مفارقات السياسة الروسية بين دمشق وكييف

الخميس 2014/05/08
بوتين يحارب من أجل الحفاظ على قلاعه في روسيا وسوريا وأوكرانيا

لندن - تؤكد المؤشرات السياسية أن ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم هو جزء من استراتيجية يخطط لها الكرملين من أجل السيطرة على “جوارها القريب” الأوكراني الذي تمرد على وصايتها من خلال رئيسها السابق الموالي لموسكو فيكتور يانوكوفيتش.

توضح العديد من التحاليل والدراسات أن الخطوات التي اتخذها الكرملين بضم شبه جزيرة القرم، وتدخله في أوكرانيا، يصبان في اتجاه واحد يؤكد أن الروس يطمحون إلى استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى بنفس مستوى الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه.

والمتتبع للسياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط يجد أن التحركات الروسية الأخيرة ما هي إلا خطوات تنفيذية للتوجهات السياسية للدب الأبيض، الذي يطمح إلى انتزاع أكبر قدر من النفوذ العالمي في مواجهة أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم وهي الولايات المتحدة الأميركية.

التحدي الروسي لم يبدأ مع الأزمة الأوكرانية، فقد كانت منطقة الشرق الأوسط مركز الصراع السياسي والديبلوماسي بين الكرملين والبيت الأبيض، انطلاقا من سوريا، التي تعيش العام الرابع على وقع صراع دام بين النظام، المدعوم من روسيا، والمعارضة المدعومة من الولايات المتّحدة وحلفاءها.

ولقد كشفت المواقف الروسية في تعاطيها مع الأزمتين الأوكرانية والسورية، ازدواجية المعايير التي تتبعها موسكو في مواجهتها مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وفق دراسة صادرة عن مركز سوريا للدراسات والأبحاث.

فقد بينت الدراسة الاختلافات الواضحة في المواقف الروسية التي ترتبط ارتباطا مباشرا بمصالحها الاستراتيجية، فمنذ انطلاقة الثورة السورية قامت روسيا بتقديم كافة أشكال الدعم العسكري للنظام السوري، وشرّعت له استخدام الأسلحة وبخاصة السلاح الكيميائي، ناهيك عن الصواريخ البالستية “السكود”، والصواريخ العنقودية، والبراميل المتفجرة.

أما من الناحية السياسية، فقد عملت روسيا على تغطية جرائم النظام السوري، من مجازر واعتقالات وتهجير وتشريد أكثر من نصف الشعب السوري، من خلال منع صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي يدين النظام السوري، واستخدمت الفيتو ثلاث مرات في أقل من عامين حماية للنظام السوري من المحاسبة، مدعية في ذلك التمسك بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

مجموعة إجراءات "القوة الناعمة" التي اعتمدتها أوروبا وأميركا كان لها تأثير واضح على الكرملين

بالانتقال إلى الأزمة الأوكرانية، تبين الدراسة الفارق الكبير بين الموقف الروسي من الثورة السورية والموقف من الأزمة الأوكرانية. ففي أوكرانيا استطاعت المعارضة الوصول إلى السلطة بدعم شعبي كبير ضدّ سياسة الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، الذي هرب إلى روسيا، إلا أنّ السياسة الروسية في الأزمة الأوكرانية انقلبت رأسا على عقب، فلم تقم روسيا بالتدخل في الشأن الأوكراني سياسيا فحسب، بل تعدى الأمر إلى استعادة شبه جزيرة القرم، جنوب أوكرانيا، التي تستضيف اسطول البحر الأسود الروسي.


بين سوريا وأوكرانيا



من هذا المنطلق أبرزت الدراسة تناقض موسكو الذي كشف ازدواجية المعايير التي تنتهجها في إطار المراوغات المتواصلة تجاه القضايا الدولية، ويتجلى ذلك من خلال ما يلي:

وقوف روسيا ضد المطالبين بالحرية في سوريا، ووقوفها إلى جانب المتمردين المطالبين بالانفصال عن أوكرانيا، أو الحصول على حكم ذاتي.

