مفارقات القراءة

السبت 2017/12/16

في أقل من سنتين، صدر رقمان يخصان مؤشر القراءة بالعالم العربي متباعدان تباعد الشمس والقمر. الأولُ يجعل من القارئ العربي ضاربا في الأمية بمختلف تجلياتها بامتياز، حيث لا يتجاوز الوقت المخصص للقراءة، حسب المؤشر، ست دقائق في السنة. أما الرقم الثاني، والصادر عن قمة المعرفة بالإمارات العربية المتحدة، فهو يرفع وقت القراءة إلى حوالي أربعين ساعة في السنة. أما الجديد هنا فهو احتلال المغرب المرتبة الثالثة، من حيث مستوى القراءة، بعد لبنان ومصر. وأما الغريب فهو أن يستمر الكثيرون في اجترار الرقم الأول بشكل صار معه أشبه بعنوان أغنية رتيبة، دون امتلاك بعض الفضول لمعرفة الجهة التي أصدرته ولمساءلة الأسس العلمية التي تم الاستناد عليها في صياغته.

لا أدافع عن تطور ما للقراءة، بحكم كون شهادتي تظل مجروحة اعتبارا لإشرافي على إدارة الكِتاب بالمغرب وبحكم كوني أعيش يوميا إكراهات قطاع القراءة، غير أن ثمة مؤشرات تدل على كون القارئ المغربي، على سبيل المثال، يوجد حينما نوفر له منتوجا جيدا. ولعل الحجم الكبير لواردات المغرب على مستوى الكتاب تدل على وجود سوق للقراءة تملك الكثير من الجاذبية، ناهيك عن توجه عدد من دور النشر ومكتبات البيع الكبرى العربية والأجنبية إلى تأسيس فروع لها بالبلد. والغالب أنها لا تفعل ذلك من باب المغامرة، بل لأنها تعرف أن هناك قارئا ذكيا ومتطلبا.

إنها نفس السوق التي قد لا ينتبه إليها الخطاب الذي يتحدث، من موقع الانطباع أحيانا، عن وجود أزمة قراءة بالبلد. والأخطر من ذلك، أن يعني استمرارُ دخول الكتاب الأجنبي بهذه الأحجام، وجودَ قُراء غير معنيين بما ينتجه كُتاب البلد. إذ يبدو أننا نستمر في الكتابة لقراء غير موجودين، بينما لا ننتج لقراء لهم انتظارات أخرى، لا تتعلق بالضرورة بالشعر ولا بالقصة القصيرة ولا بالقصة القصيرة جدا!

وفي الكثير من الأحيان، يتم الحديث عن تراجع القراءة مقارنة مع فترة السبعينات، على سبيل المثال، كلحظة للقراءة بامتياز. وأجد في ذلك نوستالجيا مغلفة ببعض المبالغة. وتلك طبيعة النوستالجيا. والواقع أن نخبة محدودة هي التي كانت تقرأ، بينما كانت البقية غارقة في الأمية. أما الإنتاج المغربي فلم يكن يتجاوز بضع عشرات من العناوين خلال السنة، كان يصدر أغلبها على نفقة كتابها في غياب بنية للنشر. بالطبع، دون أن ينفي ذلك طبيعة المرحلة كلحظة لانبثاق ثقافة مغربية حديثة.

هل نحلم بقارئ عربي يركب الحافلة ويستغرق في القراءة، كما يفعل أي مواطن غربي بسيط، بدل الثرثرة والنميمة؟، يقتضي ذلك تغيير عادات مجتمع بكامله، دون الحديث عن ضرورة إعدام حظيرة الحافلات المهترئة التي تصير أحيانا الفضاء المناسب للاحتكاك بالركاب المجاورين بدل الاحتكاك بعالم القراءة.

كاتب مغربي

16