"مفاتيح مكسورة".. الإرهاب يحاصر الموسيقيّ الوحيد

الفيلم للمخرج اللبناني جيمي كيروز وقيل إنه رشح لمنافسة الأوسكار.
الأحد 2021/05/02
موسيقى البشر المحاصرين في مواجهة الإرهاب

عازف البيانو في مواجهة داعش، صورة مهتزّة وتراجيدية يكفي أنها تختصر معادلة الهلع من الموسيقى وفتاوى التكفير وقطع الرؤوس في وسط خراب بشري ومكان منقطع النظير.

وخلال ذلك تضرب موجات الأمل في نجاة البقية الباقية من البشر المحاصرين بقدرهم، والذين يحاولون أن يجدوا لأنفسهم مخرجا من الدائرة المقفلة التي وجدوا أنفسهم فيها، وهو ما يقدّمه المخرج اللبناني جيمي كيروز في فيلم “مفاتيح مكسورة” الذي شارك في مهرجان كان، وقيل إنه رشّح من طرف لبنان لمنافسة الأوسكار التي لم يفز بها أي فيلم عربي.

ولنعد إلى عالم الموسيقى الذي يمثله الشاب كريم (الممثل طارق يعقوب) وهو يقبع في وسط ما بقي من الخراب في وسط قرية سورية نخرتها الحرب وحولتها إلى ركام من الحجر والإسمنت، فيما تدب حياة صامتة لبضعة شخصيات في عمق ذلك المكان الخرب.

وكأننا أمام مشهد مسرحي أكثر منه سينمائي، إذ يقدّم المخرج ببراعة في مشهد مصنوع بعناية شديدة شخصيّاته الرئيسية، وفي الوقت ذاته يعرّف بمحيط شخصية كريم، الكاميرا النشطة تنتقل من شخصية إلى أخرى بانسيابية وجمالية بالغة لنشاهد تلك الشخصيات وقد احتمت بنفسها في وسط بناية محطمة حتى صار المكان أشبه بصالة كبيرة تتسع لحياة الجميع.

كريم وهو يعيش وحيدا بعد فقد والديه يسعى للبحث عن مخرج من المحنة عن طريق مهرّب، ويريد بيع البيانو الخاص به لجمع المال لهذا الغرض، لكنّه في كل حركة يتحرّكها هنالك الدواعش يتربّصون به ثم يهجمون على المكان ويرشقون البيانو بالرصاص.

محنة الشخصية المركبة قليلة الكلام هي التي كرسها هذا الفيلم بشكل إنساني عميق، إذ كان كريم تجسيدا لحالة الضياع الكامل والوجود الخاطئ في الزمان والمكان، فهو بسيط في اهتماماته والتعبير عن نفسه فما بالك وهو يواجه تلك الشراسة المتناهية والتي تنتهي به وهو يقطع أراضي مقفرة لكي يذهب إلى قرية أخرى وليجلب مواد يصلح بها البيانو الذي تحطّمت أجزاء منه.

الفيلم قدم لنا صورة بانورامية متنوّعة وغزيرة التعبير بسعيه للإحاطة بتفاصيل عديدة ومتشعبة حول أهوال داعش

تلك الرحلة كانت كافية ليلتقي بفتاة تحمل السلاح (الممثلة سارة أبي كنعان) والتي سوف تدخله في دوامة أخرى من خلال مساعدتها للهرب بصفتها زوجة له، وهو ما يفعله ليتركها في قرية قريبة تجد فيها ملاذا.

بالطبع كان هنالك المزيد مما يمكن الاشتغال عليه من حوار إنساني عميق بين الشخصيتين اللتين من خلالهما كان بالإمكان كشف المزيد والمزيد من هول الواقع المعاش بدلا من مشاهد المدرسة وحرق داعش للكتب المدرسية وتجنيد الأطفال، وهي مشاهد مكرّرة ومعلومة ولا جديد فيها وحتى تنفيذها لم يكن في مستوى ما تم تقديمه من مشاهد من وجهة نظر كريم.

بالطبع مجرّد مشاهد الحطام والبيانو سوف تحيلنا بالذاكرة وفورا إلى فيلم “عازف البيانو” الشهير للمخرج رومان بولانسكي، الذي بقي علامة فارقة أضيفت لصراع الموسيقى في مواجهة الغزو النازي، وها نحن مع الموسيقى في مواجهة الغزو الداعشي.

التصوير في مدينة الموصل العراقية أعطى الكثير من المصداقية للفيلم واستثمر مدير التصوير جو سعد المكان بشكل مميز وأبرز عناصره ومميزاته وتحرّكت الكاميرا في موازاة الشخصيات بمهارة ملحوظة فضلا عن التنوع البصري في مشاهد اللقطات من الدرونز والزوايا المختلفة فضلا عن توظيف عناصر الإضاءة وهي تحسب له أيضا.

وأما على الجانب الآخر فقد كانت الموسيقى التصويرية التي وضعها غابريل يارد إضافة وإثراء بخبرته الواسعة وحضوره في العديد من الأفلام السينمائية، وحيث منحتنا موسيقاه إضافة جمالية وعمقا إنسانيا وواقعيا خرج الفيلم من امتحان الصوت والضجيج الذي تقع فيه أغلب الأفلام العربية بأن ترك للصورة أن تقدم لنا الحقيقة، فيما تكمل الموسيقى التصويرية جوانب مهمة من تعبيرية المشاهد واللقطات.

على أننا وعلى صعيد الحبكة السينمائية كنا بحاجة إلى مزيد من التعمق في الأزمة الإشكالية التي وجد كريم نفسه في وسطها، وواضح أن المخرج أراد أن يقدم توصيفا بصريا لكل شيء من ممارسات داعش إلا الإعدامات والفارمانات التي كان يصدرها بحق المخالفين، وهي ما كانت تتكرّر بينما كانت قضية كريم تضعف أمام ذلك المد.

في المقابل كان هامش العلاقات الإنسانية والتفاعل بين الشخصيات هو العنصر الملفت في تلك الدراما بالإضافة إلى مشاهد حبس الأنفاس ساعة المرور على نقاط التفتيش الداعشية، فضلا عن العلاقة المؤثرة بين كريم وبين الطفل زياد.

وتأسيسا على ذلك كان لا بد للمخرج أن يصل بنا إلى ذروة ما وبهذا فقد كرّس مساحة للمواجهة بوجود مقاومة شعبية لداعش سوف تستخدم موسيقى كريم، وهو يتجرأ على عزف البيانو في الخارج مستخدما مكبرات الصوت ليثير جنون الدواعش، ومن ثم يصبح احتشادهم سببا في اصطيادهم.

لا شك أن الفيلم قدم لنا صورة بانورامية متنوّعة وغزيرة التعبير بسعيه للإحاطة بتفاصيل عديدة ومتشعبة بينما كانت هنالك إشكالية معقدة تتعلق بوجود كريم من جهة واللقاء العابر وغير الحيوي بالفتاة ثم الذهاب إلى قرية أخرى وما إلى ذلك من تفاصيل.

15