مفارقة أفريقية.. نقص العمالة وارتفاع البطالة

السبت 2016/02/20
البطالة هاجس يؤرق الجميع

وضعت الشابة مارسيلين نغيسان يافطة ورقية كتب عليها “كابينة اتصالات” على طاولة صغيرة إلى جانب 4 هواتف نقّالة، قرب محطّة النقل البرّي شمال أبيدجان العاصمة الاقتصادية لساحل العاج.

تلك هي مكوّنات مشروع مارسيلين، الحاصلة على شهادة جامعية في علم الجريمة، والتي اضطرت لاختيار هذا العمل بعد فشلها في العثور على وظيفة في مجال تخصصها.

ورغم دخلها الجيد الذي يصل إلى 30 دولارا يوميا، لكنها تحس بالمرارة كلما عادت بها الذاكرة إلى السنوات الطويلة التي قضتها على مقاعد الدراسة دون الاستفادة منها في العثور على وظيفة مناسبة.

ولا تختلف معاناة علي كوليبالي، الحاصل على شهادة في تقنيات النقل اللوجستي كثيرا عن مارسيلين، حيث اضطر للعمل بائعا بمحل لقطع غيار السيارات، في نهاية رحلة طويلة لم يتمكّن خلالها من الحصول عمل في الشركات الناشطة في مجال دراسته.

أمثال مارسيلين وعلي كثيرون سواء في ساحل العاج وبقية أنحاء أفريقيا، وهي ظاهرة متفشية نتيجة الهوة الشاسعة بين متطلّبات سوق الشغل وبين الاختصاصات التي يملكها الشباب.

وقد أصابت تلك المعضلة أصحاب الشهادات العليا بخيبة أمل كبيرة، لأنها تزداد اتّساعا، فتزداد معدلات البطالة يرافقها نقص في العمالة.

ويرى تقرير للبنك الدولي عن تشغيل الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء، أن نوعية التعليم الفاشلة وغياب الجانب التطبيقي في الجامعات وهيمنة الاختصاصات الأدبية على حساب العلمية وغياب التكوين المهني المناسب، تعتبر من بين العوامل المؤثرة على القدرة التنافسية للشباب الأفريقي في سوق الشغل.

ويقول درامان إيدارا، المختص في استراتيجيات تطوير العمل في السنغال، التابع لمنظمة العمل الدولية إن “الاقتصادات الأفريقية ترتكز على الزراعة بنسبة 80 بالمئة، ومع ذلك لا توجد مدرسة زراعية واحدة ذات كفاءة في القارة”.

وأظهرت دراسات في تنزانيا ودورية “التوقعات الاقتصادية من أجل أفريقيا” أن 3 فقط من بين 23 مركزا للتكوين المهني بالمناطق الريفية في أفريقيا، تقدّم تكوينا في قطاع الزراعة.

وأكد الخبير السنغالي في الجغرافيا الاقتصادية سيري سي، غياب التكوين في المجالات ذات القدرة التشغيلية المرتفعة، مثل الزراعة في أغلب دول أفريقيا جنوب الصحراء. وقال إن “التكوين المقدم موجه بالأساس إلى قطاع الخدمات مع أنه لم يعد يحتمل المزيد من اليد العاملة”.

ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 11 مليون شاب أفريقي سيدخلون سوق العمل سنويا خلال العقد المقبل، وفي 2030، من المنتظر أن يبلغ عدد الشباب الأفريقي الحامل لشهادات عليا، ممّن لا تزيد أعمارهم على 24 عاما، 12 مليونا.

وتؤكد تلك البيانات والتوقعات صعوبة الوضع الراهن والمستقبلي، وهو ما يدفع بالكثير من شباب أفريقيا إلى مغادرة بلدانهم ومتابعة دراستهم في الخارج للتغلب على هذا المعضلة.

وفي إحدى الجامعات التونسية الخاصة، التقت وكالة الأناضول بعدد من الشباب الأفارقة الذين يدرسون الاقتصاد والعلوم التكنولوجية والاتصالات والهندسة، وهي تخصصات قالوا إنها ستمكنهم من الحصول على وظائف جيدة، فور عودتهم لبلدانهم.

وفي المقابل، أطلقت ساحل العاج، التي تصل بطالة الشباب فيها إلى 14 بالمئة، عدة مبادرات لتقليص الفجوة بين التكوين والتعليم ومتطلبات سوق العمل، أبرزها مبادرة “التكوين، جواز سفري من أجل العمل”، والتي تهدف إلى تحسين اندماج الشباب في سوق العمل.

كما أطلقت منظومة لتمويل 700 مشروع من أجل دمج 6 آلاف شاب في سوق العمل خلال العام الحالي، بحسب وزير التشغيل سيدي توري، الذي شدّد على أهمية دعم الاستثمار الذاتي وتغيير العقليات التي “تقدس العمل الإداري والدخل الشهري”.

وأوضح البنك الدولي أن الدروس التي تلقاها مراهقون في كل من أوغندا وليبيريا، بهدف اكتسابهم لمهارات تقنية وتطبيقية، أسهم في زيادة نسب التشغيل.

ففي أوغندا ارتفعت النسبة إلى 32 بالمئة في صفوف الفتيات اللاتي تلقين تلك الدروس. ويرى الخبراء أن الإجراءات والإصلاحات الحكومية ينبغي أن تصاحبها برامج لتوعية شباب قارة أفريقيا لمزيد تحفيزهم على مواجهة مصيرهم.

10