مفاجآت مدهشة عند إعلان جوائز مهرجان كان السينمائي

مهمة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية في مهرجان كان لم تكن سهلة في التوصل إلى قائمة الأفلام الفائزة فقد حفلت المسابقة بعدد كبير نسبيا من الأفلام البديعة المثيرة للخيال والتأمل.
الاثنين 2019/05/27
المخرج الكوري بونغ يونغ-هو منحنيا يرفع السعفة الذهبية إلى بطل فيلمه سونغ كانغ هو

تتركز الأضواء عادة على جوائز المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في مهرجان كان السينمائي رغم وجود مسابقات أخرى فرعية مثل مسابقة قسم “نظرة ما” ومسابقة الكاميرا الذهبية لأحسن فيلم أول ومسابقة أسبوع النقاد. فجائزة “السعفة الذهبية” تحظى بسمعة دولية كبيرة تجعلها علامة مميزة تفتح للفيلم الفائز بها أبواب السينما في العالم.

ترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية في مهرجان كان الـ72 المخرج المكسيكي الشهير أليخاندرو غونزاليس إيناريتو حائز جائزة أحسن إخراج في مهرجان كان 2006 عن فيلم “بابل”، وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم “بيردمان” (2015). وضمت اللجنة ثمانية أعضاء من بينهم المخرج اليوناني لارغوس لانتيموس والمخرجة الإيطالية أليس رورواشر والمخرج البولندي بافل باوليكوفسكي والممثلة الأميركية إيل فاننغ.

ولا أظن أن مهمة اللجنة كانت سهلة في التوصل إلى قائمة الأفلام الفائزة بالجوائز خاصة الفيلم الذي تمنحه “السعفة الذهبية”، فقد حفلت المسابقة التي ضمت 21 فيلما، بعدد كبير نسبيا من الأفلام البديعة المثيرة للخيال والتأمل والتي تتناول الكثير من المواضيع والقضايا التي تهم عالمنا.

إلا أن اللجنة استقرت في نهاية المطاف على منح “السعفة الذهبية” لفيلم “طفيل” Parasite للمخرج المرموق من كوريا الجنوبية “بونغ يون هو” دون شك أفضل الأفلام التي عرضت في المسابقة. وكنت قد توقعت حصوله على الجائزة، وأكدت استحقاقه لها دون سائر أفلام المسابقة بما في ذلك فيلم “ذات مرة في هوليوود” لكونتين تارانتينو الذي كان المنافس الأول له على الجائزة.

المفاجأة الأكبر

صدق توقع كاتب المقال أيضا في فوز الممثل الإسباني أنطونيو بانديراس بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "ألم ومجد" لبيدرو ألمودوفار
صدق توقع كاتب المقال أيضا في فوز الممثل الإسباني أنطونيو بانديراس بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم "ألم ومجد" لبيدرو ألمودوفار

تمثلت المفاجأة الأكبر من بين مفاجآت إعلان الجوائز في خروج الفيلم الأميركي البديع “ذات مرة في هوليوود” من سباق الجوائز في كان دون أي جائزة أو مجرد إشارة أو ذكر، وكان المتوقع أن يحصل إما على “السعفة الذهبية” فإن لم يحدث، ينال الجائزة الكبرى الخاصة للجنة التحكيم التي تأتي في المرتبة التالية مباشرة بعد السعفة الذهبية، وكان يستحقها عن جدارة، لكن المفاجأة الأكبر تمثلت في منح هذه الجائزة المرموقة لأحد أضعف أفلام المسابقة وهو الفيلم الفرنسي “الأطلانطيون” أول أعمال المخرجة السنغالية-الفرنسية ماتي ديوب، ولكنها مفاجأة توقعتها في مقالي المشار إليه (عدد السبت) وقلت حرفيا إنها تقدم موضوع فيلمها في “سياق أسلوب مضطرب مشوش وصورة غير واضحة ومساحة خانقة تعيق اكتشاف المكان، ومستوى تمثيلي ضعيف ومونتاج مفكك”. ومع ذلك لن أُدهش شخصيا إذا ما حصل هذا الفيلم على إحدى الجوائز، بعد أن أصبحت حملة “مي تو” (أو “أنا أيضا”) النسائية الغاضبة، تطالب بالمساواة سواء في عدد الأفلام التي تقبلها المهرجانات في برامجها، أو في تقاسم الجوائز وإلا أعتُبرت المهرجانات “ذكورية متعصبة” ومنحازة ضد المرأة”!

جائزتا التمثيل

صدق توقع كاتب المقال أيضا في فوز الممثل الإسباني أنطونيو بانديراس بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم “ألم ومجد” لبيدرو ألمودوفار، في حين خرج الفيلم نفسه دون جوائز سواء في السيناريو أو الإخراج. وكان كثير من النقاد الفرنسيين قد توقعوا فوزه بالسعفة الذهبية.

