مـاديبا.. رجـل صار أكبـر مـن شعبـه لأنه خـرج من سجنه إلى المفاهيم العالمية

السبت 2013/12/07
سجل نضالي بلا نظير للسجين الذي بنى وطنا

من مانديلا إلى الشعبين التونسي والمصري

أعتذر أولا عن الخوض في شؤونكم الخاصة، وسامحوني إن كنت دسست أنفي فيما لا ينبغي أن تقحم فيه. لكني أحسست أن واجب النصح أولا، والوفاء ثانيا لما أوليتمونا إياه من مساندة أيام قراع الفصل العنصري يحتّمان عليّ رد الجميل وإن بإبداء رأي محّصته التجارب وعجنته الأيام وأنضجته السجون.

أحبتي ثوّار العرب، لا زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح، كان يوما مشمسا من أيام "كيب تاون"، خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف يوم.

خرجت إلى الدنيا بعدما وُورِيتُ عنها سبعا وعشرين عاما لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد ورغم أن اللحظة أمام سجن "فكتور فستر" كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن. إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو: كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلا؟

أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم: لقد خرجتم لتوّكم من سجنكم الكبير؛ وهو سؤال قد تحُدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي. أو على لغة أحد مفكريكم فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل.

أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشي بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء، كما يبدو لي أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى استثناء وتبكيت كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة. ذاك أمر خاطئ في نظري.

أنا أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة، إلا أنني أرى أن استهداف هذا القطاع الواسع من مجتمعكم قد يسبب للثورة متاعب خطيرة، فمؤيدو النظام السابق كانوا يسيطرون على المال العام وعلى مفاصل الأمن والدولة وعلاقات البلد مع الخارج.

فاستهدافهم قد يدفعهم إلى أن يكون إجهاض الثورة أهم هدف لهم في هذه المرحلة التي تتميز عادة بالهشاشة الأمينة وغياب التوازن. أنتم في غنى عن ذلك، أحبتي. إن أنصار النظام السابق ممسكون بمعظم المؤسسات الاقتصادية التي قد يشكل استهدافها أو غيابها أو تحييدها كارثة اقتصادية أو عدم توازن أنتم في غنى عنه الآن.

عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة.

أعلم أن مما يزعجكم أن تروا ذات الوجوه التي كانت تنافق للنظام السابق تتحدث اليوم ممجدة الثورة، لكن الأسلم أن لا تواجهوهم بالتبكيت إذا مجدوا الثورة، بل شجعوهم على ذلك حتى تحيدوهم وثقوا أن المجتمع في النهاية لن ينتخب إلا من ساهم في ميلاد حريته. إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير. أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد.

لذلك شكلت “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر. إنها سياسة مرة لكنها ناجحة. أرى أنكم بهذه الطريقة– وأنتم أدرى في النهاية- سترسلون رسائل اطمئنان إلى المجتمع الملتف حول الديكتاتوريات الأخرى أن لا خوف على مستقبلهم في ظل الديمقراطية والثورة، مما قد يجعل الكثير من المنتفعين يميلون إلى التغيير، كما قد تحجمون خوف وهلع الدكتاتوريات القائمة من طبيعة وحجم ما ينتظرها.

يثير رحيل الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا في هذا الوقت تحديدا تساؤلات حول إمكانية تطبيق فكرة التسامح ونبذ الإقصاء السياسي في العالم

تخيلوا أننا في جنوب إفريقيا ركزنا – كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني اليوم. أتمنى أن تستحضروا قولة نبيكم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». نلسون روليهلالا مانديلا

تلك كانت نصيحة نيلسون مانديلا التي لم يعمل بها "ثوّار الربيع العربي"، فخسروا ثوراتهم وبلادهم. مانديلا دعاهم إلى التسامح لأنه أساس البناء أما الانتقام فنهايته الخراب. الحاضر لا يبنى إلا بالماضي لذلك دعا مانديلا العرب إلى الاستفادة من خبرات رجال الدولة السابقين والترفع عن محاكمتهم فذلك أول سطر في مشروع العدالة الانتقالية.

عندما انتخب مانديلا رئيسا لدولة جنوب أفريقيا، لم يسارع إلى سجن الزعماء "البيض" ورموز التمييز العنصري في بلاده، ومن كان سببا في سجنه 28 سنة. فنجح نيسلون مانديلا، فيما فشل فيه القادة الجدد للثورات العربية".

