مفتي الجمهورية التونسية في خدمة من

الجمعة 2016/09/30

تفاجأ الرأي العام في تونس من بيان صدر عن مفتي الجمهورية التونسية عثمان بطيخ يقضي بتحريم الاحتجاجات الاجتماعية . ومردّ المفاجأة أنّ تونس دولة عريقة تعتز بمدنيتها، وتحتكم إلى دستور وقانون وتشريعات ومؤسسات، ولها تقاليد في فضّ مشاكلاتها عبر التفاوض والحوار لا عبر الفتاوى والاجتهادات أو التأويلات الفردية.

ديوان الإفتاء مؤسسة تابعة لرئاسة الجمهورية ولها استقلالية إدارية ومالية. والمفتي يعينه رئيس الجمهورية تعيينا مباشرا. ويصدر أوامر مباشرة تصدر في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية تماما كالرئيس ورئيس الحكومة والوزراء، ومع ذلك ديوان الإفتاء مؤسسة نائمة تشكل عبئا على المجموعة الوطنية تكتفي بتتبع أهلّة الأعياد، ولا دور تكوينيا أو تربويا لها.

ومن غرائب تونس وحكامها الحاليين أنّ مفتي الجمهورية اليوم هو نفسه آخر مفت للجمهورية في نظام زين العابدين بن علي. وكان قد أصدر فتوى شبيهة بالتي أصدرها هذه الأيام لمّا كان أتون الثورة يلتهب في 11 يناير 2011 تحرّم الاحتجاجات الاجتماعية بطلب من بن علي، ولكن الثورة لم تصغ إليه.

وقد شهدت تونس بعد ثورة 14 يناير 2011 أزمات اجتماعية كبيرة تتمثل أساسا في انفجار المطلبية القطاعية، إضافة إلى مطالب الثورة التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن تحقيقها. وكان الحوار السياسي يفضي، في كلّ مرّة، إلى التفاوض الاجتماعي الذي كانت تشرف عليه وزارتا الشؤون الاجتماعية والمالية مع الوزراء في القطاعات المعنية بالشراكة مع الاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الوطنية المعترف بها والمدافعة عن الحق في التشغيل.

كما عرفت تونس أزمة سياسية سنة 2013 كادت تُودي بمسارها كاملا وتنحرف به خارج إطار المسار الانتقالي السلمي الديمقراطي الذي كان الجميع يصبو إليه، لمّا رفضت حركة النهضة الالتزام بالتوافق وتمسكت بالسلطة وقد تجاوزت السنة التي مكّنها منها القانون الانتخابي. وآل الأمر إلى العنف والاغتيال السياسي وانفجرت الأوضاع وتمّت محاصرة المجلس التأسيسي من قبل المحتجّين يتقدّمهم نواب المعارضة خلال اعتصام الرحيل الذي انتصب يوم تشييع جنازة الشهيد محمد البراهمي القيادي في الجبهة الشعبية في 27 يوليو 2013.

ومع خطورة تلك الأوضاع السياسية التي كانت تهدد السلم الاجتماعية وتنذر بالسقوط في ما كان راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ينظّر له بما يسميه “التدافع الاجتماعي” واسمه الحقيقي هو الحرب الأهلية، لم يتدخّل ديوان الإفتاء ولم يصدر فتوى تطلب من حركة النهضة التخلّي عن مطامحها الاستبدادية والالتزام بالقانون والمحافظة على السلم الأهلية.

وعبر مسار الأزمات المتناسلة منذ 2011 لم يتدخل ديوان الإفتاء في أي منها. كما لم يسمع له صوت في التعاطي مع الإرهاب الذي استوطن أرض تونس واستهدف أبناءها من السياسيين والعسكريين والمدنيين. فلم يجتهد في إعداد أي خطة لتنظيم أنشطة تساعد المجتمع التونسي ومؤسسات الدولة على التوقي من الإرهاب وتحمي الشباب التونسي من الانزلاق إلى أتون الجماعات المتطرفة.

اليوم يتكاشف الجميع في تونس، سواء من هم في الحكم أو في المعارضة أو في الإعلام، وفي كل المستويات والفضاءات حول الفساد الذي يقرّ به الجميع ويقرون بكونه ينخر الدولة ويبدد مداخيلها ويعطل مسار التنمية والتقدم ويرفع من منسوب الاحتقان الاجتماعي، ولكن ديوان الإفتاء لم يتحدث في المسألة ولم يسمع له صوت في إدانة الفساد.

