مفاوضات صعبة تنتظر الأميركيين والروس في جنيف حول سوريا

الجمعة 2013/09/13
مبادرة بوتين وموافقة أوباما.. مناورة لكسب الوقت من الجانبين

لندن- يعقد وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف ويرافقهما عشرات الخبراء مفاوضات صعبة في جنيف حول كيفية تطبيق المبادرة الروسية الهادفة إلى وضع ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية تحت رقابة دولية وهو هدف تعتبره المعارضة السورية غير كاف.

يوم 5 فبراير 2003، خرج، كولين باول، وزير الخارجية الأميركي في حكومة جورج دبليو بوش على الملأ، ليؤكّد، بكل ثقة، أن «الرئيس العراقي صدام حسين يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وأنه قادر على إنتاج المزيد من السلاح البيولوجي بأعداد تكفي للفتك بـمئات الآلاف من الأشخاص».

هذا التصريح الذي أدلى به باول في مقر الأمم المتّحدة كان جواز العبور لدخول الأميركان العراق في ربيع 2003، اليوم يكاد يتكرّر المشهد مع بلد حدودي، يشابه العراق في كثير من الملامح السياسية والتاريخية والطائفية، ولا يقلّ أهميّة عنه على المستوى الإقليمي والجيواستراتيجي، وهو سوريا.

منذ أن تحوّل الصراع في سوريا من ثورة شعبية سلمية تطالب بإصلاحات اجتماعية إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، فرض شبح الحرب الأميركية على العراق نفسه على الوضع في سوريا. ويربط كثير من المراقبين والمحلّلين التردّد الأميركي والرفض البريطاني حيال تنفيذ ضربة عسكرية على سوريا بتداعيات حرب العراق.

بينما كان العالم يعدّ الدقائق لبدء الهجوم العسكري الأميركي على سوريا، تحت نفس الحجّة وهي استعمال النظام لأسلحة الدمار الشامل؛ وفي الوقت الذي ركّزت فيه التقارير على جهود باراك أوباما لإقناع الكونغرس بالموافقة على هذه الخطوة، فاجأ الرئيس الأميركي العالم، يوم الثلاثاء 10 سبتمبر-أيلول، حين طالب الكونغرس بتأخير التصويت على قرار التدخل العسكري في سوريا، ومنح الفرصة لمزيد من الجهود الدبلوماسية بناء على مبادرة تقدّمت بها روسيا.

اقترحت روسيا، حليفة النظام السوري، في مبادرتها وضع السلاح الكيميائي السوري تحت الرقابة الدولية. وحظيت المبادرة بقبول من طهران وبترحيب من قبل واشنطن ولندن وجامعة الدول العربية. وقد وافقت سوريا على مبادرة روسية تقوم على الكشف عن كامل ترسانتها الكيميائية، الأمر الذي تشكك جهات دولية في مصداقيته ورفضت المعارضة السورية المبادرة، وعبَّر مجلس التعاون الخليجي وتركيا عن أسفهما لتراجع واشنطن عن تهديدها بضرب النظام السوري.

في الأثناء، ينتظر أن تصدر البعثة الأممية، التي أدّت زيارة إلى سوريا للبحث في صحة الاتهامات باستعمال الأسلحة الكيميائية ضد المواطنين، تقريرها في هذا الشأن الأسبوع المقبل. و أكدت مصادر مطلعة داخل الأمم المتحدة، أن الفريق الدولي المختص بالتحقيق في استخدام السلاح الكيميائي بسوريا، سيقدم تقريره حول هجوم الغوطة قرب دمشق مطلع الأسبوع المقبل، رغم نفي المنظمة الدولية وجود موعد محدد لذلك، من دون استبعاد تأجيله مع تقدم الخطوات الدبلوماسية.

بالتزامن مع عودة الحديث عن مواصلة الحوار وتشجيع الحلّ الدبلوماسي أعلن مسؤول مدني كبير في قوات البحرية الأميركية أن السفن الحربية الأميركية في البحر المتوسط جاهزة لضرب النظام السوري «بقوة» إن أصدر الرئيس باراك أوباما أمرا بذلك.

ومع استبعاد واشنطن في الوقت الحاضر أي تحرك عسكري ضد دمشق لمواصلة السعي إلى حل دبلوماسي يعتبر بمثابة الفرصة الأخيرة، فإن الأمين العام للبحرية راي مابوس ذكر بأن المدمرات الأميركية المجهزة بصواريخ عابرة ما زالت في مواقعها في شرق المتوسط.

خفايا المبادرة الروسية


منذ أن أطلق الروس مبادرتهم لنزع السلاح الكيميائي السوري، وإعلان سوريا موافقتها السريعة، وكذا الترحيب الإيراني؛ أصيب الكثير من العرب بخيبة أمل كبيرة من الصدمة التي لم يتوقعوها من نظام (ممانع) ظل طوال أربعين عاما يبني منظومة تسليحه لمواجهة التفوق النوعي الإسرائيلي على قاعدة امتلاك أسلحة الردع التقليدية وغير التقليدية والتهديد بها هجوما أو دفاعا.

