مفاجأة 2016: نوبل للآداب للشاعر والموسيقي الأميركي بوب ديلان

فاز المغني الأميركي الأسطورة بوب ديلان، الخميس، بجائزة نوبل للآداب التي تمنح للمرة الأولى إلى مؤلف أغان، ما أثار ذهول الحضور. وقالت الأكاديمية السويدية في حيثيات قرارها إن بوب ديلان (75 عاما) كوفئ “لأنه ابتكر تعابير شاعرية جديدة داخل التقليد الغنائي الأميركي”. وقد شكل الإعلان عن فوز ديلان مفاجأة للحضور في قاعة البورصة العريقة في ستوكهولم التي علا التصفيق فيها.
الجمعة 2016/10/14
فوز بوب ديلان بجائزة نوبل للأدب مثل انتصارا للثقافة الشعبية الأميركية

ستوكهولم ـ لندن ـ عمان ـ برلين ـ بغداد ـ الخرطوم-سبق أن ورد اسم مغني الفولك الأميركي بين المرشحين في السنوات الماضية لكنه لم يعتبر يوما مرشحا جديا للفوز. وأوضحت الأمينة العامة للأكاديمية سارا دانيوس للتلفزيون السويدي العام “أف في تي”، “بوب ديلان يكتب شعرا للأذن” مؤكدة أن أعضاء الأكاديمية عبروا عن “تماسك كبير” في إطار هذا الخيار. وكتبت الأكاديمية في نبذتها عن الفنان الأميركي أن “ديلان يعتبر أيقونة، وتأثيره على موسيقى العصر عميق جدا”.

وتضاف هذه الجائزة إلى مكافآت كثيرة نالها المغني الذي قطع شوطا طويلا منذ بدايته المتواضعة في دولوث بولاية مينيسوتا حيث ولد في العام 1941.

وقد تعلم روبرت آلن زيمرمان وهذا اسمه الأصلي، بمفرده العزف على الهرمونيكا والغيتار والبيانو. وقد أعجب كثيرا بموسيقى مغني الفولك وودي غوثري واتخذ اسم بوب ديلان تيمنا على ما يبدو بالشاعر الويلزي ديلان توماس، وبدأ يغني في النوادي الليلية المحلية. وبعدما أوقف دراسته الجامعية، انتقل إلى نيويورك في العام 1960.

وقد تضمن ألبومه الأول أغنيتين أصليتين فقط إلا أن ألبومه “ذي فريويلين بوب ديلان” الذي حقق له شهرة تضمن أعمالا من تأليفه فقط ومن بينها أغنيته الشهيرة “بلوينغ إن ذي ويند”.

ناشط مدافع عن الحقوق المدنية

كافح ديلان متسلحا بالهرمونيكا والغيتار، الظلم الاجتماعي والحروب والعنصرية فاستحال سريعا ناشطا بارزا في مجال الدفاع عن الحقوق المدنية. وقد سجل عددا مذهلا من الأعمال بلغ 300 أغنية في السنوات الثلاث الأولى من مسيرته.

وتناول الشريط الوثائقي “دونت لوك باك” جولته الأولى في بريطانيا عام 1965 وهي السنة التي صدم فيها محبي الفولك باستخدامه غيتارا كهربائيا في مهرجان نيوبورت فولك في رود أيلاند. وقد لقي ألبوماه التاليان “هايواي 61 ريفيزيتد” و”بلوند أون بلوند” استحسانا كبيرا لدى النقاد إلا أن مسيرة بوب ديلان توقفت عام 1966 بعدما أصيب إصابة خطرة في حادث دراجة نارية وقد تراجعت تسجيلاته في السبعينات. لكن في مطلع التسعينات استعاد حيوية بدايات مسيرته الفنية.

