مفاجأة الانتخابات قيس سعيد يطمح للتغيير من بوابة قصر قرطاج

تفوق سعيد على رئيس الوزراء ورئيس البرلمان ووزير الدفاع ورؤساء حكومات سابقين بمثابة زلزال انتخابي غير مسبوق في تونس.
الجمعة 2019/09/20
في طريق مفتوح إلى قصر قرطاج

تونس - يقترب أستاذ القانون المتقاعد قيس سعيد بثبات من تحقيق مفاجأة غير مألوفة في العالم العربي بعد مروره إلى الدور الثاني من انتخابات الرئاسة في تونس.

واتسم سعيد الذي شكل مفاجأة للساحة السياسية، بأسلوبه المتفرد في الحديث بلغة عربية فصحى مسترسلة مثل الآلة، وبقليل من المال وكثير من التواضع والخجل، وبلا حزب سياسي يدعمه ولكن بالتزام قوي بشكل ديمقراطي مختلف وغامض.

فهذا الوافد الجديد نسبيا على الساحة السياسية اقترب من كرسي الرئاسة في تونس مهد انتفاضات الربيع العربي، حيث سيواجه منافسه قطب الإعلام في تونس نبيل القروي في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الشهر المقبل.

واكتسح سعيد (61 عاما) في الجولة الأولى من الانتخابات المؤسسة السياسية التي ظلت سيطرتها على المشهد راسخة طويلا في البلاد مثيرا ذهولا كبيرا في أوساط النخب.

ووصف البعض تفوقه على رئيس الوزراء ورئيس البرلمان ووزير الدفاع ورؤساء حكومات سابقين بأنه زلزال انتخابي غير مسبوق في تونس.

ويحظى سعيد بدعم إسلاميين ويساريين، وتميز بمواقف اجتماعية محافظة تارة وراديكالية تارة أخرى لم تكن تتناغم في أحيان كثيرة مع توقعات مؤيديه.

وترك سعيد مناصريه ومنتقديه على حد السواء يتلهفون لتحديد هويته. ويؤكد سعيد على أنه مستقل وسيبقى على كذلك، مشيرا إلى أنه لا يتبع أي جهة، ويأتي ذلك فيما أعلنت حركة النهضة الإسلامية دعمها لقيس سعيد بعد الهزيمة المدوية التي منيت بها الحركة في انتخابات الرئاسة.

يتميز بفصاحة لسانه
يتميز بفصاحة لسانه

ويرى سعيد أن تونس اليوم تفتح صفحة تاريخية جديدة. وقال "أنا لم أقدم وعودا تقليدية ولا برامج تقليدية للناخبين، لقد قدمت لهم أفكارا وتصورات جديدة تترجم في شكل قانوني مطالبهم".

ويمثل فوز سعيد في الدور الأول إعلانا واضحا برفض الناخبين للقوى السياسية الراسخة التي هيمنت على المشهد السياسي بعد ثورة عام 2011 والتي فشلت في معالجة مصاعب اقتصادية منها ارتفاع معدل البطالة والتضخم.

ومن بين المتطوعين في حملة سعيد المتواضعة طالب البيولوجيا بسام النفاتي الذي تحدث قائلا "لقد أقنعنا أن التغيير ممكن وفي أيدينا. كنا نحس أن كلامه صادق عكس كل السياسيين الآخرين. خاطب ذكاءنا ولم يسع للتودد مثلما يفعل البقية".

لحظة إعلان النتيجة وعند فوزه في الدور الأول، ظل سعيد متماسكا محافظا على هدوء غريب بينما كان أنصاره يحتفلون. واكتفى ببعض الكلمات المقتضبة قائلا "ما حصل اليوم ثورة جديدة ونأمل أن نعوض الإحباط بالأمل".

وعلى الرغم من تصدره استطلاعات الرأي في تونس في الأشهر الأخيرة، فإن عدم امتلاكه قاعدة سياسية كبرى وآلة إعلامية ضخمة جعل اسمه أقل تداولا من منافسه القروي المحتجز منذ أسابيع بشبهة تبييض أموال.

حملة انتخابية متواضعة جدا
حملة انتخابية متواضعة جدا

ويقف الرجلان على طرفي النقيض، فالقروي ثري يملك قناة تلفزيونية، وهو شخصية مثيرة للجدل ورجل اتصال ومؤسس جمعية خيرية تركز على معاناة الفقراء، ويواجه في الوقت نفسه تهما بتبييض الأموال والتهرب الضريبي.

بينما يقول أنصار سعيد إن حملته الانتخابية متواضعة بتمويل ودعاية لا تكاد تذكر، ويتندرون بقول إن تكاليف حملته لا تتجاوز سعر قهوة وعلبة سجائر.

أسلوب قيس سعيد الصارم والمتقشف واضح من أول وهلة تطأ فيها قدماك مقر حملته في نهج ابن خلدون الشعبي بالعاصمة تونس.. نهج اكتظ بمطاعم شعبية وباعة يجرون عرباتهم.

الشقة صغيرة في مبنى قديم في الطابق الثالث دون مصعد وبنوافذ مهشمة وأبواب متهالكة وتلفزيون صغير وبعض الكراسي البلاستيكية البيضاء.

أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك، زميل قيس سعيد لسنوات طويلة، قال إنه يتذكر جيدا كيف كانا يلتقيان المحتجين مباشرة بالقصبة في يناير 2011 وكيف كانا يمشيان طويلا حاملين هموم البلاد ومشاكلها باحثين عما يمكن أن يقدماه من أفكار للمحتجين.

وأشار إلى أن سعيد كانت لديه القدرة على استمالة الجميع بخطاب جذاب ومميز.

Thumbnail

ويبدو أن مواقفه الاجتماعية المحافظة من بعض المسائل مثل رفضه المساواة في الميراث أو التسامح مع المثلية الجنسية ومعارضة إلغاء الإعدام قد حظيت بدعم من الإسلاميين.

ولكن على عكس الشائع، فإن مواقفه المحافظة لا تدل على شخصية الرجل الذي ليس له أي نهج متشدد. ويقول بن مبارك الذي عرف سعيد لسنوات طويلة إنه ليس متشددا ولا راديكاليا.

بعد عام من الثورة أصبح سعيد وجها مألوفا يُدعى للتلفزيون الرسمي في تونس لتحليل الوضع السياسي والقانوني في البلاد أثناء الأزمات. واكتسب مزيدا من الشهرة بعد أن ظل يتنقل ويشارك في العديد من الملتقيات والندوات عن الدستور والقوانين.

وكانت لديه قناعة واحدة وفكرة واحدة لا تتغير وهي أن النظام السياسي خاطئ ويتعين مراجعته عبر الاقتراع على الأفراد بدل القوائم. وكان يريد أن تبنى الديمقراطية من القاعدة التي لها الحق في سحب ثقتها من النواب مما يعني تغييبا لدور شبه كلي للأحزاب.