مغناطيس الفتة

الأحد 2015/06/21

في منتصف الثمانينات كان لرمضان في حي الحسين، حيث مسجد حفيد رسول الله والجامع الأزهر، عبق خاص وتقاليد وطقوس جعلت لشهر الصيام في مصر طعما خاصا..

محلاّت الكباب والكفتة والفول والطعمية بالمنطقة كانت أول من أخرج الموائد للطرقات، عرفنا أن تناول الطعام خارج المحل أفضل خصوصا، إذا كان الجو حارا والدكاكين بطبعها ضيقة ومتلاصقة في تلاحم عجيب ويزيدها الناس التصاقا.

أحد أصدقائنا من سكان الحي اعتاد في الشهر الفضيل إقامة وليمة لمقرئي القرآن الكريم في الليلة الختامية لرمضان، حيث يتلون يوميا أحد أجزاء المصحف الشريف في منزلهم العامر، ويتناوب على هذه التلاوة عدد من المشايخ.

هؤلاء الشيوخ -أو معظمهم- محرومون من نعمة البصر مثل حال كثير من المقرئين في مصر.. وهذا لا يمنع أنهم يتمتعون بحس فكاهي عال “وقافية” حاضرة تجعل الجلوس معهم في الولائم متعة عظيمة.

أحدهم الشيخ سيد أبو دومة -أطال الله عمره- صديقي العزيز، يجلس معنا دائما على المقهى وأتولّى توصيله لمنزله، إذا ما كنت حاضرا مع الشلة في رمضان أو غيره، صديقي الآخر عبد السيد وليم عازر المسيحي المصري الصعيدي اعتاد أيضا أن يحضر جلساتنا الرمضانية ويسهر معنا حتى تناول السحور.

في أحد الأيام أبلغنا الشيخ سيد أن صديقنا حسن رمضان الذي يقيم المأدبة الفاخرة في الليلة الختامية للشهر الفضيل، طلب منه دعوتي وشدد على أن أحضر ومعي أكبر عدد من الأصدقاء، لأنه يريد مجاملتي نتيجة لخدمات بسيطة قدمتها له.

قلت لعبد السيد تعال معي.. فالطريق طويل للحسين ونتسلى في السكة، وصلنا، وجدنا جبلا هائلا من الفتة واللحم ينافس الهرم الأصغر في ارتفاعه.

تحلق الشيوخ حول المائدة وما إن انطلق مدفع الإفطار حتى امتدت أيديهم إلى الطعام يلتقطون قطع اللحم بسرعة ودقة، كما لو كان بأصابعهم مغناطيس قوي يجذب “الهبر” رغم سخونتها.

عبد السيد جلس بجوار الشيخ سيد أبو دومة، وتعجب من أن الشيوخ فاقدي البصر يلتقطون قطع اللحم بسرعة ومهارة، بينما المبصرون أمثالنا يجاهدون لالتقاط أيّ قطعة دون جدوى!

مال عبد السيد على أذن الشيخ سيد طالبا منه مساعدته في الحصول على قطعة لحم واحدة، لأنه لا يستطيع “الاقتناص” وسط هذه الأيادي الخبيرة، رد عليه الشيخ قائلا “كل وأنت ساكت لأقول لهم أنك مسيحي”.. ولله في خلقه شؤون.

انتهت الوليمة بفوز المكفوفين على المبصرين فوزا ساحقا، ولم نستطع إحراز أي هدف، أو بمعني أصح “قطعة لحم”.. وكل عام وأنتم بخير!

24