ومنذ مطلع الألفية وإضافة إلى ألبوماته المسجلة المنتظمة، قدم بوب ديلان برنامجا إذاعيا منتظما بعنوان “ثيم تايم راديو آور” كما أصدر كتابا بعنوان “كرونيكلز” عام 2004 لاقى استحسان النقاد والجمهور أيضا. وقد كان محور فيلمين آخرين هما “نو دايركشن هوم” لمارتن سكورسيزي عام 2005 و”آي آم نوت ذير” عام 2007 وهو من بطولة كريستيان بايل وهيث ليدجر وكايت بلانشيت.

مطر شديد سوف ينهمر
قصيدة لبوب ديلان

ترجمة: تحسين الخطيب

آهِ، أينَ كنتَ يا ولدي، يا ذا العينينِ الزرقاوين؟

آهِ، أينَ كنتَ، يا صغيري الحبيبَ؟

لقد زلّت بِي الخُطى على طرفِ اثني عشرَ جبلا لفّها السّديمُ،

ولقد مشيتُ ولقد زحفتُ على ستِّ طرُقٍ سريعةٍ ملتويةٍ،

ولقد خطوتُ في جوفِ سبعِ غاباتٍ حزينةٍ.

ولقد كنتُ في الخارجِ أمامَ اثني عشرَ محيطا ميّتا،

ولقد هويتُ ألفَ ميلٍ في فمِ مقبرة.

وإنّهُ لمطرٌ شديدٌ، مطرٌ شديدٌ، شديدٌ، شديد

مطرٌ شديدٌ سوفَ ينهمرُ.

***

آهِ، وما الذي رأيتَهُ يا ولدي، يا ذا العينينِ الزرقاوين؟

وما الذي رأيتَهُ، يا صغيري الحبيبَ؟

رأيتُ طفلا وُلدَ للتوِّ وذئابٌ وحشيّةٌ مِن حولهِ،

رأيتُ طريقا سريعا مِن ألماسٍ ولا أحدَ فيها؛

رأيتُ غصنا أسودَ يقطرُ الدمُ منهُ ولا يكفُّ،

رأيتُ غرفة تعجُّ برجالٍ دامية مطارقهم،

رأيتُ سُلّما يغطّيهِ عن بكرةِ أبيهِ الماءُ،

رأيتُ عشرةَ آلافِ ثرثارٍ مبتورة ألسنتهم،

ورأيتُ مسدّساتٍ وسيوفا قاطعة في أيدي أطفالٍ صغارٍ.

***

وماذا سمعتَ يا ولدي، يا ذا العينينِ الزرقاوين؟

وماذ سمعتَ، يا صغيري الحبيبَ؟

سمعتُ هزيمَ رعدٍ، هدَرَ بالنّذيرِ

سمعتُ هديرَ موجةٍ تستطيعُ أن تغرقَ العالمَ كلّهُ

سمعتُ مئة طبّالٍ كانتْ أياديهمُ تتّقدُ

سمعتُ عشرةَ آلافِ همسةٍ ولا أحدَ ينصتُ

سمعتُ شخصا يجوعُ، سمعتُ خلقا كثيرا يضحكون

سمعتُ نشيدَ شاعرٍ ماتَ في الأخدودِ

سمعتُ صوتَ مهرّجٍ بكى في الزّقاقِ

وإنّهُ لمطرٌ شديدٌ، مطرٌ شديدٌ، شديدٌ، شديد

مطرٌ شديدٌ سوفَ ينهمرُ.

***

آهِ، ومن قابلتَ يا ولدي، يا ذا العينينِ الزرقاوين؟

من قابلتَ، يا صغيري الحبيبَ؟

قابلتُ طفلا صغيرا قربَ مهرٍ ميّتٍ

قابلتُ رجلا أبيضَ كانَ يُنزّهُ كلبا أسود

قابلتُ صبيّة كانَ جسدها يحترقُ

قابلتُ فتاة، أعطتني قوسَ قزحٍ

قابلتُ رجلا كانَ مطعونا بِحُبٍّ

قابلتُ رجلا آخرَ كانَ مطعونا بحقدٍ

وإنّهُ لمطرٌ شديدٌ، مطرٌ شديدٌ، شديدٌ، شديد

مطرٌ شديدٌ سوفَ ينهمرُ.

