مفارقة الفن الأفريقي المعاصر: إشادة عالمية وتجاهل محلي

الفن الأفريقي المعاصر بدأ يكتسب المزيد من التقدير والاهتمام في العشرية الأخيرة.
الأربعاء 2021/01/27
فن ألهم المدارس العالمية الحديثة

رغم أن الفنانين الأفارقة المعاصرين يحظون بتقدير لا نظير له على المستوى العالمي، حيث أن المتاحف العالمية تحتفي بمنجزهم الفني الذي يستمدّ جدّته وطرافته من التراث الأفريقي وأضوائه الخاصة، إلاّ أن المشهد في بلدانهم يبدو مغايرا تماما، حيث لا يقابلون إلا بالتجاهل واللامبالاة.

نيروبي – يلاحظ المارة في مختلف أنحاء مدينة ميونخ الألمانية لافتات تعلن عن استضافة متحف “هاوس دير كونست”، أي دار الفن الألماني، معرضا للفنان البريطاني من أصل كيني مايكل أرميتاج، وتدعو الناس إلى زيارة هذا المبنى المهيب لمشاهدة أعماله الفنية التي تعرض تحت عنوان “فرمان الفردوس”.

ومع ذلك تختلف الأوضاع بالنسبة إلى هذا الفنان في بلده الأصلي كينيا. وفي هذا الصدد يقول أرميتاج إن “المؤسسات الفنية لا أهمية كبيرة لها في كينيا، كما أن تراث البلاد الثقافي ليس متاحا بسهولة”.

إيماوس كيماني: الناس في كينيا لا يعتقدون أن الفن يعد مهنة وطريقة للحياة
إيماوس كيماني: الناس في كينيا لا يعتقدون أن الفن يعد مهنة وطريقة للحياة

ويضيف “إنك كفنان صاعد لا يمكنك أن تتعلّم وتفهم بمفردك، ما هي المدارس الفنية التي يمكن أن تتّخذها نموذجا لأعمالك”.

ورغم كل ما سبق، إلا أن أرميتاج أصبح بسرعة أحد أهم الرسامين المعاصرين على الصعيد الدولي، فمنجزه الفني يحظى بالإشادة على المستوى الدولي في حين أنه ما انفكّ يتلمّس بوادر اعتراف به على المستوى المحلي.

وفي نيروبي تبدو المؤسسة الفنية الوحيدة التابعة للدولة، هي تلك القاعة العتيقة والمهملة لعرض الأعمال الفنية بالعاصمة الكينية، حيث تتراكم الأتربة على المعروضات، بالإضافة إلى المتحف الوطني الذي يستضيف معارض فنية من آن إلى آخر.

وينتقد أرميتاج الوضع قائلا “إن عدم الاعتراف بأهمية التاريخ وبحقيقة أن هناك تاريخا للفن بالمنطقة سواء في كينيا أو خارجها، يمثل إساءة وضررا كبيرا، كما أنه لا يعبّر عن حقيقة وضع الفن لدينا”.

ويريد أرميتاج ومتحف “هاوس دير كونست” أن يغيّرا هذا الوضع. ويعرض “فرمان الفردوس” أعمال أرميتاج الفنية إلى جانب أعمال فنانين أكبر سنا من شرقي أفريقيا أثروا فنيا في أعماله. ويعدّ هذا العرض حدثا نادرا في المعارض الفردية التي تخصّص لفنان واحد بعينه.

ويقول أندريا ليسوني، المدير الفني للمتحف، “لا نستطيع القول إننا نعرض تاريخا بأكمله، غير أن التاريخ المعروض هنا يتّسم بالقوة، وكل ما بوسعنا فعله هو أن نتيح هذه المساحة للفنانين”.

ومن المهمّ بالنسبة إلى أرميتاج أن يبيّن لزوار المعرض من هم الفنانون الذين تأثّر بهم. ويوضّح قائلا “لولا هؤلاء الفنانين لما أصبحت رساما وفنانا، إنهم بمثابة الأرضية للكيفية التي بنيت عليها قواعد فكري”.

