مفاجآت نحتية لاعبة في معرض "بره الكادر"

الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة يرى أن الفن ينفتح دائما على الاحتمالات وعلى إمكانية الخطأ.
الثلاثاء 2018/04/10
مزيج من اللعب والمثابرة والرغبة في امتلاك الفضاء

لماذا “برّه الكادر؟!”، لا يملك التشكيلي محمد عبلة إجابة، لكنه أراد لمعرضه النحتي المفاجئ ألاّ يكون داخل الإطار.

من الطزاجة الإنسانية والبراءة والطفولية، يأتي الجديد دائما في الإبداعات، على اختلاف ألوانها، حيث تتحقق الدهشة الجاذبة وتقود المغامرة واللعب إلى ابتداع طرائق تعبيرية غير نمطية، لا تأسرها القوانين.

 هذا ما يريد التشكيلي محمد عبلة أن يقدّمه في معرضه الأخير “برّه الكادر”، الذي انتقل فيه إلى فن النحت على نحو مباغت، ساعيا إلى مشاغبة لا تتوقف تداعياتها عند تطويع الخامة، لكن أثرها يمتد إلى قراءة الذات والعالم من خلال نفاذ الكتلة في قلب الفراغ، وتفاعل الإنسان مع الطبيعة.

خارج البرواز

يعتبر عبلة انطلاقته النحتية بداية جديدة تستحق الحماس، ويرى في حديثه لـ”العرب” أن الفن يبقى تجربة منفتحة على كل الاحتمالات.

 

صحيح أن لمختلف الفنون قواعدها التي يلتزم بها الفنان، لكن أن تتحوّل هذه القواعد إلى مقاييس جاهزة وجافة فهذا يصيب البعد الإبداعي بالانكماش والضمور، لذا فإن الخروج عن القواعد وكسرها وتلك اللعبة الجدلية بين الانضباط للقواعد وكسرها. وهو ما جسّده الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

التشويق، هو الرهان الأول للفنان التشكيلي المخضرم محمد عبلة (65 عاما) في معرضه النحتي “برّه الكادر”، من 1 إلى 14 أبريل الجاري، في “غاليري مصر” بالزمالك، ويأتي هذا التشويق من خلال أمرين أساسيين يرسمان خصوصية هذا المعرض اللافت.

الأمر الأول، هو اتجاه الفنان إلى النحت على نحو مفاجئ بعد سنوات طويلة من الإجادة في عالم التصوير، والأمر الثاني يتعلق بطبيعة الأعمال النحتية ذاتها وما تحمله من تجليات تكسر المألوف في هذا المجال.

“برّه الكادر”، عنوان للتشويق أيضا، فالهامش يحمل عادة من الإثارة ما لا يتسع له المتن، وعن ذلك يقول محمد عبلة في حديثه لـ”العرب” “أعفيتُ نفسي من الحسابات، ومن الالتزام الصارم بالقوانين. أردتُ للمنحوتات أن تأتي خارج الكادر، لا أدري لماذا على وجه التحديد، لكن لا أريد لها أن تكون داخل البرواز”.

تحيل فكرة الانطلاق خارج الكادر إلى خروج عبلة عن مألوفه الشخصي كمصور في المقام الأول من جهة، وإلى خروج منحوتاته عن المألوف النحتي على وجه العموم، ويقول عبلة “لا أميل إلى التنظير، فقط هي محاولات وتجارب خاصة، وهذا شأن الفن دائمًا، ينفتح على الاحتمالات، وعلى إمكانية الخطأ”.

يقدّم عبلة في معرضه 40 قطعة من البرونز، يعيد من خلالها صياغة العلاقة بين الإنسان والطبيعة مُكسبًا الخامة صفة إنسانية وصبغة تاريخية، فبالنسبة إليه “التمثال يحمل تاريخه الخاص، ويحكي ما بداخله من أسرار الخامة، وما مرّ عليها من تفاعلات حرارة وطرق ونحت”.

وبحسب عبلة، الذي تخرّج في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، ودرس النحت والحفر في فرنسا والنمسا وحصل على جوائز عالمية عدة، فإن “كل تمثال هو كائن حي، بحد ذاته، يريد أن يفصح عن مكنوناته بالطريقة التي تلائمه”.