أما جائزة أفضل ممثلة فقد حصلت عليها البريطانية إيملي بيتشام عن دورها في فيلم “جو الصغير” وهو فيلم بريطاني من إخراج المخرجة النمساوية جيسيكا هاوزنر، لم ينل أي اهتمام نقدي حقيقي بسبب رتابة موضوعه وآلية إخراجه. وكان الأجدر منها بالفوز بالجائزة زميلتها البريطانية ديبي هونيوود التي تألقت كثيرا في دورها الكبير في فيلم المخرج كن لوتش “عفوا.. لم نجدك”.

ومنحت لجنة التحكيم جائزة خاصة إلى فيلمين هما الفيلم الفرنسي “البؤساء” وهو أول فيلم لمخرجه لادج لي وهو عمل جيد ومتميز كثيرا في معالجة موضوع عنصرية الشرطة في تعاملها مع أبناء المهاجرين في الأحياء الهامشية الباريسية، والفيلم البرازيلي “باكوراو” الذي اشترك في إخراجه مخرجان هما كليبر مندونسا وجوليانو دورنيلس، وهو عمل خيالي يفترض وقوع هجوم منظم على إحدى القرى البرازيلية (المتخيلة) من مجموعة رجال أعمال وممثلي شركات احتكارية أجنبية بغرض إبادة السكان. وفي مقالنا المنشور في “العرب” السبت، توقعنا فوز هذين الفيلمين بجوائز ما في المهرجان.

مفاجأة أحمد الصغير

أنطونيو بانديراس مشارا إليه في لقطة طريفة خلال تسلم جائزة أفضل ممثل
أنطونيو بانديراس مشارا إليه في لقطة طريفة خلال تسلم جائزة أفضل ممثل

من المفاجآت التي لم يتوقعها أحد فوز فيلم الثنائي البلجيكي الأخوين جان بيير ولوك داردان “أحمد الصغير” وهو من أضعف أفلام المسابقة، ولكن الجائزة جاءت دون شك تقديرا لموضوعه الذي يشغل الرأي العام الأوروبي والعالمي حاليا، وهو كيف يتم غسل أدمغة الشباب المراهق المسلم في أوروبا ومن ثم تجنيده للالتحاق بصفوف التنظيمات الإرهابية المسلحة مثل تنظيم “داعش”.

وفازت الفرنسية سيلين سكياما بجائزة أفضل سيناريو عن فيلمها “بورتريه لامرأة مشتعلة” وهو يصور العلاقة المثلية بين امرأتين ولكن بأسلوب فني متميز. ولم تمنح لجنة التحكيم جائزة لأفضل إخراج لكنها منحت “تنويها خاصا” وهو أضعف أشكال التقدير ويتمثل في شكل شهادة لفيلم “لا بد أن تكوم الجنة” للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان. وهي أقل من الجائزة الخاصة للجنة التحكيم التي حصل عليها في المهرجان نفسه فيلمه “يد إلهية” عام 2002، لكن الفيلم نال الجائزة التي يمنحها الاتحاد الدولي للصحافيين السينمائيين (الفيبريسي). وهو فيلم مختلف في بنائه وموضوعه وأسلوبه، ولعله الفيلم الكوميدي الوحيد في المسابقة الذي يتميز بأجوائه العبثية. وسننشر عنه تفاصيل في عدد قادم.

في التظاهرات الموازية فاز الفيلم البرازيلي “الحياة الخفية لإيورديس غوسماو” بجائزة أفضل فيلم في تظاهرة “نظرة ما” منحتها لجنة تحكيم ترأستها المخرجة اللبنانية نادين لبكي، وفاز بجائزة “الكاميرا الذهبية” لأفضل فيلم أول “أمهاتنا” لسيزار دياز وهو من الإنتاج المشترك بين غواتيمالا وفرنسا وبلجيكا، وفي مسابقة “أسبوع النقاد” التي تنظمها النقابة الفرنسية للصحافيين السينمائيين فاز الفيلم الفرنسي “فقدت جسدي” بجائزة أفضل فيلم، وهو من أفلام التحريك. وبهذه المناسبة يجب أن أشير إلى أن من أفضل الأفلام التي عرضت في “نظرة ما” فيلم التحريك الفرنسي البديع “سنونو كابول” عن رواية الكاتب الجزائري ياسمينة الخضرا.

فرنسا الدولة المنظمة للمهرجان خرجت للمرة الأولى منذ سنوات بعيدة، بنصيب الأسد من الجوائز رغم عدم حصول أحد أفلامها على “السعفة الذهبية”، لكن الإنتاج الفرنسي يدخل طرفا في معظم الأفلام التي نالت الجوائز بما فيها فيلم إيليا سليمان الفلسطيني. بذلك أسدل الستار على دورة حافلة بالأفلام المثيرة التي تراوحت ما بين الموضوع السياسي والموضوع الاجتماعي والخيالي وفيلم الصدمة والرعب.

17