مفارقات على نحو ما..

الجمعة 2013/09/27

شيخ أشعث بلحية مخضبة، ينطلق في إطلاق موجة من السباب و"النقد" للعلمانية الكافرة الملحدة والماسونية (هكذا)، للشيخ ذي اللحية المخضبة الحقّ في أن ينقد ما شاء متى عنّ له ذلك، لكن المفارقة أنه عاش عقدين (فقط) في ظلالها الوارفة، حين فرّ من الاستبداد إلى دول منحته اللجوء، فضلا عن منح تكتم أرقامها ومصادرها.

الشيخ صاحبنا عيّنة مصغرة لمئات الشيوخ والدعاة العرب، الذين مروا بمحطات لندن وباريس وغيرها من عواصم "الكفر" والعلمانية، ولولا قوانينها العلمانية التي تتيحُ لهم حق ممارسة شعائرهم ومعتقداتهم، مع حرية الإدلاء ببعض التصريحات الصحفية لنقد الاستبداد في أوطانهم ومطالبة الشباب بالخروج ضد جور الحكّام، لأقاموا مطولا في سجون الجور، أو ربما اصطفوا في معسكر الحكّام انطلاقا من قاعدة "ستون عاما مع أمير جائر خير من ليلة بلا سلطان".

مع عودتهم إلى أوطانهم بعد أن قام الشباب بكنس الحكام وجور الحكام، عادوا إلى استئناف قيادتهم للمشهد، مع جرعة زائدة تقوم على نقد العلمانية و"الغرب الكافر" المصدّر للانحلال بشتى صنوفه. المفارقة أنّ هؤلاء لا يرون ضيرا في القول بحزم المناضل ويقين المؤمن، أن العلمانية لا تناسب شعوبنا المتشبعة بدينها، فالعلمانية ليست من ديننا في شيء، بل هي من قبيل الكيد للإسلام.

المفارقة الأشنع هي ما قام به إسلامي تونسي من أقصى يمين اليمين، حين تقدم بالوثائق اللازمة للحصول على تأشيرة حزب سياسي من الدوائر المسؤولة، ولما تأخّرَ حصوله على التأشيرة لتعارض مطلبه مع قوانين البلاد التي لا تجيز إنشاء الأحزاب على قاعدة دينية، أقام الدنيا ولم يقعدها رفضا للقانون، وتنديدا بالإجراء ونقدا لبيروقراطية "تدبّر له الدسائس"، ولكنه بمجرد حصوله على تأشيرة الحزب انطلق بسرعة البرق في تقديم "ما ينفع الناس" من برامجه حيث قال إنْ وصل حزبه إلى السلطة سيحلّ كلّ الأحزاب، "فلا تحزّب في الإسلام"، وأوغل في التفصيل السياسي، حين قال إن الديمقراطية ذاتها "حرام" وهي بدعة غربية ابتلانا بها الاستعمار.

لماذا يسارع هؤلاء إلى التظلل بفيء الغرب وكلئه عندما كان الاستبداد يطحن الجميع، وكان منسوب القمع يوزع بعدل على الجميع عدا من فروا إلى بلاد اللجوء الصديقة المناصرة لحقوق الإنسان "آنذاك"، والكافرة العلمانية التي ابتلتنا بالديمقراطية "الآن"؟ العلمانية مُرّة في أوطاننا، مفيدة نافعة لدى الآخرين.

24