***

آهِ، وماذا سوفَ تفعلُ الآنَ، يا ولدي، يا ذا العينينِ الزرقاوين؟

آهِ، وماذا ستفعلُ الآنَ، يا صغيري الحبيبَ؟

إنّني عائدٌ فالمطرُ قد راحَ ينهمرُ

سوفَ أمشي إلى أعماقِ الغابةِ السوداء الأعمقِ

حيثُ الخلقُ كثيرونَ وأيديهم فارغةٌ كلّها

حيثُ خردقُ السمِّ يطغوْ مياههم

حيثُ البيتُ في الوادي يقابلُ السجنَ القذرَ الرّطب

حيثُ وجهُ الجلّادِ محتجبٌ على الدوامِ تماما

حيثُ الجوعُ بشعٌ، حيثُ الأرواحُ منسيّةٌ

حيثُ الأسودُ هُوَ اللّونُ، وحيثُ العدَمُ هُوَ الرقمُ

ولسوفَ أقصُّ كلَّ شيءٍ وأفكّرُ فيهِ وأحكيهِ وأتنفسّهُ

وأعكسهُ من فوقِ الجبلِ حتى تستطيعَ كلُّ الأرواحِ أن تراهُ

ثمّ سأقفُ على المحيطِ حتى أبدأ في الغرقِ

ولكنّني سوفَ أعرفُ نشيدي جيدا قبلَ أن أبدأ في الغناءِ

وإنّهُ لمطرٌ شديدٌ، مطرٌ شديدٌ، شديدٌ، شديد

مطرٌ شديدٌ سوفَ ينهمرُ.

6 ديسمبر 1962

وقد فاز بوب ديلان خلال مسيرته الفنية بـ11 جائزة غرامي، فضلا عن جائزة غولدن غلوب، وجائزة أوسكار في العام 2001 عن أفضل أغنية أصلية في “ثينغ هاف تشينجد” في فيلم “ووندر بويز”. وأصدر في مايو ألبومه السابع والثلاثين المسجل في الأستوديو بعنوان “فالين أنجيلز” حيث يؤدي أغنيات أميركية كلاسيكية اشتهرت بصوت فرانك سيناترا.

ويخلف الأميركي، وهو أول موسيقي ينال مكافأة الأكاديمية منذ استحداث الجوائز في العام 1901، البيلاروسية سفيتلانا أليسكييفيتش. وتترافق جائزة نوبل للآداب مع مكافأة مالية قدرها ثمانية ملايين كورونة سويدية (906 آلاف دولار). وبهذا اختتمت جائزة الآداب موسم نوبل للعام 2016.

ويتسلم الفائزون بجوائز نوبل مكافآتهم في مراسم رسمية تقام في ستوكهولم في العاشر من ديسمبر خلال ذكرى وفاة ألفرد نوبل الذي استحدثها. وتقام مراسم منفصلة في أوسلو للفائز بجائزة نوبل للسلام في اليوم نفسه إذ أن لجنة نوبل النرويجية هي التي تمنح هذه الجائزة. وقد فاز هذه السنة بنوبل للسلام الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس.

“العرب” استعرضت ردود فعل عدد من الكتاب العرب على خبر اختيار بوب ديلان لنوبل للآداب هذا العام، ففوز إشكالي من هذا النوع لا بدّ وأنه سيترك انطباعات متباينة وسط ما يدور من جدل كل عام، حول من هو الكاتب أو الكاتبة الذي سيعبّر عن اتجاه التفكير الغربي في هذه اللحظة.

الشاعر العراقي سامي مهدي قال إنه قد يكون من المفارقة “أن تمنح جائزة نوبل للأدب هذا العام لكاتب أغان، بالرغم من شهرته وعلوّ مكانته في عالم الموسيقى والغناء، فهل هذه التفاتة إلى هذا الضرب من ضروب الشعر، أعني شعر الأغاني، أم هي إشارة إلى خلوّ بقية الأنواع الأدبية مما يستحق الجائزة هذا العام؟”. وأضاف مهدي متسائلا “لا أعرف، لا أدري، ولكن الذي أعرفه وأدريه أن عالم الغناء يحفل بالكثير من الشعر الذي يستحق التكريم”.

