مفاعل آراك عقّد التفاوض في الملف النووي الإيراني

الثلاثاء 2014/10/07
مفاعل آراك للمياه الثقيلة يعد إحدى نقاط الخلاف في المفاوضات النووية

لندن- لا تتوقّع الباحثة الإيرانية آريان طباطبائي أن تقبل إيران بتحويل مفاعل آراك الذي يعمل بالماء الثقيل إلى مفاعل يعمل بالماء الخفيف؛ متسائلة في تحليل لها صدر عن “نشرية علماء الذرة” عن مدى التغييرات التي يمكن لطهران أن تجريها على تصميم المفاعل الذي يعدّ أحد أبرز نقاط الخلاف بينها وبين السداسية الدولية بشأن برنامجها النووي، إلى جانب إشكاليتين رئيسيتين لا زالتا عالقتين هما: إلى أي مدى يتعين تحديد قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم وكيف سيتم رفع العقوبات المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي.

وسط المفاوضات الشائكة حول الملف النووي الإيراني يبين أغلب الملاحظين أن هناك قضية شائكة كان يعتقد سابقا أنها حلّت لكنها في الواقع بعيدة عن ذلك كل البعد.

وهذه القضية، وفق الباحثة آريان طباطبائي، هي إشكالية مفاعل آراك للماء الثقيل (يعرف أيضا بتسمية آي آر 40) كاد يخرج الجولات التمهيدية للمحادثات عن السكة في سنة 2013.

على إثر عقد الاتفاق المؤقت في شهر نوفمبر من السنة نفسها، عبّر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس عن انشغالاته حول المفاعل حيث صرح قائلا إن “آراك، ذلك المرفق الأكثر عرضة للانتشار والأكثر إنتاجا لمادة البلوتونيوم ليس ضروريا للاستعـمال المدني.

لكن إذا بدأ في الاشتغال فلن نقدر على تدميره”. بيد أنه بعد بضعة أشهر أشارت تقارير أن النقاش حول آراك انتهى إلى حد ما، حيث أفاد مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية أن الخلافات تتضاءل، كما قال مفاوض إيراني سابق إن المسألة “محلولة تقريبا”.

منذ ذلك الوقت وردت تقارير متضاربة حول مستقبل المفاعل. ففي بداية سنة 2014 قال علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية إن بلاده يمكن أن “تقوم ببعض التغييرات في التصميم”.

لوران فابيوس: إذا بدأ مفاعل آراك في الاشتغال فلن نقدرعلى تدميره

ومن شأن هذه التغييرات أن تسمح للمفاعل “بإنتاج قدر أقل من البلوتونيوم” حسب قوله، وهو ما يمكّن من “درء المخاوف وتخفيف الهواجس.


ماذا تقصد إيران بإجراء تغيير في آراك؟


خاض الكثير من الباحثين والمراقبين فيما يعنيه التغيير في التصميم في مفاعل آراك للماء الثقيل، وأوضحوا أن أي تغيير يجب أن يحقق هدفين اثنين: أولهما أن يقلص بشكل ناجع خطر الانتشار النووي الذي يمثله المفاعل لطمأنة المجتمع الدولي بأنه لن ينتج بلوتونيوم يستعمل في الأسلحة.

وثانيا يمكّن فريق التفاوض الإيراني من التوصل إلى حل مقبول حول المفاعل. ويجب لهذا الحل أن يسمح للمفاعل بالعمل للغايات السلمية التي تدّعي طهران أنها تبغيها.


هل يمكن تعديل آراك؟


أوضح تقرير أعدّه مجموعة من الباحثين في جامعة “برينستون” الأميركية، أن الإنتاج السنوي من البلوتونيوم يمكن خفضه إلى أقل من كيلوغرام، وهو أقل بكثير من الكمية اللازمة لصنع قنبلة ذرية واحدة، وقدرها نحو ثمانية كيلوغرامات، في حال عدلت إيران طريقة تزويد مفاعل “آراك” بالوقود وقلصت طاقته الكهربائية. وأكد أعضاء برنامج العلوم والأمن العالمي التابع لجامعة برينستون أن “تلك التعديلات في التصميم لن تخفض فائدة المفاعل في صنع النظائر المشعة وإجراء الأبحاث”.


ما هو مفاعل آراك؟


مرفق آراك النووي هو مفاعل حراري للماء الثقيل بقوة 40 ميغاوات، ويزود باليورانيوم الطبيعي ويستعمل الماء الثقيل كملطف. شرعت طهران في التخطيط لبناء المفاعل منذ الثمانينات لكن لم تبدأ الأشغال إلا في سنة 2004. وكان من المفترض أن يشتغل هذا المرفق في أواخر هذه السنة، لكن خطة العمل المشتركة التي تم التوصل إليها في نوفمبر من سنة 2013 علقت الأشغال لمدة ستة أشهر. وتهدف طهران من المفاعل إلى تعويض مفاعل البحوث بقوة 5 ميغاوات الحراري في طهران، وهو مفاعل قديم أعطته الولايات المتحدة لإيران في إطار برنامج “ذرات مقابل السلام” في عهد الشاه الذي أطاحت به الثورة الإسلامية في سنة 1979.


