مفاجآت الكتابة

الخميس 2017/10/12

لا يمكن أن تكون رواية مثل “الحرب والسلام” نتاجَ تخطيط مبرمج من أولها الى آخِرِها، ولا يمكن لماركيز أن يكتب “مئة عام من العزلة” تحت بند مخطط له مسبقا تماما؛ وليس هناك كتّاب أمثال تولستوي وماركيز ينتجون روايات ضخمة تحت مؤثر تخدير التخطيط الدقيق والانجرار إليه، وإلا أصبح الجميع مثل كتّاب العرائض الذين يدبّجون مظالم الناس من دون الإحساس فيها كعمل روتيني يومي يدرُّ العيش عليهم. وهذا لا يستقيم مع الكتابة الإبداعية في أي مجال وتحت أي ظرف.

جميع كتّاب العالم ينطلقون من بؤرة كتابة محددة وجوهر معين لقضية اجتماعية أو إنسانية أو سياسية من دون أن تكون لديهم دراية كاملة بما تستحثّه الكتابة من تفاصيل وهوامش وما تستقدمه من خيال آخر يخرج عن نظام الكتابة المعتادة لأي فكرة مهما صغرت أو كبرت، وما من كاتب في العالم على مر التاريخ السردي مثلا جلس يكتب ملحمة روائية بقرار منه وبالتفاصيل كلها التي نقرأها، بل ثمة فيضٌ آخر مخزون هو الذي يوطّد صلته السرية بالكتابة ومثل هذا الفيض يكتنفه الخيال مرة والمخزون المعرفي مرة أخرى، لذلك نجد ما نسميه بـمفاجآت الكتابة التي تظهر أثناء التشكيل الأول في الشروع للكتابة.

وهذا ما يجعل الكثير من الأعمال السردية تأخذ وقتا طويلا، لا بسبب حجمها ولا حتى بسبب سعة أحداثها إنما مفاجآت الكتابة الداخلية هي التي تعمل على إملاء التفاصيل غير المنظورة بالنسبة للمؤلف وبالتالي نرى أحيانا أنّ ما فكّر به الكاتب لم يكتبه كما أراده أو تنصّل منه كليا، وأن ما لم يفكر به يفرض نفسه بقوة ويتشكل داخل الإطار الروائي، والخطة الشكلية الموضوعة تتغير مع الصفحات وتظهر خارطة أخرى، والشخصيات المفترضة تقل أو تزيد حسب الحاجة إليها في العمل السردي، وفي النهاية، وفي الكثير من الأحيان، يظهر النص السردي ليس كما كان في الخطة الأساسية.

مفاجآت الكتابة كثيرة ولا يتخلص منها كاتب ما، بل هي مَعين أساسي يختفي في لاشعور الكتابة تحدده مستويات المعرفة والخيال فائق القدرة على استئصال أفكار الواقع بمحددات غير واعية قد تكون أسطورية أو خيالية أو معرفية أو مبتكرة، وهكذا نجد الكثير من المبدعين ومن دون تخطيط مسبق يبتكرون أشكال كتاباتهم السردية ويبدعون فيها من دون النظر الى “قوانين” الكتابة الروائية التي تضافرت عدة أجيال في الحفاظ على موروثها، لا سيما في العصر الحالي حين تعددت أشكال الكتابة ولم تعد ملازِمة لأشكالها القديمة بل افترقت عنها كثيرا وظهرت بمظاهر حداثية تماشيا مع عصر الكتابة الروائي وتطويرا لذائقة القراءة فيه.

مفاجآت الكتابة تطوّر النص وتضيف إليه ما لم يكن بالحسبان وتضخ فيه روحا جديدة يضطر فيها الكاتب إلى هيكلة مخططاته الأولى بمخططات جديدة، وهذه تتغير أيضا حتى يستقيم النص ويأخذ مساره الطبيعي إلى القارىء.

مؤلفون كبار ومبدعون كبار ‘تنحرف’ الكتابة بين أصابعهم مع كل لحظة في زوايا غير قابلة لتجاوزها، وهو أمر ليس نفسيا كما قد يعتقد البعض بقدر ما هو سلوك غير مخطط له نتيجة عوامل داخلية يُظهرها الخيال الإبداعي كما تظهرها المعرفة المخزونة في تلافيف القراءة المتواصلة التي تنشّط خلايا الإبداع أثناء الكتابة وتظهر كصور قابلة لأن تكون جزءا من النص لإثرائه بشكل شخصيات أو مواقف أو حِقَب زمنية أو حوارات أو أساطير أو خرافات أو حكايات شعبية من شأنها تغذية النص بفكرته الأساسية، وتكون عاملا مساعدا ومهما في تكريس النص والإضافة إليه بما يجعله نصا فيه الكثير من الكمال والاكتمال.

كاتب عراقي

14