هذا الموقف دفع البعض إلى التساؤل: كيف لنظام عاند وتسبب في إدخال سوريا أتون حرب أهلية قتلت عشرات الآلاف وشردت الملايين وحولت سوريا إلى دولة منكوبة، أن يتخلى ببساطة عن مبرر وجوده ويقبل أن يدخل سوريا النفق الذي دخله من قبله العراق، عبر فرق التفتيش بسبب التهديد الأميركي، تهديد دارت حول جديته الكثير من الشكوك؟.

هذا التساؤل طرحته دراسة، صدرت عن مركز «أطلس للدراسات»، تناولت بالتحليل خفايا المبادرة الروسية وهل هي مناورة لكسب الوقت أم إذعان لحماية رأس النظام؟ لقد كانت المبادرة الروسية مفاجأة من العيار الثقيل، فاجأت كل من كان يراقب المشهد السوري المتأزم، أثارت الكثير من التساؤلات عن التوقيت والأهداف والدوافع وسيرورة المشهد السوري ومستقبل نظام الأسد.

عشية المحادثات التي جرت، أمس الخميس وتستمر اليوم في مدينة جنيف، بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف وعشرات الخبراء، وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحذيرا شديد اللهجة إلى الولايات المتحدة بأن أي تحرك عسكري أحادي ضد سوريا قد يقضي على النظام العالمي. وقد ذكّرت هذه التصريحات ببعض حقبات الحرب الباردة.

وفي افتتاحية نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، في وقت كان كيري على متن طائرة تقله إلى سويسرا، اتهم بوتين مقاتلي المعارضة السورية باستخدام الأسلحة الكيميائية بهدف حمل الولايات المتحدة على «التدخل». وحذر بوتين، أقرب حلفاء الأسد، من أن أي استخدام للقوة خارج إطار مجلس الأمن الدولي «غير مقبول» و»سيشكل عملا عدوانيا». كما حذر من أن ضرب سوريا «سيزيد العنف وسيطلق موجة إرهاب جديدة»، مشددا على ارتباط العديد من المقاتلين المناهضين للأسد بتنظيم القاعدة.

وتوجيه ضربة عسكرية، وفق بوتين «سيقوض الجهود المتعددة الأطراف لتسوية المشكلة النووية الإيرانية والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني وسيزيد من زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.. وقد يقوض نظام القانون الدولي برمته».

وكتب بوتين أنه «يجدر بالولايات المتحدة وروسيا وجميع أعضاء الأسرة الدولية اغتنام فرصة استعداد الحكومة السورية لوضع ترسانتها الكيميائية تحت رقابة دولية من أجل تدميرها». وختم بوتين تحذيره بلهجة تصالحية مرحبا بـ»اهتمام الرئيس (الأميركي) بمواصلة الحوار مع روسيا حول سوريا» ومشيدا بـ»الثقة المتنامية» بينهما.

خطة روسية لتدمير الأسلحة الكيميائية السورية
اقترحت روسيا خطة من أربع مراحل لتدمير ترسانة الأسلحة الكيمائية في سوريا

[ المرحلة الأولى: انضمام سوريا إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية

[ المرحلة الثانية: الكشف عن مقار تخزين وإنتاج هذه الأسلحة

[ المرحلة الثالثة: فحص ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية

[ المرحلة الرابعة: تدمير أكبر مخزن أسلحة كيميائية في الشرق الأوسط


نفوذ موسكو


في مؤشر يدل على أن الرئيس الروسي يرى في الأزمة السورية فرصة لإعادة تأكيد نفوذ موسكو بعد عقدين من انتهاء الحرب الباردة، انتقاد فلاديمير لواشنطن. وعلق على الكلمة التي وجهها أوباما مساء الثلاثاء إلى مواطنيه وقال فيها إن الولايات المتحدة لديها دور «استثنائي» ينبغي أن تضطلع به، فقال إنه من الخطأ لأي قوة أن تفترض بأن لديها دور زعامة فريدا.

وتعقد اللقاءات الأميركية الروسية الاستثنائية نتيجة تطور دبلوماسي لافت مع طرح موسكو الإثنين خطة سارعت سوريا إلى الموافقة عليها، تقضي بتفكيك مخزون أسلحة دمشق الكيميائية تحت إشراف دولي.

وكشف لافروف عن مشروع «قابل للتحقيق، مفصل وملموس»، ورد إثر إعلان كيري في اليوم نفسه في لندن ردا على سؤال خلال مؤتمر صحافي أن على سوريا أن تسلم جميع أسلحتها الكيميائية «في مهلة أسبوع» لتفادي ضربة أميركية.

