مفاوضات الحدود البحرية اللبنانية الإسرائيلية

نبيه بري استبق الحدث وأفصح عن بعض المسكوت عنه من تطور الاتصالات، قائلا إن الجانبين اللبناني والإسرائيلي قد اتفقا على حل خلافات حول الخط الأزرق وذلك إضافة إلى الحدود البحرية.
الأربعاء 2020/10/07
بري أفصح عن بعض المسكوت عنه

كما هو مقرر، تبدأ بعد أيام قليلة، في بلدة الناقورة الحدودية اللبنانية على الساحل، مفاوضات مباشرة، إسرائيلية لبنانية، برعاية أميركية، حول ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين. وستُجرى المفاوضات في مقر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل). وينعقد الاجتماع الأول بعد أكثر من سنتين من “مفاوضات حول المفاوضات” كما أطلق عليها الإسرائيليون.

وعلى الرغم من محدودية موضوع التفاوض، واقتصاره على الترسيم البحري دون البري، فإن هذا التطور، أحيط بالكثير من المحاذير اللبنانية الداخلية والإقليمية التي انعكست في التزام التكتم على العديد من الأدوار التي سبقت التوصل إلى اتفاق على بدء المفاوضات. فقد أعرب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن شكره الخاص للسفير الأميركي لدى تركيا ديفيد ساترفيلد، قائلا إنه صاحب الفضل في التوصل إلى الاتفاق على بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، اللذين لا علاقات دبلوماسية بينهما. وشكر بومبيو الرجل الذي كان يتابع الأمر طوال ثلاث سنوات، مع السفير ساترفيلد، وهو مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شينكر.

معنى ذلك أن هناك دورا تركيا مسكوتا عنه في عملية الوساطة. وبحكم ما يجري الآن على رقعة الشطرنج في المشرق العربي، يمكن اعتبار تلك الوساطة التركية، التي تطال لبنان الذي لا يزال منطقة نفوذ إيرانية، واحدة من العناصر المتراكمة والتعارضات، على صعيد العلاقات الإيرانية التركية. 

يتعلق موضوع التفاوض بخلاف على مساحة 860 كم مربع، في شرقي البحر المتوسط، بالقرب من حقول الغاز الطبيعي التي تقول إسرائيل إنها لها. وهذه المنطقة، التي وصفها أحدهم في حكومة إسرائيل بأنها على شكل شريحة  “بيتزا” يلتقي رأسها مع رأس الناقورة اللبنانية، ويرى الطرف الإسرائيلي أن الخروج باتفاق حولها يمكن أن يفتح الباب لما يسمى “الاستقرار الإقليمي”. 

ولكي يكون واضحا أن هذه المفاوضات، جزء من سياق متكامل، أو محطة من المحطات التي تضمرها الإدارة الأميركية؛ لم يتردد بومبيو في القول إن إدارة الرئيس ترامب تتطلع أيضا إلى محادثات منفصلة على مستوى الخبراء، لتحديد القضايا العالقة المتعلقة بالخط الأزرق (أي الحدود اللبنانية الإسرائيلية). ومعلوم أن لبنان كان وإلى السنوات الثلاث الماضية يرفض الدمج بين عملية ترسيم الحدود البحرية وعملية فض الخلافات حول الحدود البرية. فقد أصر اللبنانيون على أن استعدادهم يقتصر على الحدود البحرية من أجل حقوقهم في الغاز. وما حدث أن الإسرائيليين هم الذين تراجعوا تكتيكيا، لتنسيق الخطوات مع الأميركيين، الذين يريدون استغلال المأزقين الاقتصادي والسياسي في لبنان، والتلويح بغواية الثروة المتاحة ما لم يعطل نيلها الطرف نفسه الذي يعطل المساعدات الدولية. ففي هذا السياق، يلتزم الأميركيون إستراتيجية الهجوم في معركتهم الباردة مع الإيرانيين، وهم يعرفون أن وضع لبنان أصبح حرجا جدا، والشعب اللبناني يريد إزاحة الطبقة السياسية والحصول على ثرواته لكي يعيش.

كما أشار مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر إلى الأمر في تصريحاته حول اتفاق إجراء المحادثات.