نجحت ثورة مانديلا وفشلت "ثورة الربيع العربي"، لأن مانديلا ترفّع عن فكرة الانتقام وخاض مفاوضات من أجل الانتقال الديموقراطي السلس؛ وعندما أوصله صندوق الانتخاب الشرعي والديمقراطي إلى السلطة لم يفكر في جماعته وحزبه، حزب المؤتمر الافريقي، ووضع مصلحة جنوب أفريقيا فوق الجميع، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين اتخذ من السلام والتسامح رسالة إلى العالم تنطلق من جوهانسبورغ.

وصل مانديلا وانتصر ولكنه لم يستبعد أحدا، وألتف حوله الأفارقة بـ"سودهم وبيضهم" وبنى جنوب أفريقيا التي

دخلت جنوب مجموعة العشرين الأكثر تطورا اقتصاديا على مستوى العالم .ليترجّل رجل السلام عن فرسه يوم الخميس 5 ديسمبر 2013، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتسامح وقد ترك وصايا هامة يمكن أن تقود إلى مستقبل أفضل للبشرية في عالم يغرق في عدم التسامح والشرور الإنسانية.

لخص الأسقف الانغليكاني ديسموند توتو، إرث الزعيم الإفريقي العالمي، بالقول إن مانديلا نجح في أن يحول جنوب أفريقيا، دون حقد، إلى ديموقراطية مستقرة متعددة الأعراق. ووصفه بـ "أنه أضحى رمزا عالميا للمصالحة ورمزا لمكافحة التمييز العنصري في العالم".

وقد شارك توتو مانديلا في تشكيل لجنة الحقيقة والمصالحة، التي تولى رئاستها الأسقف الانغليكاني، وأصبحت نموذجا يطبق في الدول التي تشهد أعمال عنف رغم الانتقادات بأنها غير مثالية لدى نشر تقريرها في 1998 بعد المئات من جلسات الاستماع.

مانديلا وغاندي.. زعيما التسامح
الفلسفة السياسية التي تبناها مانديلا القس ديزموند توتو في جنوب أفريقيا، وقبلهما المهاتما غاندي في الهند، قائمة على مفهوم "العفو والصفح" (Forgiveness)، في مقابل فلسفة "العدالة والقصاص" الغالبة في تجارب مقاومة الاستعمار والديكتاتوريات في القرن العشرين.. ولخصها ديزموند توتو في مقولته الشهيرة "لا مستقبل دون صفح" (No Future without Forgiveness)..

وقد اتخذ مانديلا قرار بمقاومة لاعنفية متأثرا بحركة المهاتما غاندي، ويقول خبير الشؤون الأفريقية أبولون ديفيدسون: لا يوجد اليوم في أفريقيا سياسي يمكنه أن يصل مستوى نيلسون مانديلا. ويضيف: "نيلسون مانديلا، مثل المهاتما غاندي، عارض الحروب من أجل المصالحة الوطنية.

"ماديبا" المشاكس


كل الأسماء التي حملها مانديلا تحمل الكثير كن شخصيته، فهو "المشاكس"، كما يعني اسمه الأصلي "روليهلاهلا"، الذي أطلقه عليه والده عند ولادته في 8 تموز- يوليو 1918 في منطقة ترانسكاي (جنوب شرق).

وهو "ماديبا"، أي الرجل العظيم المبجّل وهو لقب يطلقه أفراد عشيرة مانديلا على الشخص الأرفع قدرا بينهم وأصبح مرادفا لاسم نلسون مانديلا. ومانديلا فهو اسمه جدّه ابن الملك نغوبنغوكا، حاكم شعب تيمبو في أراضي ترانسكاي.

أما نيلسون فهو اسم انجليزي أطلقه عليه معلّمه في مدرسته الابتدائية التي كان يدرس بها في كونو بجنوب افريقيا، ليسهل نطقه على الانجليز والأجانب.

هذه الصفات اجتمعت في الزعيم الأفريقي الراحل، الذي وجد نفسه رئيسا لقبيلته لايزال غرا بعد وفاة والده زعيم القبيلة. ومن هناك انطلقت رحلة 95 عاما، قضاها مانديلا الفتى والشاب والعجوز، يحارب من أجل إنسانيته وإنسانية أشقاءه ضد التمييز العنصري.

