مغربي يعيش بالحلاقة من أجل الكتابة

أحمد الخشين كاتب مغربي عصامي التكوين نشر كتبا عديدة، وحلاق آثر أن يملأ رؤوس زبائنه بأمهات الأفكار والمعرفة بالموازاة مع قص شعيراتهم.
الأربعاء 2019/04/24
الأفكار والمعارف يوازي عددها شعر الرأس

 طنجة (المغرب) - قد لا يبدو هناك أي شيء استثنائي بواجهة صالون حلاقة للرجال بأحد الأزقة وسط مدينة طنجة، عدا ملصقات تدعو الزبائن والمارة للقراءة والتزوّد بالمعرفة من قبيل “حاول أن تقرأ، فإن معرفة الأشياء خير من جهلها”، لكن نظرة متفحصة بالمحل تجذب انتباهك إلى العشرات من الكتب الموضوعة على طاولة الحلاق.

صاحب المحلّ، أحمد الخشين، يطمح لأن يحمل شعلة الثقافة ونبراس القراءة إلى جانب المشط والمقص، فمنذ عقدين من الزمن، آثر أن يملأ رؤوس زبائنه بأمهات الأفكار بالموازاة مع قص شعيراتهم، مستغلا مهنته لإبراز الشغف الذي ينير وجوده منذ سنينه الأولى، شغف الكتابة.

كان يحلم منذ طفولته كما يتذكر هذا الحلاق المنحدر من شفشاون بولوج المدرسة، في وقت كان بعض أقرانه يفرحون بالتغيّب عن الدرس.

بقي الجلوس على فصول الدراسة حلما فقط، يداعب خيال هذا الطفل اليتيم. حلم لم يتحوّل لحقيقة ترسم معالم طريق الابن الأصغر لعائلة مكوّنة من ستة أطفال، خمسة منهم إناث.

ويبوح أحمد الخشين، لوكالة المغرب العربي للأنباء (وام)، أن “المدرسة كانت بالنسبة إليّ فضاء غامضا وجذابا جدا، كأنه باب مفتوح على عالم أفضل بالتأكيد، أكثر إشراقا ورفاها”، مردفا أنها كانت “أكثر من حلم، لقد كانت المدرسة علّة وجود، ما فتئت تذكي شخصيتي، بعد فقدان والدي الذي كان أكبر حرمان لكينونتي”.

بعد مرور قصير بالكتّاب القرآني الذي تركه مكرها بسبب قصر ذات اليد، لم يلج أحمد المدرسة إلا في عمر 14 سنة ومباشرة إلى السنة الثانية ابتدائي، بفضل العناية التي لقيها من أحد الأقرباء القاطنين بمدينة القصر الكبير، ووجد هذا اليافع نفسه مجبرا على مغادرتها أيضا بعد سنتين بسبب انتقال قريبه.

إثر عودته إلى مدينة شفشاون، احترف مهنته التي لم يتركها إلى اليوم، الحلاقة، لكنه لم يتخلّ أيضا عن ميله وشغفه الأثير بالقراءة، “لم أتوقف أبدا عن تعليم نفسي”، يقول بكثير من الفخر، قبل أن يضيف “كنتُ أقرأ في البداية أي شيء يقع بين يديّ، ومع تحسّن حالتي المادية، بدأتُ أقتني مجلة شهرية عربية كانت بالنسبة إليّ منجما للمعلومات ومَعينا لا ينضب للمعرفة”.

ومع توالي قراءته لنصوص كبار الأدباء من قبيل طه حسين أو عباس محمود العقاد أو ميخائيل نعيمة أو محمد الزفزاف، صار الرصيد الفكري واللغوي للخشين متينا، مع توسع مطالعته لتشمل كتابا من المغرب والمشرق من الذين أثّروا عميقا في المشهد الأدبي بالعالم العربي طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين. ومنذ أواسط تسعينات القرن الماضي، بدأ أحمد الخشين بالكتابة، يقول، نحو سنة ألفين، انتهيت من كتابة أول عمل لي، لكنه لم ينشر إلا بعد سنتين من ذلك بسبب صعوبات مالية، وسمته بعنوان “الدنيا في معجم الحلاق تحتضر”، وهي مجموعة قصصية تتناول بأسلوب بسيط وسلس ثنايا وصعوبات الحياة اليومية دوّنها من خلال أحاديث جمعته بالمئات، وربما بالآلاف من الزبائن، الذين وفروا لها مادّة خامّة ثرية ومفعمة بالتجارب.

ثرثرة الزبائن قصص وروايات
ثرثرة الزبائن قصص وروايات

وعن أوقات الكتابة يقول الخشين، “كل أوقات الفراغ التي لا أمارس فيها مهنة الحلاقة، وهو الأمر الذي كان يلقى نقدا من طرف شريكة حياتي في بداية الأمر قبل أن تستسلم للأمر وتدرك أنني والكتابة يستحيل أن نفترق”.

في عام 2004، نشر أحمد الخشين سيرته الذاتية، وهي وصف دقيق للحياة تحت وطأة اليتم، والتي يعود من خلالها الكاتب إلى طفولته بكثير من المرارة.

تلته بعد ذلك رواية مستوحاة من أحداث حقيقية بعنوان “من المسؤول عن فاطمة”، وهي حكاية فتاة بدوية جميلة متزوجة بمغربي مقيم بباريس تجاهد للاندماج والتأقلم مع حياتها الباريسية، لتجد نفسها في الأخير، مهملة من طرف زوجها وأبنائها.

وتوالت منشوراته بعد ذلك ليصدر عام 2008 مؤلفا حول الزوايا، ثم رواية ثانية عام 2011 حول الابن المتخلى عنه، والتي تنتقد الوسم الذي يطال هذه الفئة من الأطفال من طرف المجتمع، بينما هم مجرد ضحايا لوضعية نتيجة أخطاء الآخرين والمجتمع نفسه.

كما نشر مجموعتين قصصيتين جديدتين عامي 2013 و2015 تتناولان مواضيع اجتماعية وإنسانية مستلهمة من أحداث حقيقية.

وحول عملية الطباعة والنشر، قال الخشين إن محاولات توزيع روايته الأولى بالطريقة العادية لم تنجح، نظرا إلى شروط المكتبات التي ترغب في طرحها مجانا، غير تعاملهم مع الكتب بإهمال شديد، فقرر أن يبيع كتبه بنفسه داخل محله، أملًا فقط في أن يسترد تكاليف طباعتها دون الالتفات إلى أي ربح مادي أو شهرة من ورائها.

أسعار مؤلفات الحلاق في المتناول ولا تتجاوز 25 أو 30 درهما، وهو أمر متعمّد وليس اعتباطيا، يقول، “هناك عزوف عن القراءة لا أحد يستطيع نكرانه. فكيف نضيف إليه عبء الأسعار الغالية لمن تبقّى من عشاق القراءة؟ ولديّ عدد منهم يأتون خصيصا للسؤال عن جديدي من أجل اقتنائه. أنا لا يهمني الربح كما قلت. أنا فقط أبحث عن التوازن في العملية كلها”.

يقول أحمد الخشين، إلى أن “الحلاقة هي بمثابة الصندوق الأسود للمجتمع (..) إذ يضع الجميع رؤوسهم تحت ضربات المقص، من الأشخاص المبتذلين إلى الأعيان المدعين (..) لكن يبقى الكتاب مصدر إلهامي الأساس، لأنه القادر على زراعة الفكر الخصب وإثراء الريشة”. ويختتم حديثه بأن “الحلاقة أعيش بها، أما الكتابة فأعيش من أجلها”.

20