار (75)، وفرنسا (23). وأصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس مرسوما يقضي بإنشاء مؤسسة للعلماء الأفارقة في الرباط من أجل صد التيارات الفكرية المتطرفة.

ويمثل المغرب مرجعا روحيا للملايين من الأفارقة من متّبعي الطرق الصوفية، ولاحظ المراقبون تعلق مريدي هذه الطرق بالمغرب وإشعاعه الديني خلال الزيارات الأفريقية للملك محمد السادس.

ولا تقف المقاربة المغربية لمقاومة التشدد عند التسويق لاعتدال المذهب المالكي، أو لسماحة الطرق الصوفية ونقاوة أهدافها ومبادئها، بل تمتد إلى قطع الطريق أمام توظيف الدين في الحسابات السياسية.

وكان الملك محمد السادس قد أصدر في يوليو 2014 مرسوما ملكيا يحظر على المشتغلين في المجال الديني “اتخاذ أيّ موقف سياسي أو نقابي”.

5