مغني راب أرّق شرطة الإخوان في تونس

السبت 2013/12/28
أغنية "البوليسية كلاب" شوهدت منذ نشرها على "يوتيوب" أكثر من ثلاثة ملايين مرة

تونس - ولد الكانز أو علاء الدين اليعقوبي هو مغني راب تونسي عُرف بأغنية انتقد فيها بشدة رجال الشرطة ووصفهم بـ”الكلاب”؛ وأودع السجن بسبب ذلك ثم أطلق سراحه بعد محاكمته.

قررت محكمة قرمبالية (حوالي 40 كلم جنوب العاصمة) التونسية، الخميس 19 دسيمبر 2013، الإفراج عن مغني الراب علاء الدين اليعقوبي، المعروف باسم “ولد الكانز″ والحكم بعدم سماع الدعوى، وذلك بعد أن صدر بحقه في الخامس من الشهر نفسه، حكم بالسجن أربعة أشهر نافذة بتهمة أداء أغنية “مهينة” للشرطة خلال مشاركته الصيف الماضي في مهرجان نظمته وزارة الثقافة التونسية. وفي الخامس من ديسمبر 2013 أصدرت محكمة الناحية في مدينة الحمامات (60 كلم جنوب العاصمة) حكما بسجن “ولد الكانز″ 4 أشهر “مع النفاذ العاجل” بتهمة أداء أغنيته الشهيرة “البوليسية كلاب” خلال حفل موسيقي أقيم يوم 22 أغسطس 2013 ضمن مهرجان الحمامات الدولي الذي تنظمه وزارة الثقافة. وسبق لـ”ولد الكانز″ دخول السجن بسبب هذه الأغنية التي نشرت أول مرة على “يوتيوب” في الثالث من مارس 2013. وفي 13 يونيو 2013، صدر حكم ابتدائي بسجن ولد الكانز عامين “مع النفاذ العاجل” إلا أنه تم الإفراج عنه في الثاني من يوليو 2013 بعد تخفيف الحكم إلى 6 أشهر مع وقف التنفيذ.

ولوحق “ولد الكانز″ (26 عاما) بعدما اتهمه شرطيان بأداء الأغنية في مهرجان الحمامات في أغسطس الماضي. ونفى مغني الراب التونسي عند مثوله أمام القاضي في جلسة استمرت حوالي ساعتين، أن يكون أدى الأغنية خلال مشاركته في المهرجان. وكانت محكمة الحمامات أصدرت في 30 أغسطس 2013 وفي القضية ذاتها، حكما غيابيا بسجن ولد الكانز 21 شهرا، إلاّ أن محامييْه طعنوا في الحكم. وأثارت أغنية “البوليسية كلاب” التي يتهم فيها “ولد الكانز″ الشرطة بالفساد والإتجار في المخدرات، سخط رجال الأمن في تونس التي تعد حوالي 70 ألف عنصر أمن.


انتقام من الشرطة


وجّه ولد الكانز في أغنيته انتقادا شديد اللهجة لرجال الأمن في تونس، أثار أيضا استياء، إلى جانب نقابات الأمن والشرطة، الكثير من التونسيين، بسبب الألفاظ العنيفة والعبارات التي وصلت إلى حدّ تمني المغني الشاب أن “يذبح بوليسا بدل خروف العيد”. وتضمن فيدو كليب الأغنية صورا لسيارات أمن وعناصر شرطة يقمعون متظاهرين. كما تضمن صورة لعلاء (ولد الكانز) يؤدي مقطعا من أغنيته قبالة مقر وزارة الداخلية بشارع الحبيب بورقيبة الرئيسي وسط العاصمة تونس. وكلما يردد المغني عبارة “البوليسية كلاب” تتعالى أصوات نباح كلاب.

وأكد في هذا السياق: “استعملت في الأغنية نفس العبارات التي تستعملها الشرطة عند التخاطب مع الناس.. خاطبتهم بنوع من الفن العنيف وباللغة التي يتكلمون بها معنا”. وأضاف “على الشرطة احترام المواطنين حتى يحترموها.. ليس هناك أي سبب أو أساس قانوني للزج بي في السجن”.

وفي 2012 أمضى “ولد الكانز″ عقوبة بالسجن 8 أشهر من أجل استهلاك المخدرات. ويعتقد أنه أصدر أغنيته انتقاما من الشرطة. وقال “ولد الكانز″ أيامها إن رجال أمن “تسلطوا عليه بالعنف الجسدي والمعنوي”، وإنه رأى في السجن “كثيرا من الناس المظلومين بسبب الشرطة” ما دفعه إلى إنتاج أغنيته “.

وفي الخامس من الشهر الحالي قال المغني عند مثوله أمام قاضي محكمة الحمامات إن أغنية “البوليسية كلاب” التي تتحدث عن فساد الشرطة موجهة إلى “فئة معينة” من عناصر الأمن وليست إلى جميعهم. ويعتقد حوالي 70 بالمئة من التونسيين أن الشرطة هي الجهاز الأكثر فسادا في تونس، بحسب نتائج استطلاع للرأي أجرته منظمة الشفافية الدولية ونشرت نتائجه في يوليو 2013.

وقال اليعقوبي لدى مغادرته السجن “أنا سعيد لخروجي من السجن وسأستأنف أنشطتي الفنية والموسيقية”. وأضاف الشاب الذي بدا منهكا “الإفراج عني جاء بفضل دعم أصدقائي والضغط” على السلطات التونسية.

