مفاهيم جديدة تؤكد أهمية العودة إلى نظام الأسر الممتدة

في الماضي القريب، كانت ظاهرة الأسر أو العوائل الممتدة عرفا اجتماعيا شبه سائد حرصت العديد من الأسر خاصة تلك التي تعيش في الشرق على تمتين مفاهيمه. وتمتد هذه التركيبة الاجتماعية على مساحة تاريخية تصل إلى ثلاثة أجيال متعاقبة وربما أربعة تتكون من الأجداد والأبناء والأحفاد وربما أبناء الأحفاد، كما تقابل هذا التوزيع مساحات كبيرة للسكن تتخذ في الغالب أشكالا موسعة من الدور متعددة الطوابق والغرف والمنافع، في حين لا يشكل السكن العمودي خيارا مناسبا لهذا النوع من التعايش.
الأربعاء 2015/09/16
تواجد الأبوين والأجداد تحت سقف واحد يوفر بيئة مسببة لمزيد من المشكلات النفسية للأطفال

الأنماط الأسرية الممتدة تنتج في العادة مجموعة من المشكلات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية دون إهمال تأثيراتها الإيجابية في بعض النواحي، وهي النواحي التربوية والاجتماعية والاقتصادية ذاتها، لكن وفق رؤيتها من زوايا مختلفة.

في عالم اليوم، تلاشى هذا النوع من الأشكال الأسرية في حين أن الأسر الأحادية تعاني هي الأخرى سلسلة من المثبطات والمعوقات لأسلوب المعيشة حتى في أبسط صوره، لكن هناك، على ما يبدو، بعض المفاهيم الجديدة التي تؤكد على أهمية العودة إلى النظام الاجتماعي القديم، بصورة إلزامية وليست اختيارية بسبب الصعوبات الجمّة التي تواجهها بعض الأسر في مستهل حياتها الاجتماعية، قد يكون أحد جوانبها اقتصاديا.

ووفق إحصائية للجمعية الأميركية للمتقاعدين، فإن حوالي 2.6 مليون طفل يعيشون في مساكن أجدادهم وهم مسؤولون عن تربيتهم بشكل ما، بما تنطوي عليه عملية التربية هذه من صعوبات يواجهها المسنون والتي تتعارض مع وتيرة حياتهم اليومية وهم في هذه السن المتقدمة، أما إذا كان هذا الأمر هو نوع من التبني الذي يقوم به الأجداد لسّد الفراغ الحاصل بسبب غياب أحد الأبوين أو كليهما، فإن الصعوبة في التعامل مع الصغار تكون مضاعفة في ظل عدم قابليتهم للتأقلم مع الأجواء الجديدة وما يسببه هذا الأمر من ضغوط نفسية على الأجداد.

كما أن الركود الاقتصادي العالمي أسهم في بروز ظاهرة الامتداد الأسري مجددا، حيث تضطر بعض العائلات من أجيال مختلفة للسكن في مكان واحد والمشاركة في المسؤوليات الاقتصادية، اختصارا لأجور السكن وبعض التكاليف المعيشية الأخرى، لكن الأمر هنا لا يخلو من حدوث بعض الاحتكاك الذي يتسبب في توليد سلسلة لا نهاية لها من المشكلات، سواء المتعلقة منها بتربية الأطفال أو انتهاك الخصوصيات وحتى توزيع المسؤوليات وحجم النفقات اليومية.

ويقر المختصون بأن هناك مجموعة من المعوقات النفسية، التي تحيل مسألة تربية الأجداد للأحفاد إلى خطأ أو معضلة يجب ألا يغيب عن بال المربين، وبعض هذه المعوقات تتعلق بتعهد بعض الأجداد بتربية أحفادهم إثر حدوث طارئ أو وفاة أحد الأبوين.

الركود الاقتصادي أسهم في بروز الامتداد الأسري مجددا، حيث تضطر بعض العائلات للسكن تحت سقف واحد
وفي هذا الإطار يحذر متخصصون بأنه يصعب إقناع الأطفال في هذه السن المبكرة عن سبب تغيير مسكنهم ومكان عيشهم وأسلوب حياتهم أيضا، في حين أن أغلب الأجداد يميلون إلى تدليل أحفادهم إلى درجة الإفساد وحينها يبدو من الصعب تأقلمهم مع أي أسلوب عيش مختلف في حال اضطروا لتغيير مسكن أجدادهم وانتقلوا إلى مسكن آخر يوفره القائم على رعايتهم أو الأب الفعلي، كما أن الأجداد أنفسهم قد يجدون من الصعوبة بمكان خسارة حقهم في الرعاية في حالة عودة الأحفاد إلى ذويهم أو إلى مراكز رعاية خاصة (في حالات وفاة الأهل)، في الوقت الذي اعتادوا فيه على وجودهم المستمر في حياتهم على الرغم من الفوضى التي يسببونها في العادة.

ويرى الدكتور بيتر آل ستافينوها، اختصاصي الطب العصبي – النفسي بمركز طب الأطفال النفسي في دالاس وأستاذ الطب النفسي في جامعة تكساس الأميركية، يرى بأن هذا النوع من الأشكال المعيشية قد يضر بالعلاقات الزوجية بين الجد والجدة وربما تصبح مصدرا للإحباط، كما أن تواجد الأبوين والأجداد تحت سقف واحد يوفر بيئة مشجّعة لمزيد من المشكلات النفسية للأطفال، الذين سيعانون طفولة مشتتة تتعارض فيها توجيهات الأهل مع الأجداد كما تتلاشى معها مركزية المرجع المعتمد لتلقي التعليمات والذي يضطلع كليا بما يتعلق بمجال تربية الأطفال. وعندما يكون هذا هو الحال، فيجب أن تكون السلطة الأبوية واضحة المعالم كما ينبغي توضيح هذا الأمر للأطفال بصورة يكون معها سلطة أبوية مركزية تقتضي الالتجاء إلى تعليماتها والانصياع لها.

وتؤكد الدكتورة سوزان نيومن، اختصاصية أميركية في علم النفس الاجتماعي، على أن للأهل القرار والصلاحية المطلقة في تربية أبنائهم وأن تكون لهم الكلمة الأخيرة في ذلك، ولهذا وجب أن يتخذوا موقفا واضحا وصريحا من تدخل الأجداد المستمر في تربية الأبناء وفق عواطفهم ومدى ارتباطهم بالأحفاد، كما يتوجب على الأهل أن لا يحاولوا إثارة المشكلات مع الأجداد، فالروابط العائلية مهمة أيضا في تربية أبناء أصحاء نفسيا وبدلا عن ذلك، يتوجب إيجاد حلول وسط يتم فيها اتخاذ قرارات مشتركة تصب في مصلحة الأطفال.

21