ولدى وصوله إلى جوهانسبرغ في مطلع الأربعينات للبحث عن فرصة عمل، أصيب مانديلا بصدمة قوية لدى شعوره بالظلم من التمييز الذي كان سائدا في المجتمع، فقد وجد أن السود والبيض يركبون حافلات مختلفة، ويشربون من فناجين مختلفة في شركة الخدمات القانونية التي كان يتدرب فيها.

وبدأ الإعداد لنيل البكالوريوس من جامعة فورت هار، ولكنه فصل من الجامعة، مع رفيقه أوليفر تامبو، عام 1940 بتهمة الاشتراك في إضراب طلابي. وعاش فترة دراسية مضطربة متنقّلا بين العديد من الجامعات وتابع الدراسة بالمراسلة من مدينة جوهانسبرغ، وحصل على الإجازة ثم تسجل لدراسة الحقوق في جامعه ويتواتر ساند.

في تلك الفترة، كانت جنوب أفريقيا خاضعة لحكم يقوم على التمييز العنصري الشامل، حيث لم يكن يحق للأفارقة الانتخاب ولا المشاركة في الحياة السياسية أو إدارة شؤون البلاد. وأحس مانديلا الشاب "المشاكس"، وهو يتابع دروسه الجامعية، بمعاناة شعبه فانتمى إلى "المجلس الوطني الأفريقي" المعارض للتمييز العنصري عام 1944، وفي العام نفسه ساهم في إنشاء "اتحاد الشبيبة" التابع للحزب، وأشرف على إنجاز "خطة التحرك"، وهي برنامج عمل لاتحاد الشبيبة، وقد تبناها الحزب عام 1949.

مقولات لا تنسى لمانديلا
* لقد حاربت ضد هيمنة البيض وحاربت ضد هيمنة السود ، وأثمن قيمة وجود مجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع في تناغم وفي ظل فرص متساوية.. إنها قيمة أتمنى أن أعيش من أجلها وأن أحققها ، ولكن إذا ما استدعت الضرورة ، فإنني مستعد للموت من أجلها".

* لقد سرت على الدرب الطويل للوصول إلى الحرية ، وحاولت ألا أفقد حماسي ، ولقد قمت ببعض الخطوات الخاطئة على طول الطريق ، ولكنني اكتشف السر أنه بعد تسلق جبل عظيم ، يجد المرء أن هناك جبال أخرى كثيرة ينبغي تسلقها".

* التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم

* هناك دربا سهلا للحريّة، وعلى العديد منا سلوك وادي ظلال الموت مرارا وتكرارا قبل أن نصل إلى القمة التي نبتغيها

* في بلادي، لا بد من الذهاب إلى السجن أولا قبل أن تصبح رئيسا

* القائد الناجح هو الذي يواجه جدالاً بصراحة وعمق لتقريب وجهات النظر مع الطرف الآخر... ولكن الفكرة تلك لا تخطر على بال المتعجرف، السطحي والجاهل.

* المال لن يصنع النجاح، إنما الحريّة لإنتاج المال تصنع النجاح

*لا سيء يضاهي العودة إلى مكان لم يتغيّر أبداً، كي تكتشف الزوايا التي تغيّرت في نفسك.

* أكره العنصرية لأنه أمر بربري، إن كان مصدرها رجلاً اسود أو أبيض.

* ليس شيء يدل على روحية مجتمع ما أكثر من طريقة تعامله مع أبناءه.

* إذا أردت تحقيق السلام مع عدوّك، عليك أن تعمل معه، بعدها فسوف يصبح شريكك.

* ليس أفضل أن تكون قائداً يقف في الخلف وتضع الآخرين في المقدّمة، خاصّة عندما تحتفل بانتصار ما. عليك أن تكون بالمقدّمة في حال الخطر. عندها، سيقدّر الناس قيادتك لهم.

* لشجاعة لا تكون في غياب الخوف إنما في التغلّب عليه. الرجل الشجاع ليس من لا يشعر بالخوف وإنّما من يقوم بقهره.

في عام 1952، بدأ الحزب ما عرف بـ"حملة التحدي"، وكان مانديلا مشرفا مباشرا على هذه الحملة، فجاب البلاد كلها ليحض الناس على مقاومة قوانين التمييز العنصري. وافتتح مع رفيقه أوليفر تامبو أول مكتب محاماة للأفارقة في جنوب إفريقيا، وخلال تلك السنة صار رئيس الحزب في منطقة الترانسفال، ونائب الرئيس العام في جنوب أفريقيا كلها.