الأميركيون يسعون لاستغلال المأزقين الاقتصادي والسياسي في لبنان
الأميركيون يسعون لاستغلال المأزقين الاقتصادي والسياسي في لبنان

بعد إحراز النجاح في موضوع بدء المفاوضات، أطلق الأميركيون تصريحات متتالية، توحي افتراضا بقرب موعد المفاوضات حول الحدود البرية، وقال مساعد وزير الخارجية “إن ذلك سيكون مسارا منفصلا بين إسرائيل ولبنان واليونيفيل” بمعنى أن يلتقي الطرفان بحضور قوة الطوارئ الدولية.

وفي الواقع يقتصر الخلاف على الحدود البرية، على “مزارع شبعا” حسب التسمية المتداولة، وهي نفسها “جبل دوف” عند الإسرائيليين الذين يدسون مصطلحات الأسطورة، مع تحريك تطبيقاتها جغرافيا حسب المناسبة. ففي “مزارع شبعا” يقول الإسرائيليون إن النبي إبراهيم أدى من فوق الجبل “عهدا مع الرب”. أما في السياسة والتاريخ، فإن المزارع منطقة تتبع لبنان، موصولة بمرتفعات الجولان عند تقاطع الحدود اللبنانية السورية. وكانت سوريا تطالب بها قبل العام 1967 وعندما سيطرت إسرائيل على مرتفعات الجولان، بما فيها تلك المنطقة، فرضت عليها السيادة، ضمن قرار ضم الجولان في العام 1981. وعندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000 صادقت الأمم المتحدة على خط المغادرة الجغرافي، لكن “حزب الله” مع فصائل وأحزاب لبنانية أخرى، اعتبروا أن هناك أراض لبنانية ظلت محتلة وهي مزارع شبعا.

واقع الأمر الآن، أن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية تبدأ، وسيحضرها خبراء ترسيم بحري وخبراء في الطاقة، على قاعدة أن الدولتين تتطلعان إلى تطوير حصصهما من الغاز.

وبحكم الارتباك السياسي الراهن في لبنان، أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وهو المسؤول عن ملف الحدود البحرية، قد استبق الحدث وأفصح عن بعض المسكوت عنه، من تطور الاتصالات؛ فصرّح أن الجانبين اللبناني والإسرائيلي قد اتفقا على حل خلافات حول الخط الأزرق إضافة إلى الحدود البحرية، وسرعان ما صدر النفي من مصادر رسمية وحزبية، لكن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ألمح إلى أن التفاهم على حل خلاف الخط الأزرق سيعقب حل الخلاف حول الحدود البحرية.

 الأميركيون من جهتهم، أو إدارة ترامب تحديدا، اعتبرت التطور اللبناني ـ الإسرائيلي اختراقا جديدا في الشرق الأوسط. فلأول مرة منذ 30 عاما، تتفق إسرائيل ولبنان على بدء مفاوضات لإنهاء النزاع طويل الأمد حول الحدود البحرية. وكانت أول التوقعات أن تبدأ المفاوضات يوم 12 أكتوبر الجاري، وتكون تحت علم الأمم المتحدة وفي استضافة المنسق الخاص لشؤون لبنان.

ولم تُخف حكومة نتنياهو بهجتها، وهي تكافح من أجل البقاء. فقد تلقت إدارة ترامب الشكر والامتداح من وزير الخارجية في حكومة نتنياهو غابي أشكنازي، ووزير الطاقة يوفال شتاينتس، على “تسهيل الاختراق الذي سمح بالمناقشات”. وقال شتاينتس مبشرا على الطريقة الإسرائيلية بـ”الخير للجميع”، “هدفنا هو إنهاء الخلاف حول الترسيم البحري الاقتصادي للمياه بين إسرائيل ولبنان، من أجل المساعدة في تنمية الموارد الطبيعية، لصالح جميع شعوب المنطقة”.

هكذا يأخذ الأميركيون والإسرائيليون فرص المبادرة، في أصعب أو أكثر الأوقات حرجا بالنسبة لإدارة ترامب وحكومة نتنياهو. ولم يكن ذلك سيتاح للطرفين، لولا أن العرب بلا بوصلة ويمرون بأحوال تجاوزت في التردي وصف المأزق، وبات الانهيار مع ضياع البوصلة هو الوصف الأدق.

8