دعم روسيا المستمر للنظام السوري بكافة الأشكال، وخاصة السياسي والعسكري، ضد الشعب السوري، فيما وقفت وبقوة ضدّ الحكومة الأوكرانية في تعاطيها مع الاحتجاجات شرق البلاد.

التغطية السياسية الروسية لانتهاكات النظام السوري الجسيمة بحق الشعب، فيما عملت جاهدة على محاربة الحكومة الأوكرانية، سياسيا وإعلاميا، رغم عدم قيام السلطات الأوكرانية بأية أعمال تذكر تجاه المحتجين الأوكرانيين.

تبريرها لنفسها التدخل في الشؤون الداخلية لأوكرانيا، ليس سياسيا وإعلاميا فقط، بل وحتى عسكريا من خلال احتلالها شبه جزيرة القرم، بينما ترفض ومنذ البداية أيّ تدخل دولي أو إقليمي، أو حتى عربي، في الشأن السوري، بحجة عدم التدخل في شؤون الدول، متجاهلة تدخلها السافر في الشأن الأوكراني.


ازدواجية سياسية


إصرار موسكو على انتهاج سياسة الكيل بمكيالين متواصل على الرغم من تصاعد المعارضة الدولية لها لدورها في تأجيج الفوضى في أوكرانيا ومن قبلها سوريا، خاصة بعد افتضاح أمر النظام الذي أثبتت العديد من التقارير الاستخباراتية استخدامه للأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا لقمع انتفاضة السوريين.

كون كوغلن: "تدريب بوتين كضابط في الكي جي بي جعله خبيرا في اختلاق الأكاذيب

في هذا الصدد كشفت صحيفة التيليغراف مؤخرا أن نظام الأسد يستخدم قنابل الكلور بصورة مستمرة للهجوم على المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة في سوريا.

وعلى الرغم من أن عينات التربة التي أخذت من مسرح الهجوم الأخير الذي شنته مروحيات النظام خضعت لتحليل مهني، إلا أن موسكو كانت مصرة على أن السلاح استخدم من قبل المعارضة (التي لا تملك مروحيات)، وذلك من أجل إثارة رد فعل دولي، وفق الباحث البريطاني كون كوغلن.

ويعزو المتتبعون للمشهد السياسي الروسي، مواقف موسكو الحالية لضمان الحفاظ على بقاء حليفها القديم في الشرق الأوسط، حيث أوضحت روسيا أنها لا تنوي التخلي عن الرئيس بشار الأسد.

ولم يقنع الهجوم الذي شن السنة الماضية على ضواحي دمشق باستخدام غاز السارين، والذي ألقي فيه اللوم على الأسد وأثار إدانة دولية، الروس بالتخلي عن حليفهم القديم، وبدلا من ذلك، لعبت روسيا دورا محوريا في التفاوض على اتفاقية وافق على إثرها الأسد على تسليم ترسانته من الأسلحة الكيميائية للغرب مقابل سحب الغرب تهديده بشن ضربات جوية ضد سوريا.

لكن تغير المشهد، خصوصا بعد تدخل بوتين غير القانوني في القرم، وتهديده للمصالح الأميركية والأوروبية في أوكرانيا، فلا أحد يريد إطلاق بداية حرب عالمية ثالثة من أجل أوكرانيا.

ولكن مع اكتشاف بوتين الكلفة في حال اندلعت تلك الحرب، فإن هناك العديد من الطرق لإعادة الدب الروسي مرة أخرى إلى قفصه بدلا من المواجهة العسكرية. ومجموعة إجراءات “القوة الناعمة” التي اعتمدتها أوروبا والولايات المتحدة الأميركية كان لها تأثير واضح على الكرملين وتسببت في أن يسحب الرئيس الروسي تهديده بشن غزو واسع النطاق في أوكرانيا الشرقية.

وهذا يدفع الخبراء إلى التساؤل: إذا كان بوسع واشنطن وحلفائها إجبار موسكو على تغيير سلوكها في أوكرانيا، فلماذا لا يحدث ذلك في الحالة السورية؟ محادثات جنيف تعثرت، ولكن هناك الكثير من حالات المشاركة الدبلوماسية تم العمل من خلالها، في هذه المدينة السويسرية، على قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك مثل إيران وأوكرانيا؟

7