وقد أتاحت له ممارسة المحاماة فرصة الاطلاع مباشرة على المظالم التي كانت ترتكب ضد أبناء الشعب، وفي الوقت نفسه اطلع على فساد وانحياز الســلطات التنفيذية والقضائية.

حمل نيلسون مانديلا على ظهره تاريخ شعب جنوب أفريقيا، من النضال إلى الحرية، ومن الفصل العنصري إلى المساواة بين أبناء البلد الواحد. قمة نضاله الوطني الجنوب أفريقي انطلقت من زنزانة السجن الضيقة. ثم وبعد خروجه من السحن وانتخابه أول رئيس أسود لجمهورية جنوب أفريقيا تحوّل إلى أيقونة عالمية وأنموذج للرئيس الإنساني المتسامح. وقد قال في خطاب ألقاه أثناء محاكمته بتهمة الخيانة في 20 ابريل- نيسان 1964 "طوال حياتي كرست نفسي لنضال الشعب الافريقي هذا. قاتلت ضد هيمنة البيض وقاتلت أيضا ضد هيمنة السود.

مفصل النضال السري

كان مانديلا في البداية يدعو للمقاومة غير المسلحة ضد سياسات التمييز العنصري، لكن بعد مجزرة شاربفيل التي راح ضحيتها عدد كبير من الأفارقة عام 1960، وإقرار قوانين تحظر الجماعات المضادة للعنصرية، قرر مانديلا وزعماء المجلس الإفريقي القومي فتح باب المقاومة المسلحة. وحظرت السلطات العنصرية جميع أنشطة حزب "المجلس الوطني الإفريقي"، واعتقل مانديلا حتى 1961، وبعد الإفراج عنه قاد المقاومة السرية التي كانت تدعو إلى ضرورة التوافق على ميثاق وطني جديد يعطي السود حقوقهم السياسية. وفي العام نفسه أنشأ مانديلا وقاد ما عرف بالجناح العسكري للحزب.

في 1962 غادر إلى الجزائر للتدرب العسكري ولترتيب دورات تدريبية لأفراد الجناح العسكري في الحزب. وعند عودته إلى جنوب أفريقيا في عام 1962 ألقي القبض عليه بتهمة مغادرة البلاد بطريقة غير قانونية، والتحريض على الإضرابات وأعمال العنف.

أدانته المحكمة "العنصرية" بالتهم الموجهة إليه وحكمت عليه بالسجن مدة 5 سنوات، وفيما هو يمضي عقوبته بدأت محاكمة "ريفونيا"، التي ورد اسمه فيها وكان عمره آنذاك 46 عاما، حكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة القيام بأعمال التخريب.

وخلال محاكمات ريفونيا التي عقدت بين عامي 1963 و1964، أعلن مانديلا من خلف القضبان وهو يواجه عقوبة الاعدام بتهمة التخريب ضد النظام "استعداده للموت" من أجل القضاء على نظام الفصل العنصري. وفي عام 1964، حكم على ماديبا وأستاذه والتر سيسولو وستة آخرين بعقوبة السجن مدى الحياة.

وخلال سنوات سجنه الطويلة في سجن جزيرة روبن أيلاند وغيره من السجون، أصبح السجين 46664 رمزا عالميا للنضال. واعتلّت صحة مانديلا وأصيب بمرض في رئتيه جراء سنوات طويلة من تكسير الأحجار الجيرية في أحد المحاجر أثناء تمضية فترة العقوبة.

وفي الثمانينات، أصيب مانديلا بالتهاب رئوي وظل يعاني من مشكلات مستمرة بالرئة استلزمت دخوله المستشفى عدة مرات في سنواته الأخيرة.

مانديلا.. الرجل الأسطورة

في غضون ساعات من إخلاء سبيله من السجن يوم 11 شباط- فبراير عام 1990، شرع مانديلا في محاولة استمالة قلوب منتقديه عن طريق توجيه رسالة تسامح ومحاولة نزع فتيل أي نزعة للانتقام في أوساط الأغلبية السوداء.. واقتسم مانديلا وزعيم الحزب الوطني فريدريك ويليام دي كليرك جائزة نوبل للسلام عام 1993،

أجريت أولى الانتخابات الرئاسية في 27 أبريل 1994 وفاز فيها نيلسون مانديلا، وشغل منصب رئاسة المجلس الإفريقي (من يونيو 1991- إلى ديسمبر 1997)، وأصبح أول رئيس إفريقي لجنوب إفريقيا (من مايو 1994- إلى يونيو 2000). وعند توليه الرئاسة، تعهد في خطابه الافتتاحي أمام لفيف من زعماء العالم في بريتوريا بأنه "لن يحدث أبدا أبدا أبدا مرة أخرى في هذه البلاد الجميلة أن يتم قمع طرف بواسطة طرف آخر".وخلال فترة حكمه شهدت جنوب إفريقيا انتقالا كبيرا من حكم الأقلية إلى حكم الأغلبية.

