مفارقات

ما تعانيه الثقافة ناجم بصورة أساسية عن هيمنة المؤسسة الرسمية عليها، وغياب شروط تطورها، خاصة مع غياب إشراك قوى الفكر والثقافة في قيادة العمل الثقافي.
الثلاثاء 2018/08/14
الثقافة محكومة بتوجهات السلطة الرسمية (لوحة: سعد يكن)

التحولات المتتالية التي شهدتها الحداثة الشعرية العربية خلال ما يزيد على نصف قرن، لم ترافقها تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وتربوية تدل على أن الواقع العربي كان يتحرك بوتيرة واحدة نحو التحديث والتطوير.

لقد ظلت الحداثة في الشعر خاصة، وفي الأدب عامة تتحرك في سياق خاص بها، في حين حافظت بنى الواقع الأخرى على تعثر مشروعها في التحديث والتطور.

المفارقة الأكبر أن هذه المسألة تجاوزت بنى الواقع الاجتماعية والتربوية والاقتصادية إلى حقل الثقافة، التي بقي التعايش أو الصراع قائما بين تيارات هذه الثقافة المختلفة، المحافظة والحداثية، الإسلامية واليسارية، على الرغم من شعارات التطوير والتقدم التي ظلت تبشّر بها الأنظمة الحاكمة آنذاك، ليبرالية كانت أم قومية.

والسؤال هو كيف تقدمت الحداثة الشعرية في فضاء ثقافي لم يستطع أن يحسم خياراته ويكرس ثقافة التجديد وإنتاج المعرفة. لقد كانت الحداثة الشعرية ومازالت تبني قيمها الجمالية والفكرية خارج السياق الثقافي الرسمي، وكانت تعتمد في ذلك على اجتراحات فردية أو جماعية لشعراء استطاعوا تمثل المنجز الحداثي الشعري العالمي، والانفتاح على الثقافة الغربية، بينما بقيت الثقافة محكومة بتوجهات السلطة الرسمية، التي تديرها وتحدد لها توجهاتها، لذلك لم يكن عجيبا أن يتقدم الشعر، وتبقى الثقافة متخلفة عنه.

كذلك كان من الصعب أن تتطور الثقافة بمعزل عن تطور مستوى التعليم أفقيا وعموديا، كما كان من الصعب أن يتطور التعليم دون تطور سياساته ووجود استراتيجيات شاملة ومتكاملة تلبي حاجة المجتمع للتطوير والمعرفة. ولا يختلف الحال في مجالات الواقع الأخرى طالما أن هذه السياسات كانت محكومة بمرجعية واحدة، هي التي ترسم سياساتها وتحدد مساراتها.

في هذا السياق يمكن إدراك أسباب الفساد والضعف والفوضى التي تعاني منها الثقافة، وبالتالي عجزها عن تطوير منظومة المعرفة وخلق مستوى من الوعي الجمعي، يسهم في تحصين العقل العربي وتطوير رؤيته إلى ذاته وإلى العالم. إن هذا العجز الذي عانت منه الثقافة العربية أدى إلى خلق حالة من الضياع والتخبط نلحظها في غياب أي مشروع ثقافي عربي، في ظل تفاقم أزمة الوعي التي نعيشها على مستوى العلاقة مع العصر، خاصة مع غياب أي حركة فكرية جديدة تنهض بمهمة استعادة الثقافة لدورها الريادي في تطوير منظومة التفكير العقلاني والعلمي بين جيل الشباب العربي.

إن ما تعانيه الثقافة ناجم بصورة أساسية عن هيمنة المؤسسة الرسمية عليها، وغياب شروط تطورها، خاصة مع غياب إشراك قوى الفكر والثقافة في قيادة العمل الثقافي ورسم سياساته بما يلبي حاجات مجتمعنا إلى التطور والانفتاح على العصر.

15
مقالات ذات صلة