وشُوهدت الأغنية، منذ نشرها على “يوتيوب” وحتى اليوم، أكثر من ثلاثة ملايين و591 ألف مرة، لتكون من بين الأغاني التونسية الأكثر مشاهدة على شبكة التواصل الاجتماعي خلال 2013. ويعني اسم “ولد الكانز″ ابن الـ15 عاما ويُطلق عليه لأنه بدأ غناء الراب وعمره 15 عاما.


حُكم تاريخي للقضاء التونسي


إثر إعلان الحكم بالإفراج على “ولد الكانز″ (عدم سماع الدعوى) صرّح الأستاذ غازي مرابط محامي “ولد الكانز″ بأن هذا الحُكم تاريخي في القضاء التونسي، وقد أفرح ولد الكانز والتونسيين جميعا. واعتبر مرابط أن جزءا من القضاء التونسي مستقل رغم الضغوطات التي تمارس عليه، وبشّر بأن سنة 2014 ستكون دون محاكمات في حق الفنانين والإعلاميين على حدّ قوله.

وأعربت وزارة الثقافة التونسية في وقت سابق حين صدر على المغني حكم بالسجن لمدة عامين نافذين، قبل أن يقع استئناف الحكم، عن أملها بالإفراج عن مغني الراب التونسي.

وأكدت الوزارة في بيان وزعته تمسكها المبدئي بالدفاع عن حرية الفن والإبداع التي ترجو أن يتم تثبيتها في مشروع الدستور الجديد وتكرسها أيضا المؤسسات القانونية.

وأشارت إلى أنها بقدر حرصها على استقلالية القضاء، فإنها “ترجو أن يتسع صدر العدالة ليحتوي حق الاختلاف وحرية التعبير استجابة لاستحقاقات الثورة وتطلع التونسيين إلى الحرية والديمقراطية”.

واعتبرت في بيانها أن المرحلة الحساسة التي تمر بها تونس: “تقتضي أيضا التحلي بقدر عال من الحكمة والمسؤولية حتى لا تنجرّ بلادنا إلى مزيد من التوتر والاحتقان”. وأشارت في هذا السياق إلى أنها “تتمنى أن ترى هذا الفنان “ولد الكانز″ حرّا وبين أهله وجمهوره في القريب العاجل.

وأثار الحكم (أيامها) انتقادا واسعا من مناصري المغني على فايسبوك، حتى أن نشطاء أصدروا صفحة خاصة تحت عنوان “كلنا ولد الكانز″. كما احتج عشرات من مناصري المغني في قاعة المحكمة، مما دفع الشرطة لإخراجهم بالقوة وضرب بعضهم من بينهم صحفيون. وأثار الحكم (حينها) حفيظة العديد من المنظمات الحقوقية، فيما انتقدته بعض الأحزاب السياسية التي وصفته بـ”القاسي”، بينما احتج فنانو الراب في تونس على هذا الحكم، ونشر عدد منهم أغنية جديدة على “فايسبوك” و”يوتيوب” شتموا فيها الشرطة والحكومة التي تقودها حركة النهضة الإسلامية. وتقول بعض كلماتها: “أين حرية التعبير التي تتحدثون عنها).. جعلتمونا نكره بلدنا.. أين أنت يا حقوقي، ولد 15 على مبدأ أكثر من المرزوقي (في إشارة إلى الرئيس التونسي المنصف المرزوقي).


وزارة الثقافة على المحك


تُلقي جماعة كبيرة من الفنانين والمثقفين اللوم على وزارة الثقافة التونسية التي يعتبرونها لا تدافع عن حقوقهم بالمستوى المطلوب، كما أنها خاضعة لإملاءات الحكومة الإسلامية وكثيرا ما تتحرك متأخرة لدرء الظلم والأذى عنهم.

وتقول جماعات علمانية أنه منذ وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس عام 2011، أصبحت حرية الإبداع والتعبير مهددة، بسبب تهاون الحكومة مع هجمات متشدّدين إسلاميين على مثقفين وفنانين.

وبالرغم من أن هذا المغني ليس شهيرا بشكل خاص، إلا أن قضيته تم تناولها من قبل نشطاء في مجال حقوق الإنسان ومدونين وصحفيين، والذين طالبوا بالإفراج عنه. وقال الأستاذ غازي مرابط بعد صدور حكم الإفراج عن منوبه، إن بعض الأطراف أرادت تسييس قضية “ولد الكانز″، مؤكدا أن الإدانة تأسست على تقرير شفاهي قام به عونان كانا حاضرين في الحفل، في حين بقي الملف خاليا من القرائن كشهادة شهود ولم يقع مكافحة المتهم مع المدعين عليه. موضّحا أن التهم التي حكم من أجلها منوبه “ولد الكانز″ بالسجن 4 أشهر مع النفاذ العاجل هي “هضم جانب موظف عمومي والاعتداء على الأخلاق الحميدة والقذف العلني طبقا لفصول المجلة الجنائية، وقد أحيل في هذه القضية فنان الراب “كلاي دي. دي. جي” الذي تحصل في وقت سابق على حكم بعدم سماع الدعوى وأفرج عنه.

وأجرى المعهد التونسي للدراسات بتاريخ 30 سبتمبر 2012، استطلاعا كشف عن تخوف 78 بالمئة من المستطلع آرائهم من انتشار سطوة المتشدّدين في تونس، فيما أوضح 82 بالمئة من المستجوبين أن الحكومة لم تتخذ الخطوات اللازمة لوضع حد لمشكل سطوة الإسلاميين المتشدّدين في المشهد الثقافي.

15