في يونيو 2004 قرر مانديلا، ذو الـ 85 عاما التقاعد وترك الحياة العامة، لأن صحته أصبحت لا تسمح بالتحرك والانتقال، كما أنه فضّل أن يقضي ما تبقى من عمرة بين عائلته وزجته التي تزوجها يوم عيد ميلاده الثانين، مانديلا غراسا ماشيل، أرملة رئيس موزمبيق السابق، التي تصغره بـ27 سنة؛ والتي قال عنها مانديلا: "إن غراسا هي الرئيس" وعندما أكون لوحدي ـ أي بدونها ـ أكون ضعيفا".

وتزامنا مع يوم ميلاده التسعين أعلنت الإدارة الأميركية، في عهد جورج بوش، قرار شطب اسم مانديلا من على لائحة الإرهاب في الولايات المتحدة. وأصبح ظهوره علنا أمرا متزايد الندرة، ونقل إلى المستشفى عدة مرات بسبب اعتلال بالجهاز التنفسي. لينتهي به المشوار مساء الخميس (5 ديسمبر كانون الأول)؛ وقد أثبتت وفاته نجاح مهمّته السامية، حين توحّدت كل جنوب أفريقيا والتقى السود والبيض أمام منزله لتوديع "ماديبا" الوداع الأخير. ولكن شعب جنوب أفريقيا يشعر بوجوده دائما في حياته اليومية بعد إصدار عملات ورقية تحمل صورته في نوفمبر-تشرين الثاني عام 2012 .

رجل وأسطورة

حبس الناس في جنوب افريقيا والعالم أنفاسهم يوم 11 فبراير شباط 1990 وهم يشاهدون مانديلا يغادر سجن فيكتور فرستر في كيبتاون ويرفع قبضته تحية للحشود وهو يخطو أولى خطواته وخطوات بلاده في "المسيرة الطويلة إلى الحرية" التي صارت عنوانا لسيرة ذاتية كتبها لاحقا. وبقدر ما كانت هذه بداية لعملية التحول السياسي في جنوب افريقيا كانت أيضا لحظة حاسمة في نشأة الشغف بمانديلا الفرد في الداخل والخارج.

وتخلده صورة له بالزجاج المعشق في إحدى نوافذ كنيسة رجينا موندي العملاقة في سويتو وتنتشر في أنحاء البلاد تماثيل له وهو يرقص أو يمارس الملاكمة أو يرفع قبضته، وفي عام 2012 أصدر البنك المركزي أوراقا نقدية تحمل صورته في الذكرى الثانية والعشرين لإطلاق سراحه من السجن.

وربما كان من المحتم في مثل هذا المناخ أن يتم التغاضي عن بعض الأحداث في رئاسته التي استمرت خمس سنوات. فقد أثارت صداقته مثلا مع الزعيم الليبي معمر القذافي انتقادات رد عليها بعنف. كما ألقت شهادة عارضة الأزياء البريطانية ناعومي كامبل بخصوص "ألماس مناطق الصراع" أمام محكمة لجرائم الحرب في لاهاي عام 2010 أضواء كاشفة على حفل عشاء استضافه مانديلا عام 1997 لزعيم الحرب الليبيري تشارلز تيلور الذي شكك وجوده في الحفل في سياسة جنوب افريقيا الخارجية "الأخلاقية".

فضلا عن"صفقة السلاح" الشهيرة وهي عقد قيمته خمسة مليارات دولار لمعدات دفاعية تحول الى فضيحة ضخمة لثابو مبيكي الذي خلف مانديلا في الرئاسة وما زال من الأسباب الرئيسية لتراجع التأييد لحزب المؤتمر الوطني الافريقي بعد ما تمتع به من شعبية كاسحة في الفترة التي اعقبت انتهاء الفصل العنصري.

