مفاوضات ما بعد انتخابات العراق تكشف عن انعدام الثقة بين الشركاء السياسيين

الأحزاب العراقية تتفاوض لاقتسام الحقائب الوزارية، والصدر يستنجد بأقرب مساعديه والعبادي يفوض قيادات عسكرية وأمنية.
السبت 2018/05/19
بحث مسار التحالفات

بغداد - شكلت القوائم الفائزة في الانتخابات العراقية العامة، التي جرت في 12 من الشهر الجاري، وفودها التفاوضية، استعدادا لمرحلة شاقة من اللقاءات والاجتماعات المطولة، للاتفاق على تقاسم تفاصيل الوزارة الجديدة، بدءا من منصب رئيس الوزراء، وصولا إلى إدارات بعض الأقسام في عدد من الدوائر الحساسة.

وتعكس تشكيلات الوفود التفاوضية انعداما تاما للثقة بين الشركاء السياسيين في القائمة الواحدة، إذ أصر كل منهم على ضمان تمثيله على طاولة المفاوضات، للحصول على حصته الكاملة من كعكة الحكومة الجديدة.

وتتكون كل قائمة من عدد من القوى والأحزاب السياسية المؤتلفة، أو الشخصيات التي سبق لها العمل في أحزاب انشقت عنها لاحقا.

وبحسب معلومات كشفت عنها شخصيات عراقية مطلعة، فقد خاضت كل قائمة فائزة مفاوضات داخلية شاقة لتشكيل وفدها التفاوضي مع القوائم الأخرى، نظرا لرغبة جميع مكونات القائمة الواحدة في حضور المفاوضات من أجل ضمان حقوقها.

وكشفت أسماء الأعضاء في هذه الوفود، التي اطلعت عليها “العرب”، إصرار بعض القوائم على الاستعانة بوجوه قديمة اعتادت الاعتماد عليها، فيما بدا واضحا حجم التغيير الذي أفرزته انتخابات 2018 في العراق، من خلال وجوه تدخل لأول مرة كواليس مفاوضات من هذا النوع.

ويرى مراقبون عراقيون أنه بالرغم من أن غالبية الشعب العراقي قد قاطعت الانتخابات فإن الأحزاب تجد أن من حقها أن تكون لها حصة من الدولة التي سيُعاد تشكيلها مرة أخرى من جديد حسب نظام محاصصة لا يشمل الحكومة والمناصب السيادية الكبرى فحسب بل يمتد أيضا إلى أصغر الوظائف الإدارية.

وقال مراقب عراقي لـ”العرب”، “يمكننا أن نستنتج مما يجري من مفاوضات أن كل آمال التغيير قد تتبخر إذا ما اضطر الصدر والعبادي إلى الموافقة على إعادة إنتاج الدولة والحكومة وفق نظام المحاصصة الذي من شأنه أن يبقي الغطاء محكما على عمليات الفساد”.

واعتبر المراقب أنه إذا ما سارت الأمور على ذلك النحو فإن النتائج ستسفر عن بقاء العراق دولة فاشلة، وهو ما سيدعم وجهة نظر المقاطعين التي تؤكد أن الإنقاذ لا يمكن أن ينبعث من داخل العملية السياسية الحالية.

ومع أن الوفد التفاوضي الخاص بقائمة “سائرون”، التي تضم خليطا من قوى دينية وشيوعية وليبرالية، ويدعمها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، ضم القيادي البارز في الحزب الشيوعي جاسم الحلفي، إلا أن الصدر حرص على ضمان أفضلية تياره، بترشيح اثنين مع أكثر المقربين إليه لعضوية الوفد التفاوضي، هما وليد الكريماوي وكاظم العيساوي، فضلا عن حسن العاقولي، وهو زعيم حزب الاستقامة التابع للتيار الصدري.

وفازت قائمة الصدر بعدد المقاعد الأكثر في العراق، وبدأت سريعا مفاوضات تشكيل الحكومة.