القضايا الكبرى

الروائي السوري إبراهيم الجبين قال إن أول انطباع يرسمه فوز بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب هذه السنة، هو أن هذا الفوز يشكل دفعة قوية لإعادة النظر حول التخلي عن القضايا الكبيرة في الفنون والآداب. والتي سادت طويلا، باسم البساطة والتبسيط وخلط الأيديولوجيا بالمفاهيم الإنسانية الكبرى. بحيث بات مجرّد الحديث عن حدث عالمي كبير يقع في مكان ما من الكرة الأرضية، تهمة مسبقة بانتماء سياسي أو فكري. في الوقت الذي لا يناقش فيه أحد المحتوى الخطر الذي احتواه الفن والأدب طيلة عقود، سواء كان عن تناول المخدرات والعنف في الشوارع أو الاكتئاب أو الشذوذات والانحرافات الذهنية.

وأضاف أن الزمن الذي ظهر فيه ديلان كان زمن الاحتجاج، احتجاج شعبي وثقافي ضد نمط عام من التفكير، وضد القوى التي تحكمت بما يدور حول الشباب آنذاك. سواء في فيتنام أو في هارلم. وهو زمن يعيد تكرار ذاته اليوم دون شك، منطلقا من المدينة ذاتها التي عرف فيها ديلان. فكل احتجاج عرفه العالم في السنوات الماضية، كان يشير إلى مرجعية حركة “احتلوا وول ستريت” وما سبقها في الولايات المتحدة. ثم يبدأ التدحرج من بعدها شرقا وغربا وصولا إلى الثورات الملونة في بلاد العالم بمختلف ألوان الطبيعة من الخضراء في إيران إلى البرتقالية في كييف إلى ثورة التوليب في قرغيزيا إلى شقيقاتها الحمراء العربية الدامية.

فوز ديلان الذي انحاز إلى القضايا الكبيرة في شعره وأغانيه، مقابل سيول من الكراهية لاحقته من قبل فناني العالم وفناني بلاده. ومثلها تلك التي ووجه بها الأدب والفن “الملتزمان”، تستحق من الجميع التفكير من جديد، في المنتجات الثقافية التي روّج لها طويلا، وتلك التي تركت جانبا باعتبارها “إنشائية” أو “شعاراتية” أو “كليشيهاتية” حتى دار الحجر الثقيل للتاريخ، كما في أغنية ديلان وكما في أعمال دو نيرو وسكورسيزي وتارانتينو وكوبولا وآلن غينسبيرغ وجون بيز وفيكتور خارا، وبدأت تنقشع غيوم العولمة نافضة عن ثقافات الشعوب ما علق بذائقتها من نشازات سطحية.

لكن شيئا يلفت النظر في منح نوبل للآداب لبوب ديلان، وليس لأي أديب آخر يعيش خارج التاريخ والجغرافيا، برأي الجبين، هو أن اللحظة العالمية تتطلب ثورة ثقافية بالفعل، لا مجرد حراك شعبي هائج هنا أو هناك؛ ثورة تبدأ بالآداب والفنون والشاشات والتنصيبات البصرية والأغاني وأوتار الغيتارات.

أسطورة حية

الكاتب المغربي أنيس الرافعي رأى أن بوب ديلان هو “أسطورة حية” وقال إن ذلك “يحسب له قبل أن يعلن عن فوزه بجائزة نوبل. فهو عازف بارع على عدة آلات ومؤلف موسيقي مرموق وممثل سينمائي أدّى أدوارا كبيرة في أفلام عالمية ورسام أقام عدة معارض وشاعر من الطراز الأول. وهي مواهب قلما اجتمعت في شخص واحد. إنه النجم المطلق منذ فترة الستينات ونجوميته ازدادت لمعانا بفضل مواقفه السياسية الطليعية تجاه قضايا الزنوجة والمضطهدين والعمال”.