وفي غمرة الانتقاد لمبيكي والرئيس الحالي جيكوب زوما اختار كثير من أبناء جنوب افريقيا نسيان أن هذه الصفقة أعلن عنها في البداية عام 1998 عندما كان مانديلا رئيسا.

لكن في شوارع مستوطنة سويتو السوداء التي ما زالت تشهد مواجهات متفرقة بين الشرطة والشبان العاطلين الساخطين واحتجاجات عنيفة على تدني المساكن والخدمات العامة هناك كثيرون ممن لا يقتنعون بأسطورة مانديلا.


مانديلا والعرب


اليوم وكل العالم يودّع أيقونة السلام والتسامح، يستحضر العرب صورة الزعيم الأفريقي بمرارةـ بعد أن سرقت منهم ثوراتهم وسرق معها آخر رمق من كرامتهم وحلمهم في حياة أفضل. ويثير رحيل الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا في هذا الوقت تحديدا تساؤلات حول إمكانية تطبيق فكرة التسامح ونبذ الإقصاء السياسي في العالم العربي الذي بات الانقسام واضحا في دوله، لا سيما بعد ثورات الربيع العربي.

وقد كان لخبر وفاة مانديلا وقع حاص على الفلسطينيين الذي شعروا بالحزن على رفيق درب قضيتهم وزعيمهم التاريخي ياسر عرفات، لكن بطل النضال ضد الفصل العنصري شهد انتهاء "الابارتايد" بينما ما زال الفلسطينيون ينتظرون نهاية الاحتلال الاسرائيلي. "نعلم جيدا أن حريتنا منقوصة من دون الحرية للفلسطينيين"، هكذا تحدث نلسون مانديلا عن القضية الفلسطينية.

ولا يقتصر الإعجاب بمانديلا على الفلسطينيين. بل يمتد إلى معظم العرب. وكان الزعيم الأفريقي تدخل لدى الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي لإطلاق المعارض المنصف المرزوقي، الرئيس الحالي لتونس بعد ثورتها.

النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير

كان نشطاء السلام في العالم يأملون في أن يشارك مانديلا في دعم قضاياهم في منطقة الشرق الأوسط الساخنة، وأن يساهم في إشاعة روح التسامح التي باتت مفقودة في المنطقة؛ لكن المرض، ثم الموت، حالا دون أن يتوجه "ماديبا" إلى الشرق الأوسط الذي كان في أشد الحاجة إلى حكمته وتسامحه.

وقد نعاه أغلب القادة والمسؤولين العرب، مشدّدين على مكانته الخاصة، فالزعماء بقامة نيلسون مانديلا، وجمال عبد الناصر، والآباء الأفارقة المؤسسين للنضال والكفاح الأفريقي من أجل الحرية والاستقلال، سيظلون أبد الدهر مصدر إلهام للشعوب، ونموذجا يحتذى للتضحية والفداء في سبيل المبدأ، تحقيقًا للقيم الإنسانية والكرامة الوطنية وتطلعات الشعوب"، وفق بيان الرئاسة المصرية.

و"اسم مانديلا صار بحق رمزا من رموز نضال الانسان لنيل حقوقه في العيش بحرية وكرامة ومساواة ومكافحة العنصرية البغيضة ونشر قيم التسامح والمصالحة"، كما جاء في كلمة نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية.

ودعت الحكومة الليبية مواطنيها إلى استخلاص العبر من موقفه التي وصفتها بالفذة في إرساء قيم التسامح والمصالحة الوطنية وتجاوز الماضي بكل مآسيه.

وأثنت على مواقفه في تحقيق المصالحة في جنوب أفريقيا، معتبرة بأنه كان مثالا للصفح والعفو والتسامح.

في رسالته إلى "أحبتي ثوار العرب عموما"، المؤرّخة بـ31 تموز 2011، حذر نيلسون مناديلا من الوقوع في فخ أن "الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء"، لكن، مر أكثر من سنتين على نصيحة مانديلا التي يبدو أنها ذهبت سدى، واليوم وبعد ثلاث سنوات، وقعت الكارثة، وانهار الاقتصاد، والعزل صار قسريا، والفوضى تعم البلاد، والنظام العادل لم يقم بعد والديمقراطية اختلت مفاهيمها ، وتنامى التطرف وغاب التسامح عن "أحبته العرب"، ومع ذلك يبقى الأمل في أن تنجح "ثورات العرب" مثلما نجحت ثورة "ماديبا".

12