مفاوضات للسلام وليست لالتقاط السيلفي

السبت 2016/01/30

في الوقت الذي أبدى فيه النظام السوري، بتوجيهات روسية طبعا، موافقته على المشاركة في مفاوضات جنيف 3 للوصول إلى سلام في سوريا، تعيش المعارضة على وقع مسؤوليات كبيرة تقع على كاهلها، وهي تتحمل، فعلا، وزر تمثيل الضحية في مفاوضات مع القاتل الذي يعرف العالم بأسره أنه قاتل، وهي مصرّة على الوصول إلى حل يوقف هذه الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، وينتقل بسوريا إلى مرحلة جديدة تجنّبها المزيد من التمزق والخراب.

الاختلاف على التفاصيل يبدو دائما العقبة الرئيسة التي تسبق أي مفاوضات، فبين غياب النية الدولية الواضحة في التحرك باتجاه إنهاء المأساة، وبين الدعم الروسي اللامحدود للنظام السوري يظل الأمر على ما هو عليه.

المفاوضات من وجهة نظر موسكو هي مرحلة أشبه بالتوقف لمراجعة ما حدث على الأرض، وهي فرصة بالنسبة لها لتقول للعالم، وتحديدا لواشنطن إنها انتصرت في الجولة الأولى، وأنها مصرة على الاستمرار، إذ أنها لا تخسر شيئا كما صرح بذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اعتبر أن مشاركة قواته العسكرية في الصراع السوري هي تدريب مجاني ولن تكلف شيئا، وهي أيضا تمكنت من فرض واقع جديد دفع بقوات النظام خطوات إلى الأمام وأتاح لها فرصة استعادة السيطرة على مناطق كانت قد خسرتها، لكن ليس على حساب داعش والنصرة بل على حساب ما تبقى من فصائل الجيش الحر الذي كان هدف الغارات الروسية.

وبالمقابل فإنه ليس لدى واشنطن ما تفاوض عليه فهي، فعلياً، باتت خارج المعادلة السورية بإرادتها، وتبدو مصابة بفوبيا تنظيم داعش، وهي مستعدة للتحالف مع أي طرف يضمن لها تقديم كشف حساب مهما كان صغيرا تثبت من خلاله أنها تمكنت من الحد من قدرة التنظيم على التمدد، وعلى حصر خطره داخل الحدود السورية العراقية، وهي تسقط من حساباتها تماما الحديث عن تنظيمات إرهابية أخرى تنشط في صفوف النظام وتقاتل تحت رايته، وقد خلت تصريحات مسؤوليها في الآونة الأخيرة من أي إشارة إلى معاناة الشعب السوري أو الحالة الكارثية التي وصلت إليها الأوضاع، بل وربما ذهبت أبعد من ذلك حين لوحت بوقف الدعم الذي تقدمه إن لم تستجب المعارضة لإملاءاتها وتسير وفق هواها، ولعل النظام التقط هذه الإشارة من واشنطن ولذلك فهو لا ينفك يعزف عليها، بل ويعلو صوته حين يؤكد أنه مستعد للذهاب إلى جنيف أو إلى أي مكان في العالم، فقط ليتمكن من محاربة التنظيمات التكفيرية، وهو لن يوفر جهدا في الحفاظ على السيادة الوطنية والحرص على عدم تحول سوريا إلى مركز تنطلق منه العمليات الإرهابية التي تستهدف السلم العالمي، وكأن سوريا لم تتحول أصلا إلى ذلك، ولذلك فهو آخر من يتحدث عن المأساة السورية، وعن الملايين من النازحين والمشردين، وعن الدمار الهائل، ما دامت “سوريا المفيدة”، وفق تعريفه، ما زالت تحت سلطته، وليذهب ما تبقى إلى الجحيم، بل هو ليس معنيا أصلاً بإيقاف الحرب الدائرة لأنه لا يمتلك هذا القرار، ولا يستطيع مجرد اقتراحه على إيران وروسيا، بل ولا حتى على ميليشيات حزب الله التي ورغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها إلا أنها ما زالت مصرة على مواصلة القتال بمنتهى الوحشية ليس دفاعاً عن النظام فقط، ولكن دفاعاً عن وجودها الذي تدرك تماماً أنه مرتبط كلياً ببقاء النظام.

ويبدو أن النظام قد حسم أمره ويريد إعادة السيناريو الذي قدمه سابقاً في جنيف 2، إذ اكتفى أعضاء وفده المفاوض بالمماطلة والتقاط صور السيلفي أمام مقر الأمم المتحدة، فيما وقفت المعارضة تتلقى سهام النقد لأنها، بكل بساطة، غير قادرة على صناعة السلام، فهل سيكون جنيف 3 مختلفاً عما قبله؟ جميع الإشارات الأولية تقول لا شيء تغير، والمقتلة السورية ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات.

كاتب سوري

9