ويعتقد الرافعي أن فوز ديلان “مستحق وغير متوقع في الآن ذاته لكونه أطاح بكل الأسماء الأدبية التي كانت مرشحة لنيل الجائزة التي نظرت إلى هذا الاختيار من زاوية شمولية الفن وعدم حصره في فن واحد هو الكتابة”.

عالم محارب

أما الناقد العراقي علي حسن الفواز فوصف فوز بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب بأنه استخفافٌ بالعقل الثقافي. وقال “يبدو أن العالم المحارب جدا يحتاج إلى مغنين أكثر من حاجته للشعراء وأصحاب السرديات”.

وأضاف الفواز “بقطع النظر عن تبريرات لجنة الجائزة، إلّا أنها حاولت أنْ تصنع المفارقة، وأنْ تؤسس للاحتفاء بالثقافات الشعبية، بما فيها ثقافة الأغنية التي أشاعها بوب ديلان منذ نصف قرن بوصفه ممثلا للمزاج الأميركي. إن فوز ديلان، كما يرى الفواز، تأكيد على أن الأغنية الأميركية هي الثقافة العابرة للتوصيف، وأن ديلان يعيدنا مع فوزه بالجائزة إلى حديث يتعلق بالرومانسية، وبتاريخ السينما الذي ارتبط بأسماء الوهم البطولي للشخصية الأميركية العاشقة والمنقذة، بما هي السينما الغنائية. كان الأولى أن تذهب الجائزة إلى مادونا”.

الأميركيون مجددا

الروائي العراقي عبدالخالق الركابي علّق بالقول “مع أني من المعجبين ببوب ديلان ونصوصه وأغانيه، لكني أظن أن هنالك أسبابا أخرى لفوزه بعد اختلافات شديدة داخل لجنة نوبل وهي أن القائمة هذا العام كانت تضم كاتبين مخضرمين أميركيين هما فيليب روث وتوماس بينكون إلى جانب نوال السعداوي والروائي الياباني هاروكي موراكامي والأميركية جويس كارول والكاتب المجري بيتر ناداش والشاعر والمفكر أدونيس.

ولكن بعد تصريحات السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية هوراس إنغدال عام 2008 بأن الولايات المتحدة (شديدة العزلة والانعزال) في ثقافتها الأدبية فقد ظل الكثيرون يتساءلون عما إذا كانت جائزة نوبل ستذهب إلى كاتب أميركي بعد 20 عاما على آخر أميركي فاز بها حين منحت للكاتبة توني موريسن عام 1993. ورأى الركابي أنه في كثير من الأحيان “تلعب الموازنات السياسية دورا في توزيع جوائز نوبل”.

الجائزة الكهنوتية

الروائي الأردني محمود الريماوي شن هجوما عنيفا على جائزة نوبل للآداب، التي وصفها بأنها “أصبحت بمنزلة سلطة معنوية هائلة، تزداد قدامة وانغلاقا. أحكامها لا تُردّ ولا تُستأنف. قد لا ينطبق عليها القول: إن كل سلطة مطلقة مفسدة مطلقة. ولكن انفلات نوبل من أي قيد أو ضابط من خارجها، يجعلها عرضة للزلل أو الشطط، كحال أي سلطة مغلقة من هذا القبيل”.

وتساءل الريماوي “تذهب الجائزة هذا العام إلى موسيقي ومغنٍ وكاتب أغان هو الأميركي بوب ديلان، وفي سيرته أنه سبق له أن نال 11 جائزة، من الجوائز التي تخصص للموسيقى والغناء وكتابة الغناء.. طيب. بما أن الرجل سبق أن نال ما يستحقه في مجاله، لماذا تجعله نوبل يزاحم آخرين في مجال الإبداع الأدبي وحيث لا مجال لهم سوى هذا الإبداع؟ لماذا يضعه كهنة نوبل في هذا الموقف، وهو بالتأكيد لم يرشح نفسه، إنما رشحته اللجنة المكلفة باختيار الأسماء والتي لا بد أنها تصغي لهمسات من أوساط معينة؟”.