منحوتات تحمل سمات الحياة
منحوتات تحمل سمات الحياة

منذ سنوات بعيدة، حيث بداياته الإبداعية، أنجز الفنان محمد عبلة تمثالًا بعنوان “سيزيف”، يوجد حاليًا في ميدان “فالسروده” بألمانيا، ثم توقف عن النحت فترة طويلة قبل أن يعود إليه مرة أخرى في “برّه الكادر”، ويقول عبلة “توقفت دون أسباب، وأطمح أن تكون عودتي إلى النحت بداية جديدة في هذا العالم الرائع”.

يعترف عبلة بأن ما أنجزه على مدار عام مع خامة البرونز هو “مزيج من اللعب والمثابرة والرغبة في امتلاك الفضاء، بهدف إحداث أثر فيه”، ويرى أن النحت، والفن على وجه العموم، هو “مغامرة وشقاوة بريئة وحالة من حالات البساطة والتجاوز والإحساس بنبض الخامات المختلفة”.

وجوه الحياة

تتنوع كائنات محمد عبلة النحتية، بين البورتريهات، والوجوه التاريخية، والكائنات والمفردات والعناصر والظواهر الطبيعية والكونية، حيث يجسد الشمس والنباتات والواحات والزهور والدوامات وغيرها، وتتسم منحوتات الفنان بأنها تحمل سمات الحياة والحركة دون تقعيد، كما تتلاقى فيها الأبعاد التاريخية والدلالات الفلسفية والمعرفية في الوقت نفسه.

يحكي عبلة أنه في العام 1982 ذهب إلى سويسرا من أجل دراسة فن النحت في مدرسة زوريخ للفنون، مع النحات والشاعر باول غراس، وعندما عرف غراس أنه من مصر قال له “كيف أعلمك النحت، وأنت من مصر التي علمت العالم كله هذا الفن؟!”. ثم أوصى غراس محمد عبلة بأن يتعلم “الصبر”، فهو الذي يلزمه كي يصير نحاتًا.

ويسمّي عبلة “النحت” بـ”فن الصبر”، ويعني ذلك بالنسبة إليه التعمّق والتأمل والغوص في ما وراء الشكل المجسّد، ولا يتعارض ذلك الأمر مع التلقائية والبساطة، فهناك فرق كبير بين قرب المعاني من ذائقة المتلقي وبين التسطيح. ويرى عبلة أن الإتيان بعمل نحتي جيد مرهون بمقدرة فائقة على الاختزان والتحليل.

محمد عبلة: كل تمثال كائن حي يريد أن يفصح عن مكنوناته بالطريقة التي تلائمه
محمد عبلة: كل تمثال كائن حي يريد أن يفصح عن مكنوناته بالطريقة التي تلائمه

من بين منحوتات محمد عبلة في معرضه الثريّ لحظات إنسانية دقيقة، خاصة، منها لحظة التطلع، ولحظة الاسترخاء، ولحظة الوقوف على الحافة، ولحظة الجلوس على العرش، ويبدو الإنسان دائما في مواجهة كتل صلبة أكبر منه حجما، وأكثر قدرة منه على الثبات والارتكاز، فهو الكائن المتسم بالخفة والمحفوف بالمخاطر.

ومن خبايا التاريخ، وخفايا الفلسفة، يأتي الفنان بأساطيره الدرامية، أو بالدراما الأسطورية، فتتولد كائنات وعلاقات من نسج المخيلة الجامحة، فيظهر “المجنون الأخضر” حاملًا تعاليمه في المزاوجة بين الوعي واللاوعي، ويلتقي الزوجان على صخرة العمر المضني المستحيل، ويبحر القارب في المجهول حيث لا ماء فوق صفحة الصحراء.

يمكن وصف عدد كبير من أعمال معرض “برّه الكادر” لمحمد عبلة بأنها قوالب للمعاني لا الأشكال، فالصورة وراءها حكاية غنية بالأفكار والدلالات.

“برّه الكادر”، تجربة خصبة استثمرها الفنان محمد عبلة جيدًا، فعرف كيف يتحرر من القيود والقوانين، ويفسح المجال واسعا لرحلة إنسانية انسيابية غير محدودة المدى في فضاء مراود مراوغ.

15