ماهي خطورة مفاعل آراك؟


تشير آريان طباطبائي، في تحليلها المنشور في “نشرية علماء الذرة”، إلى أن الغرب يرى أن المفاعل مهيأ للحد الأقصى لإنتاج البلوتونيوم، وهذا يسبب مخاوف من الانتشار النووي بما أنه يمكن استعمال البلوتونيوم في الأسلحة النووية. وتستند حجة الغرب إلى أن مفاعل آراك يستعمل اليورانيوم الطبيعي (وهو النوع الأرقى في إنتاج البلوتونيوم)، وعندما يصل إلى مرحلة التشغيل سيعمل بقوة 40 ميغاوات، وهو مستوى يعتبره الخبراء الغربيون غير ضروري. ويمكن للمفاعل بعد إنجازه التام أن يحتوي على خمسين كيلوغراما من البلوتونيوم المستعمل في الأسلحة (كمية كافية لستة أسلحة نووية، واعتمادا على تقديرات وكالة الطاقة الذرية الدولية فإن سلاحا نوويا واحدا يتطلب ثمانية كيلوغرامات من البلوتونيوم).

مفاعل آراك سيصبح غير قابل للتدمير ما إن يصل إلى المرحلة التشغيلية

الهاجس الآخر، مثلما لاحظ فابيوس، يتمثل في أن المفاعل سيصبح غير قابل للتدمير ما إن يصل إلى المرحلة التشغيلية. ومثلما صرح قائد سابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أموس يالديم بقوله “كل من يفكر في مهاجمة مفاعل نشط مستعد للتسبب في تشرنوبيل آخر، ولا أحد يرغب في ذلك”.


ماهي مزاعم إيران بشأن آراك؟


حسب طهران آراك هو مفاعل بحث، والهدف الرسمي منه هو اختبار المواد وإنتاج النظائر المشعة للاستعمال الصناعي والفلاحي والطبي (مثلا لعلاج السرطان) واختبار الوقود، بما في ذلك الوقود لاستعماله مستقبلا في مفاعل بوشهر لإنتاج الطاقة، الذي توفره روسيا حاليا بموجب صفقة ستنتهي في سنة 2021.

في سنة 2003 أبلغت طهران وكالة الطاقة الذرية الدولية بأنها خططت لاستعمال اليورانيوم الطبيعي في مفاعل آراك، ولم تكن طهران تعلم في ذلك الوقت أي مدى لنجاح واستدامة برنامج التخصيب لديها في المستقبل ولم تكن متيقنة من قدرتها على شراء اليورانيوم المخصب الذي يحتاجه المفاعل.

كما تدعي إيران أيضا أنها لا تملك خططا لتطوير القدرات على إعادة المعالجة، ودون هذه القدرة لن يكون هذا البلد قادرا على فصل البلوتونيوم من الوقود المخلص من الإشعاعات. وهذا يعني أن البلوتونيوم الذي ينتجه آراك لا يمكن استعماله في إنتاج أسلحة نووية.

لن ينجح المفاوضون في تسويق أي صفقة تجعل الإيرانيين مرتبطين بالآخرين من أجل الحصول على الطاقة النووية


هل من بديل؟


خلال المحادثات بين طهران والغرب، ناقش الطرفان إمكانية تحويل مفاعل الماء الثقيل إلى مفاعل ماء خفيف من أجل تخفيض مخاطر الانتشار النووي. وتشير آريان طباطبائي إلى أن هذا الحل ينظر إليه في الغرب على أنه الحل الأمثل لمشكل آراك.

لكنها تستطرد قائلة إن وزير الخارجية الايراني وكبير المفاوضين في المسألة النووية جواد ظريف قال لها، في الـ19 من سبتمبر الجاري، إن “مثل هذا التحويل لن يكون خيارا مطروحا”.

وأضاف ظريف أن بلاده عوضا عن ذلك مستعدة لتعديل المفاعل من أجل معالجة مخاوف الانتشار النووي بشكل فعّال، وهذا التعديل سيخفض إنتاج البلوتونيوم إلى واحد (أو اثنين، في الحالة القصوى) كيلوغرام في السنة. وأضاف قائلا: “ليس لدينا تكنولوجيا الماء الخفيف، وسيكون علينا الاعتماد على الآخرين في تلك الحالة ونحن لا نستطيع الاعتماد على الآخرين”.


هل تتخلى إيران عن طموحها النووي؟


لا تتوقع آريان طباطبائي أن تقبل إيران بتحويل مفاعل آراك إلى مفاعل يعمل بالماء الخفيف ثم الاعتماد على المساعدة الخارجية لتشغيله فهذا من شأنه أن يمنح القوى الأجنبية ورقة تفاوضية يمكنها استعمالها للتحكم في البلد. وهذا يعني أن إجراء صفقة يعتقد أنها تجعل الإيرانيين مرتبطين بالآخرين من أجل الحصول على الطاقة النووية هي صفقة لن ينجح الفريق المفاوض في تسويقها داخل إيران. فالإيرانيون يرون أن اعتماد بلادهم على الآخرين، والروس بصفة خاصة، هو تحد يجب تجاوزه.

وتختم طباطبائي قائلة: “منذ عدة أشهر تحدثت مع صحفية سابقة في طهران حول صفقة التعاون النووي الإيراني الروسي التي تضم حاليا تزويد بوشهر ويمكن أن تقود إلى المزيد من العقود في السنوات القليلة القادمة لبناء سبعة أو ثمانية مفاعلات أخرى، وقالت الصحفية: “لا نستطيع التعويل على الروس، ومن المهم جدا أن يعرف العالم ذلك”.

7