لو كان للمرء ان يتقدم باقتراح فهو أن يعاد النظر في طريقة عمل منح الجائزة، والكلام للريماوي، وأن يجري تقسيمها إلى جوائز في مجالات السرد والشعر والمسرح، وأن يؤخذ العامل الجغرافي والجندري في الاعتبار، بدلا من جائزة إجمالية قد تنصف واحدا لكنها تظلم 5 أو 6 آخرين. وأن يتم الإعلان عن أسماء لجنة التحكيم، حتى يتحمّلوا أمام الملأ مسؤولية خياراتهم، لا أن يزاولوا كل جوانب عملهم، في محفل “كهنوتي” مغلق.

أجواء غير مريحة

كتب ألفها بوب ديلان

الريماوي لاحظ أن الجائزة لم يسبق لها أن ذهبت إلى توليستوي أو جيمس جويس أو كافكا. ويضيف "ليس بنوبل وحدها يكتسب المبدعون الجدارة التي يستحقون. بات الأمر على درجة من الابتزاز. إن أجواء نوبل لم تعد مريحة، وما تثيره من زوابع تحجب الأنظار عن مبدعين في عالمنا يكتبون بعيدا عن الجوائز وغواياتها وآلياتها المستترة".

الإبداع وحده يستحق الالتفات إليه. وتنشيط حركة الترجمة هو ما يستحق التركيز عليه من أجل منح آداب الشعوب والأفراد قسطا من العدالة، ومن أجل تمتيع الملايين من القراء في سائر أرجاء المعمورة بفرصة تذوق آداب مختلفة، والتعرّف على أحلام الآخرين وما يعتمل في حياتهم من هواجس وصبوات. نوبل باتت جائزة ذات سراديب. لا شيء من آلية عملها يتم تحت الضوء، باستثناء تكريم الفائز الوحيد الأوحد، وكما يحدث لدى منح جائزة كبرى لحامل ورقة يانصيب قد يكون بالغ الثراء وقد آن أوان التحرر من سلطويتها المغلقة”.

بارود نوبل

الشاعر والكاتب باسم فرات قال معلقا على منح الجائزة لديلان إنه وفي كل عام “يحتدم النقاش في ما يخص جائزة نوبل للأدب، وكأنها صكوك غفران تمنحك اعترافا عالميّا بأنك مبدع كبير. وهل يحتاج الإبداع إلى لهاث خلف الجوائز؟ بما أن الجائزة هذا العام ذهبت إلى الشاعر الغنائي بوب ديلون، أحببت أن أستشهد بأجمل ما قرأته في ما يخص هذه الجائزة، وهو تعقيب على تعليق للشاعر صلاح فائق على منشور له عن الجائزة: لا أريد تلويث اسمي وشعري بجائزة صانع بارود، ذهبت ضحيتها عشرات الملايين من البشر؛ أعرف أنه من المستحيل منحي هذه الجائزة. لكن هذا موقفي. انتهى كلام شاعر حقيقي ورائد من رواد الشعر العربي، كم أتمنى لو أن الكثيرين يؤمنون بما يؤمن به صلاح فائق؟”

أما الشاعر السوداني محمد آدم بركة فيتهم الجائزة بأنها “في جميع المساقات لم تخرج من التأطير الأيديولوجي، وفوز بوب ديلان لربما يعتبر اعترافا بالثقافة الشعبية في العالم، لكن لماذا لم يبدأ الاعتراف هذا من آسيا وأفريقيا، أو الشرق الأوسط؟ نوبل تحتاج إلى توضيح المعايير والمضي في تنفيذها بحذافيرها، فهنيئا لبوب، وننتظر الاعتراف بالثقافة الشعبية عالميا حقيقة دون مجاملات على حساب العالمية”.