كما تشهد مؤسسات الدولة إعادة قسرية لأعوان نظام بن علي على رأس المؤسسات العمومية قبل أن تتم المصادقة على قانون المصالحة ودون أن يحصل إجماع سياسي على ذلك. وهي خطوة غير محسوبة يأتيها حزب نداء تونس تنفيذا لإرادة مؤسسه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.

هذه الخطوة تنذر بانفجار الاحتقان الاجتماعي، كما أنها تشرّع للفساد باعتبار هؤلاء المسؤولين سيقدمون التنازلات مقابل التغاضي عن ماضيهم. وهو ما سيزيد من منسوب الفساد والمحسوبية والتحايل على القانون والحقوق الاجتماعية والاقتصادية واستغلال الوظائف لتحقيق مآرب شخصية. وهذا لم يره ديوان الإفتاء ولم يتنبّأ بخطره.

الأخطر أنّ فتوى مفتي الجمهورية إضافة إلى كونها خارج السياق التونسي أصابت ديوان الإفتاء نفسه بالضرر، إذ اضطر الديوان إلى توضيح كون ما صدر عن مفتي الجمهورية عثمان بطيخ ليس فتوى ولا تلزم الديوان وإنما رأي شخصي يلزم صاحبه. بمعنى آخر ديوان الإفتاء يتبرّأ من رئيسه الأول. فكأنها دعوة إلى الحجر عليه وتشكيك في نواياه. فهل توجد سلطة أخرى موازية في الديوان، أم هي ورطة وقع فيها المفتي أتاحت لخصوم له داخل الديوان للتخلص منه؟

ولعله من المفيد هنا أن نذكّر أنّ مفتي الجمهورية عثمان بطيخ تولى وزارة الشؤون الدينية في حكومة الحبيب الصيد الأولى بعد انتخابات 2014. وكانت له مشاحنات مع حركة النهضة لمّا حاول عزل البعض من الأئمة المتشددين الموالين لها. وكانت الحركة وراء التخلي عنه في التحوير الوزاري الذي قام به الصيد في يناير 2016، ولكن رئيس الجمهورية أعاده إلى خطة مفتي الجمهورية.

الصورة الآن المتعلقة بفتوى مفتي الجمهورية مركبة، فهو مقرب من رئيس الجمهورية ورئيس نداء تونس، ولكن فتواه ذات رائحة نهضوية بالنظر إلى معاداة النهضة للعمل النقابي ومشاحناتها العنيفة مع اتحاد الشغل لا سيما سنتي 2012 و2013.

ربما يكون المفتي قد رغب في خدمة رئيس الجمهورية راعي اتفاق قرطاج، ولكنه أساء إليه من حيث أراد خدمته لأن الفتوى تسيء إلى اتحاد الشغل حليف السبسي وشريكه في اتفاق قرطاج وفي حكومة الوحدة الوطنية. فالسبسي وضع خطة كاملة لتقريب الاتحاد من دائرة الحكم بحثا عن هدنة اجتماعية، وعثمان بطيخ ينسف هذا التقارب بفتواه اللاتاريخية الخارجة عن السياق.

الفتوى أيضا تدخل في إطار عام معروف لدى التونسيين المقسمين إلى قسمين؛ سلطة تخضع لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي يطالب بإيقاف التوظيف العمومي وتخفيض كتلة الأجور وحماية رأس المال وتوفير الأمن له والتغاضي عن المطالب الشعبية في العدالة الاجتماعية، وشعب يبحث عن حقوقه وكرامته وأمنه الاقتصادي والاجتماعي. بهذا المعنى الفتوى تميل إلى صندوق النقد الدولي على حساب الشعب التونسي.

الشعب التونسي خسر ما كان يمكن أن يكون هاديا له إذا التبست الطرق وسندا إذا ضاقت السبل وهو ديوان الإفتاء. والديوان خسر نفسه إذ أفتى وكذّب مفتيه وأخرج نفسه من الباب الصغير فقد أضاع الرصيد الضعيف الذي كان له من المصداقية. أما سكوته عن الفساد وانحيازه لصندوق النقد الدولي على حساب أبناء الشعب فهو ما أنهى الوجود الاعتباري لمؤسسة كانت موجودة كان اسمها ديوان الإفتاء.

Calibri;mso-ascii-theme-font:minor-latin;mso-hansi-font-family:Calibri;

mso-hansi-theme-font:minor-latin;mso-bidi-language:AR-YE">كاتب ومحلل سياسي تونسي

8