وعلى المستوى الدولي يلاحظ أن الفن الأفريقي المعاصر بدأ يكتسب المزيد من  التقدير والاهتمام في العشرية الأخيرة. فالفنان ويليام كنتريدج، الذي ينتمي إلى جنوب أفريقيا بمجموعة أعماله واسعة النطاق في مجال الوسائط المتعددة، صار فنانا مفضلا في المشهد الفني العالمي منذ وقت طويل. وتم مؤخرا عرض أعمال الفنان الغاني إل أناتسوي في متحف “هاوس دير كونست”، كما أصبح المزيد من أعمال فناني منطقة شرقي أفريقيا محط اهتمام عالمي، مثل الفنانيْن بيترسون كامواتي ووانجيشي موتو.

غير أن هذا التقدير ليس كافيا لإحداث تحوّل دائم. ويقول الفنان بيترسون كامواتي إن قاعات عرض الفنون وهواة جمع الأعمال الفنية “يمثلون أهمية وعوامل للتغيير”. ويمارس كامواتي الفن منذ عقدين من الزمان، وحاز على شهرة دولية خاصة لأعماله السياسية.

ويضيف “لكننا لا نستطيع الاستمرار في التوجه نحو الغرب للحصول على الدعم”، كما أن فرص الوصول إلى المؤسسات الخاصة محدودة جدا.

الفنان الكيني مايكل أرميتاج يقرّ بأن لا أهمية كبيرة للمؤسسات الفنية في بلده، كما أن التراث الثقافي ليس متاحا بسهولة
الفنان الكيني مايكل أرميتاج يقرّ بأن لا أهمية كبيرة للمؤسسات الفنية في بلده، كما أن التراث الثقافي ليس متاحا بسهولة

ويواجه الكثير من الفنانين الأفارقة عوائق في بلدانهم بدءا بالافتقار إلى المؤسسات الثقافية والموارد المالية، وصولا إلى التعرّض للعزلة الاجتماعية والقمع السياسي.

ويشير كامواتي إلى أن “مكانة الثقافة والفن تقع على الهامش في المجتمع الكيني”.

وبالمثل يعاني الفنان الكيني إيماوس كيماني الذي ينتمي إلى جيل أصغر سنا من الافتقار إلى التقدير. ويقول إن “الناس لا يعتقدون أن الفن يعدّ مهنة وطريقة للحياة”، ويضيف أنه ظل لفترة طويلة لا يستطيع أن يخبر والديه بأنه يريد أن يصبح فنانا.

وبسبب عدم وجود دعم من الجهات العليا، صار الدعم يأتي من القاع، مثل بعض المجموعات التعاونية كـ”براش تو”، والتي تضم 12 فنانا يتقاسمون أستوديو ومساحة لعرض الأعمال الفنية. ويقول كيماني “إننا كمجموعة نعتني ببعضنا البعض”.

وتساعد مجموعة نيروبي على إتاحة المعارض وفرص التعليم، وتعدّ قوة دافعة في ما يتعلّق بنشر الوعي حول مشهد الفن المعاصر.

ويعلّق كيماني قائلا “هذا التطّور هو الأهم والأكثر تأثيرا في مشهد الفن بنيروبي، ولولاه لكان من الصعب علينا الاستمرار”.

ويسعى أرميتاج إلى مساندة زملائه الفنانين عن طريق المعهد الذي أسّسه تحت اسم “معهد الفن المعاصر بنيروبي”، ويشمل المعهد مساحة للعرض ومكتبة وأرشيفا وبرامج مختلفة للترويج للفنون، والحفاظ على التراث الفني لشرقي أفريقيا.

ويعلق ليسوني، المدير الفني لمتحف “هاوس دير كونست” بقوله، “ليست هناك في الحقيقة معرفة يمكن مشاركتها عن المنطقة، هناك عالم لا يحتاج إلى الاستكشاف ولكنه بحاجة إلى أن يحظى بالتقدير”.

16