وتسعى الأمم المتحدة وواشنطن وموسكو منذ أشهر إلى تنظيم مؤتمر دولي للسلام أطلق عليه اسم «مؤتمر جنيف 2» يضم الأسرة الدولية حول النظام السوري والمعارضة السياسية والمسلحة.

غير أن روسيا والولايات المتحدة تتواجهان حول سوريا منذ اندلاع النزاع قبل سنتين ونصف السنة، وهذه المواجهة تشل مجلس الأمن الدولي وتمنعه من القيام بأي تحرك.

وقد عقد الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين) اجتماعا الأربعاء استمر 45 دقيقة في مقر البعثة الروسية في الأمم المتحدة في نيويورك دون التوصل إلى اتفاق حول مسودة قرار يهدف إلى تدمير الأسلحة الكيميائية السورية. وكانت موسكو اعتبرت نصا أوليا أعدته باريس وأيدته واشنطن وكان يحمل دمشق مسؤولية استخدام الأسلحة الكيميائية وينص على استخدام القوة في حال انتهاك مضمونه أنه «غير مقبول».

تعتبر دراسة مركز «أطلس» أن توقيت الإعلان عن المبادرة الروسية يثير الاستغراب والشكوك حول الأهداف، ودوافع أصحابها الروس ونظام الأسد، فلم يعلن عنها عشية اكتمال أركان الموقف الأميركي بالعدوان بهدف درء العدوان في اللحظة الأخيرة، بل جاءت في وقت أظهرت فيه مؤشرات مجلسي الشيوخ والنواب والرأي العام الأميركي أنها لا تميل لصالح اتخاذ قرار بالعدوان، وأن احتمالات فشل أوباما وطاقمه في الإقناع أكبر من احتمالات نجاحه. كما أن اكتمال إجراءات النقاش والتصويت واتضاح معالم القرار الأميركي كانت بحاجة إلى أكثر من أسبوعين على الأقل، فلماذا يقدم الروس طوق نجاة لأوباما ويمنحوه إنجازا كبيرا دون أن يطلق رصاصة حتى ودون أن يتعرق وهو يستجدي موافقة الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب؟، أوباما يشعر اليوم بالكثير من مشاعر الارتياح وثقة المنتصر، ويستطيع أن يسجل لسياسته نصرا كبيرا لم يكن يحلم به، أكبر وأبعد من أهداف حملته التي كان يخطط لها.


الدافع الروسي


الروس لهم دوافعهم الخاصة بهم التي لا تكترث كثيرا عادة بالمصالح العربية، وسياستهم الخارجية في مناطق نفوذهم تقوم على الصفقات التي تحافظ على مصالحهم في المنطقة أو تكسبهم أرباحا ومصالح في ملفات أو مناطق أخرى، وفق ما جاء في الدراسة.

ويبدو أن المبادرة الروسية حققت أكثر من هدف؛ الأول يتمثل في المحافظة على مصالح روسيا في سوريا من خلال المحافظة على نظام الأسد ولو مؤقتا، والثاني عودة روسيا كدولة عظمى لها أهمية كبيرة في حل الأزمات الدولية، ولا نستغرب إن كانت روسيا قد حصلت في الخفاء على صفقة ما من إدارة أوباما نظير إيجابيتها في الملف السوري من وجهة نظر أوباما، والثالث هو استبعاد أي حرج لروسيا قد يسببه العدوان على أصدقائهم.

هناك من يرى المبادرة الروسية السورية لنزع سلاح سوريا الكيميائي على أنها مجرد مناورة لكسب الوقت ودرء العدوان، وليست بدافع الإذعان للمحافظة على رأس النظام، وعلى الرغم من أن المبادرة تنطوي على غياب التفاصيل والآليات؛ لكنها محددة وواضحة الأهداف التي تنحصر في نزع أسلحة سوريا الكيميائية، وفي هذا إقرار رسمي بامتلاك سوريا لأسلحة كيميائية، وإعلان الموافقة الرسمية على وضعها أولا تحت إشراف دولي ليتم لاحقا نقلها إلى مكان آمن يتم فيه التخلص منها، وهذا ما أعلنه لافروف حينما قال إن روسيا تحث سوريا على نقل أو وضع أسلحتها التي سوف تتم إبادتها في المستقبل تحت إشراف دولي، وطالما أن جوهر المبادرة يتحدث عن وضع الأسلحة تحت إشراف دولي فمن الطبيعي أن مجلس الأمن هو الجهة المخولة بذلك، الذي سيكون مدعوا للاجتماع قريبا ليتخذ قرارا بموافقة روسية هذه المرة، قرار سيمنح هيئة التفتيش الدولية صلاحية التفتيش والعثور على الأسلحة الكيميائية ومصادرتها، ومصادرة معامل وأجهزة إنتاجها، وسيكون من حقها لضمان عدم تلاعب نظام الأسد بهم أن يقترحوا آليات تفتيش ورقابة صارمة تمنحهم حق دخول غرف نوم النظام، أي أن السيناريو العراقي يكرر نفسه في نسخة سورية.

7