مفتاح الدار

الاثنين 2015/09/28

الدار أو البيت أو المنزل ليس مكانا من طوب وحجارة وأعمدة نسكنه ليقينا برد الشتاء وحر الصيف وأعين المتلصصين، إنما هو السكن والسكينة، إحساسنا بالدفء والأمان.

علاقة صداقة غير معلنة مع الجدران والحوائط ورائحة الزهور وقفص العصافير، أيدينا التي تحفظ أماكن مفاتيح الإنارة ومقابض الأبواب. هو الحب والاعتياد، العشق بلا عشاق.

صديقتي كفاح فلسطينية تعيش بمصر مع أسرتها منذ أعوام كثيرة، تخطت حدود الزمن والتاريخ والجغرافيا، تسكن مع أسرتها (أبيها وأمها وزوجها وأبنائها) بمنزل كبير بمصر وعلى الرغم من أمانها مقارنة بقريباتها اللاتي يسكن بفلسطين إلا أنها تحمل شوقا نادرا للعودة.

تحمل أمها بعنقها مفتاحا معلقا بخيط سميك لا تخلعه أبدا، يحمل بعضا منها يشبهها إلى حد كبير، مفتاحا ربما أصابه الوهن وفقد القدرة على الدوران داخل الأبواب الشائخة.

أسماها والدها كفاح وأطلق على أختها اسم ثورة وأخويها محارب ونضال، أسرة تعيش على حلم العودة وتقتات بكفاح مستعار.

ليست صدفة أن تحمل الأم مفتاح الدار، ولكن وحدهن الأمهات يستطعن منحنا الإحساس بالأمان، بالوطن ولو كنا مذبوحين على أعتاب المنافي.

حال صديقتي الفلسطينية المسكونة بوجع المنافي لا يختلف كثيرا عن حال صديقة أخرى عراقية يعيش جسدها بمصر وقلبها معلق هناك بوطن وطئته أقدام قاسية وسكنته ذقون زائفة، ولا سورية ممزقة على الحدود.

كان جدي “المهجر” من مصر إلى مصر يحلم بالعودة إلى محافظة لا تفصلها عن القاهرة سوى بضعة كيلومترات، لم يكن يجيد السهر في ليل القاهرة ولا يعشق نيلها الساحر، لكنه يعشق الغوص في ماء محافظته المالح مسكون ببحيرات من ملح، انتفض يوما من نومه صارخا باكيا أشجار المانجو التي زرعها بيده وشهد عمرها منذ كانت شتلة وليدة حتى صارت أما ناضجة يمكنها الإنجاب، تقذف لنا بعض ثمار المانجو لنلهو بوليد أخضر وآخر ناضج يداعب ملابسنا ببقعة كبيرة تجلب لنا توبيخ الكبار وسعادة تتخطى حدود الكلمات. مفتاح آخر يحمله جدي بعدما هزمت القاهرة قلب جدتي وأفقدته القدرة على النبض، قاهرتها ليست برقة المحافظة الصغيرة، لم يغفر جدي للقاهرة ولم نغفر نحن أنها وارت جسد جدتي المتعب.

نفس المفتاح، نفس السلسلة وأعناق تحمل الأسرار، كيف وصلت رائحة رماد البيت حين احترق قديما إلى أنف جدي، كيف سمع أنين أشجار المانجو ورائحة الليمون تتوارى إلى الأبد.

كنا نسأل بطفولة وبراءة وربما ببلاهة، لماذا تحمل مفتاحا لبيت تهدم، وحديقة وطئتها كل الأقدام ودنستها الحروب، مفتاحا لبيت من رماد وثمار لن نتسابق عليها بعد اليوم.

لكنه الحلم والحب الذي استحال إلى علاقة غريبة ربما لا ندرك حدودها ولا أبعادها، لا نعرف لماذا تحمل الأمهات مفتاح الدار، لماذا يبكي الآباء أشجارا محترقة؟

يستمتعون ببلاد آمنة وطرق لا تحمل الموت في حناياها، وأشجار تقذف ثمارا صالحة للأكل، وبيوت ليست من رماد. ولكن يظل الحنين إلى الوطن يسكنهم، ويظل مفتاح الدار ينتظر أبوابا تصلح للدوران بداخلها.

21