مغني راب سوري يصدح بوجع أهل إدلب

الفنان يروي معاناة أهل إدلب على يد قوات النظام وروسيا أو الفصائل الجهادية والمقاتلة.
الأربعاء 2019/10/23
فنان لا يخشى التهديدات

 إدلب (سوريا) - أمام لوح بقي وحده صامدا فوق أنقاض مدرسة مدمرة، يصدح صوت مغني الراب السوري أمير المُعري بمعاناة أهل إدلب، وضد القيود على التعليم وإغلاق الجامعات.

يقول الشاب، البالغ 20 عاما، بذقنه السوداء المشذبة بعناية، “اخترت الراب لأن هذا النوع من الغناء يرتكز على السياسة.. يحكي ضد الديكتاتورية والاستبداد والفساد وقضايا اجتماعية لدى الشباب”.

قبل أسبوعين، ظهر أمير في أول فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي، واقفا أمام لوح أخضر اللون ملأته آثار الرصاص ثم وسط أنقاض مبنى مدمر أو مدرسة استحالت كوم ركام ولم يبق منها سوى جدارية ملونة ترحب بالعيد.

يأتي الفيديو في إطار مبادرة غير مسبوقة في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا، بعنوان “عَكُلّ الجبهات”. يروي أمير معاناة أهل إدلب على يد قوات النظام وروسيا أو الفصائل الجهادية والمقاتلة، مركزا خصوصا على أزمة قطاع التعليم الذي فقد تحت قصف الكثير من منشآته، فيما فرضت عليه هيئة تحرير الشام قيودا أغلقت بموجبها العديد من الجامعات.

ويقول أمير من منزله حيث الاستوديو البسيط الذي صنعه بيده “لاقى الفيديو الإعجاب لأنه يتحدث عما هو موجود في قلب الشعب”، مشيرا إلى “تنازع الفصائل وتجاوزاتها في حق المدنيين سياسيا واقتصاديا، والتصعيد الروسي والسوري في هذه المدة، والطلاب الذين يتشردون”.

ويقول في الأغنية، التي أنتجها بالتعاون مع فنانين من لبنان، “اندفنا بالليالي لمّا طلبنا العلا. ما رح ينفع التظاهر لو الفكر محجّر. زت المقرّر الجامعة انختمت بالشمع الأحمر (…) إزعل عَ مستقبلي الدراسي والألفين طالب انطردوا من الكراسي”.

ويضيف “ع مين بدي إزعل عَ رفيقي يلّي استشهد (…) عَ هالمشهد لمّا الدم بيمتزج بالدفتر والأشلاء عم تتعدّد”.

وكان من المفترض أن يحمي اتفاق روسي تركي، وقع في سوتشي في سبتمبر من العام 2018، إدلب من عملية عسكرية واسعة لقوات النظام، وينص على إقامة منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات النظام والفصائل، لكن لم يتم تنفيذه مع أنه فرض هدوءا نسبيا لأشهر عدة.

وفي أغنيته، يقول أمير “هون معقل اتفاقيات الروسي (…) روح شوف الشعب بعد نتائج مؤتمر سوتشي”.

ويدين تدخل الدول الكبرى والإقليمية في بلاده قائلا، “أنظمة بتتغذّى عالحروب والدم. كل ما عندن إرسال وفود استطلاع وتاني يوم بينقصف مخيم”.

في الفيديو، يظهر مواطنون من مناطق عدة في إدلب يهزون وجوههم مع نغم الموسيقى؛ امرأة محجبة ورجل يده مبتورة ومتطوعان في الخوذ البيضاء (الدفاع المدني في مناطق المعارضة) وحلاق وطفلان يلعبان الشطرنج وغيرهم كثر.++

وينتقد أمير الفصائل على أنواعها في إدلب، وخصوصا هيئة تحرير الشام التي تعتبر الجهة الآمرة الناهية في المحافظة.

من رحم المعاناة يولد الفن
من رحم المعاناة يولد الفن

وفي أغنيته يقول “إنتو مين، ضلّ منافق ما حكى بالدين، هاد بيدِّعي الخلافة وهاد بيفتي عن يقين (…) منظّمات خارجية وفصائل متخاذلة، ما تحاول تزرع لتحصد مستقبل لأنك عايش بأراضي قاحلة”.

وكونه يتطرق إلى مواضيع داخلية حساسة، تلقّى أمير تحذيرات من أشخاص يعملون مع الفصائل تطلب منه تخفيف حدة انتقاداته، إلا أنه لم يأبه بها، بل يقول “لم أخف خلال التصوير (…) فالشعب كله معي والجميع تفاعل مع ما قلته والمواضيع المطروحة في الأغنية”، مضيفا “أريد أن أحكي عمّا أراه”.

تنقّل أمير خلال السنوات الماضية بين تركيا، التي لجأ إليها من أجل الحصول على فرصة عمل، ومدينته معرة النعمان التي استقر فيها أخيرا بعدما قتل شقيقه برصاص حرس الحدود التركي أثناء محاولته العبور.

إثر عودته إلى معرة النعمان، اشترى أيمن عدة أدوات للتسجيل وأنشأ لنفسه استوديو بسيطا، وصنع في إحدى الزوايا من علب كرتون مخصصة للبيض مكانا للتسجيل وضع فيه ميكروفونا صغيرا.

وخلال الساعات غير المخصصة للموسيقى، يعمل أمير في متجر والده لبيع الأدوات المنزلية، لكنه يستغل كل دقيقة فراغ بين زبون وآخر ليحمل هاتفه ويستمع منه إلى الموسيقى.

يقول إن مغنّي الراب المفضلين لديه في المنطقة هم الراس في لبنان، الذي أنتج موسيقى “عَكُلّ الجبهات”، وبو كلثوم في سوريا وشيبوبة في السعودية.

أما في الغرب فيحب أمير توباك وموسيقى الراب القديمة التي تدين العنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء، لكنه مهتم أيضا بالموسيقى الكلاسيكية مثل بيتهوفن وفيفالدي.

لم يكن من السهل على أمير إيجاد من يساعده في تطوير مسيرته في موسيقى الراب، فطلب مساعدة أصدقاء له في الخارج علّموه التسجيل وأصول الهندسة الصوتية، أو أنهم أخذوا على عاتقهم أحيانا إنتاج الموسيقى لأغانيه.

ويقول “هناك أعمال جديدة يتم التخطيط لها وستطرح مواضيع أخرى” قد تكون قضية النزوح التي يعاني منها ملايين السوريين.

ويضيف “أتمنى مستقبلا أن يُفهم كلامي في أغاني الراب، وألّا تكون الموسيقى لهزّ الرأس فقط”.

20