“من هو نوبل؟ أليس هو العالم السويدي الذي اكتشف الديناميت المفجر الذي قاد إلى متفجرات خطيرة أودت بأرواح العديد من الشعوب الآمنة المستقرة وجعلها أثرا بعد عين” بهذه الكلمات ابتدأ الشاعر السوداني محمد الخير عبدالله الشامي تعليقه على خبر إعلان اسم الفائز بنوبل للآداب.

الرئيس الأميركي باراك أوباما يمنح ديلان وسام استحقاق تقديرا لجهوده

وأضاف متسائلا “أما أن يفوز بها المغني الأميركي بوب ديلان فهذا مؤشر يوحي بأن الجائزة محكومة بـ (لوبي) قوي وضغط سياسي ممنهج يغيّب من يريد تغييبه، ويمنحها لمن يريد، وذلك على مستوياتها الستة. في الوقت الذي نرى فيه الدول تصول وتجول في أرض الإنسان ومنها العرب. فلا نوبل ولا جائزته بقادرين على وقف شلالات الدم العربي”.

عازف غيتار بارع وملحن متميز

من جهته يرى الكاتب والروائي المصري محمد عاشور هاشم أن حصول بوب ديلان على جائزة نوبل للآداب أمر مفاجئ بالنسبة إليه. يقول “هذه هي المرة الأولى -على حدّ علمي- التي تُمنح فيها الجائزة لمغن وموسيقي ومؤلف أغان.. صحيح أن هذا يفتح الباب أمام شرائح إبداعية جديدة لم تكن تحصل على جائزة نوبل قبل ذلك، ولكن أظن أن ديلان ليس مبدعا أدبيا بالمعنى الكامل للكلمة فهو مغن وموسيقي حصل على جوائز كثيرة في الغناء والموسيقى وغلبت عليه صفته كمغن وموسيقي أكثر منه شاعرا أو مؤلفا للأغاني.

المفاجئ في الأمر أيضا أن ديلان لم يكن بين المرشحين البارزين للحصول على الجائزة، وكانت هناك أسماء أخرى مميزة كانت في ظني تستحق الحصول على الجائزة أكثر منه، مثل: الكاتب الياباني هاروكي موراكامي، والكاتب الكيني نغوغي واثيونغو، وحتى الشاعر السوري أدونيس، اللجنة المانحة فاجأتنا حقيقة ولكن هذا قد حدث أيضا السنة الفائتة حين تم اختيار الكاتبة البيلاروسية إسفيتلانا أليكسيفتش للحصول على الجائزة وهي التي لم تكن أيضا ضمن أبرز الأسماء المرشحة، ولكن يبدو أن هذا قد أصبح ديدنا لجائزة نوبل، فالقائمون عليها أصبحوا يفكرون دائما خارج الصندوق.

ورغم أن هذا هو رأيي في منح بوب ديلان جائزة نوبل إلا أنني لا أملك إلا أن أثمِّن تجربته الشعرية التي استطاع من خلالها إثراء الحركة الشعرية الغنائية في أميركا وخاصة الغناء الشعبي الذي أجاد في رسم كلماته ومَنَحَهُ جماليات ومعاني وتراكيب لم تكن تميزه من قبل، وهذا بالطبع يحسب له.

وربما كان التنوع في إسهامات ديلان ضمن حقول الإبداع المختلفة هو العذر الوحيد المقبول -من وجهة نظري بالطبع- للّجنة المانحة للجائزة، فديلان متعدد المواهب، فإلى جانب كتابته للشعر الغنائي وتميزه فيه فهو مطرب ذو صوت رخيم، تعشق الأذن الاستماع إليه، كما أنه عازف غيتار بارع وملحن متميز كذلك، وهذه كلها أسباب قد تؤخذ في الاعتبار إذا ما حاولنا فهم الدوافع التي جعلت القائمين على الجائزة يتخذون قرار إعطائهم لجائزتهم إليه. الأمر الأخير الذي يمكن تثمينه في تجربة ديلان هو دأبه ومثابرته وعكوفه على مشروعه الإبداعي فالرجل بدأ تجربته الإبداعية في الستينات من القرن الماضي ولم يتوقف عن العطاء حتى الآن”.

14