مفتاح الفرج ضاع في زحمة العصر

لا يوجد درس عظيم نعلمه لأبنائنا أفضل من الصبر بعد أن أصبحت حياتنا العصرية تنطوي على درجة عالية من التوتر، الذي يعد أحد الأسباب الرئيسية للأزمات القلبية والسكتات الدماغية.
الجمعة 2019/04/12
علموا الأطفال التحلي بالصبر

يبدأ البعض من الأشخاص أيامهم بلعن الجار أو القريب أو الزميل أو شخص ما يعتبرونه طالع سوء بسبب أنهم رأوه صدفة في طريقهم ويخشون من أن يكون يومهم مشؤوما، ثم تنطلق رحلتهم اليومية عبر القطارات والحافلات المزدحمة والمكتظة بالركاب، لترتفع عقيرة أصواتهم بالصياح، ويصل الأمر بالبعض منهم إلى حد الانفلات اللساني والسب واللعن والشتم لمن حولهم من الناس، وعدم القدرة على ضبط النفس أو كبح جماح الغضب، فيدخلون في مواجهات وصدامات عنيفة مع الغير لأسباب تافهة في الغالب.

وتنمّ هذه الظاهرة التي تكاد تكون شائعة في معظم المجتمعات العربية عن فقدان الناس لسمة أساسية، وهي ضرورة أن يُبدوا الصبر والتحمل حينما يواجهون مواقف غير متوقعة أو صعبة، وهو ما يمكنهم من الحفاظ على التناغم والانسجام في علاقاتهم الاجتماعية مع الغير.

وهذا الأمر يفسر الزيادة الكبيرة في حوادث العنف والتصرفات المؤذية، رغم أن العنف ليس من السلوكيات البديهية المقبولة في التعاملات اليومية بين الناس، بل كان دائما أمرا نادرا للغاية في تاريخ البشرية جمعاء.

هناك منطقة في الدماغ تسمى “الجسم اللوزي” (تقع داخل الفص الصدغي من المخ أمام الحصين) وهي المسؤولة عن إدراك وتقييم الاستجابات السلوكية المرتبطة بـ”المواجهة أو الهرب” عندما يواجه الأشخاص ظروفا صعبة تدفعهم إلى التوتر، مما يعني أن البشر مهيئين تلقائيا للرد باندفاع أو تهور.

ولكن الاستسلام لهذه النزعة الغريزية الأساسية هو بالضبط ما لا يقوم به الأشخاص الصبورون الذين يمتلكون مهارة تنظيم ضبط العواطف، والتي تجعل ردود فعلهم مدروسة بعناية، وغير متسرعة.

“الصبر مفتاح الفرج”، مقولة شائعة تعكس القدر الاستثنائي من ضبط النفس والتقدير الكبير لقيمة عدم الإفراط في التذمر والشكوى، وكيفية كبح جماح المشاعر السلبية حيال الآخرين، وهذا أهم درس في الحياة يتوجب على الآباء أن يتقنوه ليعلموه لأبنائهم، حتى يتأنوا في المواقف الصعبة التي تعترضهم في الحياة، وبدلا من رد الفعل السريع والمتوتر يأخذون نفسا عميقا ويقولون “ما هو المخرج من هذا الموقف الصعب”، وهذا من شأنه أن يجعلهم يصلون إلى حلول صائبة، تساعدهم على  تحييد الضغوط لإتاحة المجال لعلاقاتهم الاجتماعية بأن تظل متماسكة.

حتى وقت قريب كان الأطفال يبدأون التدرب على الصبر في سن مبكرة، إذ يتعلمون من آبائهم الذين يشكلون نماذج لهم في هذا الشأن، قبل أن يصبح الآباء “مغيبين” عن الواقع بسبب ما يعيرونه من انتباه مبالغ فيه لأجهزة هواتفهم، فتركوا كل شيء خلف ظهورهم، بمن في ذلك أطفالهم، كما أن التحلي بالصبر شكل أيضا في ما مضى جزءا من المناهج الدراسية التي يدرسها الأطفال على شكل قصص وعبر ملهمة، لكن ورشات المطالعة داخل معظم المدارس توقفت عن العمل إلى أجل غير مسمى.

الصبر فضيلة مهمة في الحياة يمكن أن نحصد ثمارها على المدى البعيد، كأن نهمل أو نتسامح مع زميل مزعج أو ببساطة نتجاوز عن سلوكياته السخيفة، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة أن هذا السلوك، ما هو إلا وسيلة لجعل الفضاء العام أفضل للجميع.

وُلِد مفهوم الصبر من رحم السلوكيات الحميدة المتعلقة بالذات وقدرتها على التحمل والطاقة الإيجابية في التعامل مع مختلف المواقف الصعبة، والمسامحة من أجل تجاوز كل الأوقات التي يقع فيها شركاء حياتنا وأصدقاؤنا والأشخاص المقربون منا في زلات لسان وهفوات، ثم تحول الصبر إلى آلية لضبط النفس بالنسبة للأشخاص الذين ينخرطون في علاقات اجتماعية متنوعة.

ويمكننا القول إن الصبر بصوره الأساسية، هو مجموعة من القواعد المشتركة التي تساعدنا على إظهار احترامنا ومراعاتنا للآخرين، بدلا من التصرف بما يخدم مصالحنا الأنانية فقط.

وبالتالي، لعله لا يوجد درس عظيم نعلمه لأبنائنا أفضل من الصبر  بعد أن أصبحت حياتنا العصرية تنطوي على درجة عالية من التوتر، الذي يعد أحد الأسباب الرئيسية للأزمات القلبية والسكتات الدماغية.

21