"مفارقة كلوفيرفيلد": مهمة فضائية تنتهي بصراعات دامية

في المستقبليات التي يقدّمها الأدب أو تقدّمها التجارب السينمائية المختلفة، هناك عدد من المقاربات والثيمات الأساسية التي يجري في ضوئها بناء الأحداث وتصعيدها دراميا، ولعل واحدة من أبرز تلك الثيمات والمقاربات هي أن تكون هناك “مهمة” في زمان ما ومكان ما، وغالبا ما يكون الزمان مستقبليا بالطبع.
الاثنين 2018/02/26
إبحار في الزمن الآتي

يشكّل التحدي وعامل المغامرة قوتين إضافيتين في دفع الأحداث دراميا إلى الأمام في كل فيلم سينمائي يتناول ثيمة المستقبليات، فضلا عن خلق قدر كبير من مساحة التشويق التي تدفع جمهور المشاهدين لمتابعة وترقب ما سوف تنتهي عليه المهمة/الحكاية.
وبالطبع سوف يرافق ذلك مفاجآت يجري بثها في صيغة الحبكات الثانوية في مسار الأحداث، ممّا يستجلب قوة إضافية للمسار الدرامي مع المزيد من الخطوط السردية وكل ذلك يتكامل ليقدّم المهمة في شكلها المشوّق.
وفي فيلم “مفارقة كلوفيرفيلد” للمخرج يوليوس أوناه (إنتاج 2018)، هنالك مقدار كبير فيما ذكرنا آنفا ينتشر على المساحة الزمنية للفيلم، حيث مجموعة روّاد الفضاء يكلّفون بمهمة في مدار فضائي بعيد لغرض أن ينقذوا الأرض من نفاد الطاقة فيها، وذلك في العام 2028، حيث يظهر الفيلم مع المشاهد الأولى انقطاع التيار الكهربائي وتكدّس السيارات طوابير في محطات الوقود.
وعلى هذه الخلفية سوف يكون التحدي عالميا، ممّا يدفع لإرسال طاقم من جنسيات متعددة، لكن الشخصيتين الأبرز في المهمة هما الأميركي كيل (الممثل ديفيد أوييلو)، وهو قائد المكوك الفضائي، والبريطانية آفا (الممثلة غوغو مباثا راو).
ومنذ البداية تعيش آفا على وقع ذكريات مأساوية تتعلق بفقدانها أبنائها في حادث حريق كارثي، ولهذا تسترجع شريط الذكريات وهي في أعماق الفضاء وتتواصل مع زوجها الذي تركته على الأرض، وسيستخدم هذا الاستذكار لاحقا في السرد الفيلمي لجهة إمكانية الحيلولة دون موت الأطفال في الحريق، مع أمل آفا بالعودة إليهم، وذلك من خلال التلاعب بالزمن.
وفي وسط هذا يقع صراع بين أعضاء الطاقم ويتصاعد من خلال اتهام الروسي للألماني والتشكيك في ذمته، وتدخل الصينية على الخط ويتم التحري في سجل الألماني (الممثل دانييل بروهل)، وتاليا يتم حجره بدعوى أنه مجند من قبل جهاز المخابرات.

التحدي كان محور البناء الدرامي في فيلم "مفارقة كلوفيرفيلد"، والذي هو أشبه بمغامرة في الفضاء تتكلل بالنجاح في النهاية

كما تظهر أعراض غريبة على الروسي (الممثل آكسيل هانيي) لتخرج من جوفه الديدان ويلقى حتفه وما تلبث الأحداث أن تتسارع بعثور الطاقم على مينا (الممثلة إليزابيث ديبيكي)، وهي رائدة فضاء قادمة من مهمة فضائية أخرى ومن زمن آخر، لكنها تتعرف على آفا.
واقعيا هما حدثان غير مقنعين تماما في البناء الفيلمي، طريقة موت الروسي والعثور على مينا وإخراج الأسلاك المتغلغلة في جسمها، ثم تآمرها على الطاقم وقتل من تصل إليهم يدها. وبهذا يتحوّل المكوك الفضائي إلى ساحة صراع ما يلبث أن يتصاعد مع فقدان الكابتن كيل حياته، وهو في مهمة إصلاح عطب في المكوك، ثم تتعرض المهندسة الصينية (الممثلة زهانغ زي) للتجمّد، ومن ثم الموت في محاولة لإنقاذ المكوك الفضائي، ثم إجهاز مينا على الطبيب الذي أنقذها.
وخلال ذلك كله، ينقطع اتصال المكوك بقاعدته الأرضية ويشعر الجميع باليأس من إمكانية عودة الطاقم سالما، لكن في موازاة ذلك تكون الأرض قد تعرضت لصراعات وحروب عديدة ودمار كبير. وفي الأخير لم ينج من الطاقم ما بين الحوادث والصراعات الدامية سوى آفا التي تكافح هي والألماني إيرنست من أجل إنقاذ المكوك والعودة به بأي طريقة، وبما في ذلك التخلّص من مينا التي كانت تريد الذهاب بالمكوك إلى مدار آخر.
بالطبع هناك الكثير من الآراء النقدية التي كتبت عن هذا الفيلم في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الأميركية والبريطانية بشكل خاص، وكلها عابت على الفيلم بعض الأحداث التي بدت بالفعل غير مقنعة وغير متوافقة دراميا.
كما أن الفيلم أنجز بعد سنوات من التحضير، وهو يتماهى مع جزأين آخرين حملا مفردة كلوفيرفيلد، ولكن لكل منهما قصة مختلفة تماما مع أن المخرج استخدم ثيمة واحدة في النهاية تعود للجزء الثاني من السلسلة، وهي ثيمة الوحش الذي يظهر في نهاية الفيلم. واقعيا إن من لم يشاهد الفيلمين السابقين سوف يستغرب تقديم الوحش بهذه الصورة في النهاية، متزامنا مع نزول المركبة الفضائية إلى الأرض، حيث لم يكن هناك من تمهيد مسبق لذلك.
كما ذكرنا في البداية كانت المهمة والتحدي هما محورا البناء الدرامي في هذا الفيلم الذي هو أشبه بمغامرة في الفضاء، لكنها تتكلل بالنجاح في النهاية من خلال تشغيل النظام الفضائي الذي سيغذي الأرض بالطاقة بعد تعرضها للنفاد.

16