واستقبل الصدر في مقره بالنجف الخميس، زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، لبحث مسار التحالفات. وأعلن الزعيمان أنهما باشرا بالتواصل مع الأطراف الأخرى، لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، التي تحتكر، وفق القانون العراقي، حق اقتراح المرشح لتشكيل الحكومة.

الوفد التفاوضي الذي شكله رئيس الوزراء حيدر العبادي لتمثيل ائتلاف النصر الذي يقوده في المفاوضات يعكس تركيبة من نوع خاص، هيمن عليها طابع العمل العسكري والأمني الوظيفي

أما قائمة “الفتح”، التي تضم ممثلين عن فصائل عراقية مسلحة تخضع لإيران، فشكلت وفدا تفاوضيا يعكس تركيبتها الداخلية، لكنه يؤشر انعداما تاما للثقة بين مكوناتها.

ودفع أبومهدي المهندس، النائب العراقي السابق في البرلمان، الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بأحمد الأسدي، زعيم ما يطلق عليه “الحركة الإسلامية في العراق”، إلى عضوية الوفد، فيما رشح زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، المرشح الفائز بالانتخابات، نعيم العبودي، للمهمة نفسها، في حين اختار هادي العامري، نائبه في زعامة منظمة “بدر”، عبدالكريم الأنصاري، لتمثيله في الوفد التفاوضي.

ومع أن جميع القيادات البارزة في المجلس الإسلامي الأعلى، فشلت في الوصول إلى البرلمان، بمن فيها زعيمه همام حمودي، إلا أنه أصر على ترشيح عضو لوفد “الفتح” التفاوضي، هو أبوجهاد الهاشمي، لضمان حقوق 3 مقاعد للمجلس، حصلت عليها نساء، بفضل نظام “الكوتا” الذي يلزم القائمة بحجز نسبة 25 في المئة من عدد المقاعد التي تفوز بها للنساء.

ويعكس الوفد التفاوضي الذي شكله رئيس الوزراء حيدر العبادي، لتمثيل ائتلاف النصر الذي يقوده في المفاوضات، تركيبة من نوع خاص، هيمن عليها طابع العمل العسكري والأمني الوظيفي.

وباستثناء المعمم علي العلاق، فإن ثلاثة من أعضاء وفد “النصر” التفاوضي، يشغلون، حاليا أو سابقا، مواقع عسكرية وأمنية حساسة، وهم وزير الدفاع السابق خالد العبيدي، ومدير جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، ومستشار الأمن الوطني فالح الفياض، فيما يوصف العضو الخامس في الوفد، وهو الاقتصادي العراقي المخضرم نوفل الحسن، بأنه المدير الفعلي لمكتب رئيس الوزراء، وذراعه الوظيفية الخاصة.

أما ائتلاف دولة القانون، فقد شكل وفدا تفاوضيا يهيمن عليه مستشارا نوري المالكي، وهما حسن السنيد وسامي العسكري، بينما ضم الوجه السياسي الصاعد بقوة، محمد شياع السوداني، الذي ترشحه أوساط شيعية لشغل منصب رئيس الوزراء في الدورة الحالية أو التي تليها.

وجاء وفد التفاوض الذي شكله عمار الحكيم لتمثيل تيار الحكمة، ليضم وجوها سياسية جديدة أو شابة، مثل صلاح العرباوي وفادي الشمري وأحمد الفتلاوي.

وستخوض هذه الوفود مفاوضات قد تستمر لشهور، للاتفاق على المرشحين لجميع المناصب التنفيذية المهمة، وفق صيغة تقوم على توزيع الحصص على الطوائف والقوميات، بحسب عدد مقاعدها في البرلمان.

ووفقا للمؤشرات والتفاهمات الأولية، يمكن الحديث عن تحالف منتظر يضم الصدر والحكيم والعبادي، يرجح أن تلتحق به أطراف سنية وكردية، لتشكيل الأغلبية البرلمانية، مع غموض بشأن المرشح الأوفر حظا لمنصب رئيس الوزراء الجديد، في وقت تطرح فيه أطراف عديدة اسم العبادي بقوة لشغل هذا الموقع أربع سنوات أخرى.

1