مفترق اللغات العاشقة

الجمعة 2014/02/14

ليس مكتوما على أي أحد عربيا كان أم فارسيا، حبي للغة الفارسية والأدب الفارسي، وفي المقابل، حبي وشغفي باللغة العربية. لكني طالما تمنيت لو كنت درست العربية في الطفولة وقضيت معها أيامي الصغيرة آنذاك، حفظت قصائد لشعراء عرب، وغنّيتُ أغاني وأناشيد طفولية بالعربية، لفرط ما أشعر بقرب منها، وبمتعة لا توصف حين أقرأ وأكتب بها.

لم أشعر يوما أن هناك حربا أو صراعا بين الفارسية والعربية، ولا بين أية لغة مع لغة أخرى. وحتى في كثير من الأحيان شعرت أن لغتي الأم هي العربية والفارسية معا، فقد شغلت أية منهما حيّزها الخاص من قراءاتي، وكتابتي، ومشاعري وتفكيري. وحين سمعت مؤخرا التمتمات التي تتحدث عن تدريس لغات الأم في إيران لكلٍّ من القوميات، من العربية والتركية والكردية وإلخ، فرحت جدا بالخبر، وأخذت أسترجع تلك الأمنيات التي طالما راودتني منذ المراهقة بخصوص تعلم العربية في المدرسة، وأن يكون للأطفال في مدينتي كتاب أو كتب يقرأونها باللغة التي تحدّثهم أمهم بها، غير أنهم لا يحفظون أي نشيد طفولي بتلك اللغة في المدرسة.

شخصيا كنت أعِد نفسي دائما أنني لو حدث ووُهبت طفلة أو طفلا، سأقرأ له بالعربية وأعلّمه منذ طفولته، القصائد والقصص التي تمنيت لو أنني قرأتها في سنواتي الأولى. سيكون طفلي حافظا لقصائد رائعة بالعربية والفارسية، وسيغنّي بأية لغة يحب. وأي طفل يمكنه أن يولد باللغة العربية، أو يتعلمها منذ البداية ولا يحبها، أو لا يغنّي بها؟

فلو كان من الممكن أن تمحى الفارسية مقابل لغة أو لغات أخرى، إذن كان يفترض أن تمحى في القرون الأولى من حضور الإسلام في إيران، وبعد تأليف الكتب الفلسفية، والعلمية، والأدبية، باللغة العربية من قبل أشهر العلماء والأدباء الإيرانيين، أمثال السهروردي، وابن سينا، وتداولها آنذاك.

وما فائدة اللغة التي يمكن محوها ونسيانها مقابل وجود لغة أو لغات أخرى؟ هل اللغة كائن يضعف ويسقط أمام قدرة لغة أخرى؟ وإلى أين تذهب جماليات اللغة، وحبّ أصحابها لها، وحيويتها وإصرارها على الحياة والديمومة؟ لماذا لا نفكر أنه يمكن أن تتعايش اللغات الجميلة مع بعضها، وتأخذ وتعطي كل واحدة من الأخرى؟ لماذا يجب أن نختار لغة واحدة ونضحي بحبّنا للغة أخرى؟ ترى، أين هي الأرض التي يمكنها أن تصبح موطنا حرّا لأكثر من لغة نكنّ الحبّ بل العشق لها؟


* شاعرة من إيران

15