مفتي الديار المصرية: حان وقت التصدي لمفاهيم التطرف

من وجهة نظر الكثيرين، يعد التحكم في بوصلة إصدار الفتاوى وتوجيهها بشكل سليم ومحاربة الأفكار المتطرفة والوصول إلى المتلقين لها من الأدوار البارزة في مواجهة التطرف، وهذا ما أكده الدكتور شوقي علام مفتي الديار المصرية في حواره مع “العرب”، مشددا أيضا على أن تجديد الخطاب الديني ليس مسؤولية المؤسسة الدينية وحدها بل مسؤولية الجميع.
الخميس 2017/06/22
فتح الطريق نحو بيئة أكثر تسامحا

القاهرة - تشكل محاربة التطرف إحدى أولويات المجتمع الدولي خلال الفترة الراهنة، وهو ما أدى إلى تسليط الضوء على جميع أدواتها، وعلى رأسها الفتاوى المتطرفة التي تعد البذرة التي تنبت الفكر والعمليات الإرهابية التي تنتشر في جل أنحاء العالم.

واشتدت الحاجة مؤخرا إلى بذل المزيد من الجهود الدولية لدعم “صناعة الفتوى” والاهتمام بتخريج دفعات من المتخصصين في إصدار فتاوى تفنّد ما تروجه التنظيمات الإرهابية من فتاوى وحجج دينية متطرفة، الأمر الذي رآه شوقي علام “أولى خطوات مواجهة انتشار الإرهاب في العالم”.

وتطرق مفتي الديار المصرية إلى مسألة تجديد الخطاب الديني في حديثه مع “العرب”، والتي يدور حولها خلاف داخلي كبير فيما يخص تحديد الجهات المسؤولة عن فشلها حتى الآن، كما أنها تعاني صراعا آخر بين المؤسسات الدينية المصرية حول أحقية كل منها للقيام بهذا الدور، وهو الصراع الذي اختار علام أن يكون على بعد خطوات منه وليس متشابكا معه.

واجب وطني

مسؤولية تجديد الخطاب الديني في تصور علام “تقع على عاتق جميع مؤسسات الدولة المصرية وليس على المؤسسات الدينية وحدها، لأن الارتكان إلى تجديد الخطاب الديني على الأزهر وحده أو الأوقاف وحدها أو الفتوى وحدها يعد اعتقادا خاطئا منتشرا بين الغالبية العظمى في مصر، حيث هناك مؤسسات أخرى تقع عليها مسؤولية كبيرة يجب أن تقوم بها”.

لذلك يحاول أن يجد حلا لإيقاف سيل الفتاوى الداخلية التي تحرم التعامل مع الآخر، بعد أن رصد أكثر من خمسة آلاف فتوى تحدد العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، “لقد وجدت أن 70 بالمئة منها تحرّم التعامل مع الأقباط، وأن 20 بالمئة منها تجعل التعامل معهم مكروها، فيما 10 بالمئة فقط تجعل التعامل معهم مباحا، وهو ما قد يفسر تصاعد وتيرة الأعمال الإرهابية ضدهم خلال الفترة الأخيرة”.

ومع ذلك شدد على أنه لا يوجد صراع على الهوية المصرية بين المسلمين والأقباط، ويبرهن على ذلك قائلا من يراجع جيدا التاريخ المصري منذ دخول الإسلام إلى مصر حتى يومنا هذا سيجد بما لا يدع مجالا للشك أن التجربة المصرية رائدة في هذا الشأن في تحقيق وإرساء مبادئ وقواعد المواطنة والعيش المشترك دون تفرقة بين المواطن المسلم وأخيه المسيحي.

من يراجع التاريخ المصري منذ دخول الإسلام سيجد أن التجربة المصرية رائدة في إرساء مبادئ المواطنة والعيش المشترك

حول أهمية ضبط الفتاوى قال “إن العالم أدرك أهمية وجود آلية خاصة يتم الاتفاق عليها عالميا لتخريج مفتين مؤهلين لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهادا أصيلا فاعلا، بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي والمنفتحة على تطوراته الفقهية”.

ومن هنا جاء القرار الذي اتخذه أكثر من خمسين عالما من كبار الفقهاء على مستوى العالم بإنشاء أمانة عامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم من أجل تبادل الخبرات العلمية، وذلك خلال عقد المؤتمر العالمي للإفتاء بالقاهرة خلال شهر أغسطس الماضي.

وأوضح أن دور تلك الأمانة سيرتكز على التشاور بين أئمة ومفتيي أكثر من 20 دولة لوضع أسس سليمة لإصدار الفتوى والاتفاق على آليات خاصة لتخريج دفعات جديدة من الشباب تكون مهمتهم إصدار الفتوى السليمة ومواجهة الفتاوى المتطرفة، وهو ما سيتطلب إمكانات هائلة ستوفرها الأمانة التي يتواجد مقرها الرئيسي داخل دار الإفتاء المصرية بالقاهرة.

ويؤمن مفتي مصر بأن الجماعات المتطرفة تقتل بفتوى وتدمر بأخرى، وهي بالطبع فتاوى أصدرتها دون منهجية أو فهم، ما جعله أول الداعين إلى توحيد جهود الفتوى العالمية خلال مؤتمر عالمي سابق للإفتاء في نهاية العام 2015. وأشارت إحصاءات دولية إلى أن 86 بالمئة من المنضمين إلى تنظيم داعش تأثروا بفتاوى دينية متطرفة أصدرها التنظيم على الإنترنت أو من خلال المساجد، وفي هذا السياق شدد مفتي الديار المصرية على أن “الجماعات الإرهابية تجذب أتباعها من خلال تصدير خطاب ديني واحد يعتمد السردية الجهادية التي تستقطب عددا كبيرا ممن يفتقرون إلى الإحساس بالهوية أو الانتماء من الشباب صغير السن”.

تعاون دولي

شدد مفتي مصر على أن التعاون الدولي لمواجهة فوضى الفتاوى له أثر إيجابي على صناعة الفتوى والقضاء على الشاذ منها، “إذ يركز هذا التعاون على وضع معايير لوظيفة الإفتاء وكيفية إصدار الفتاوى بما يسهم في ضبط الإفتاء وتعزيز التعاون المثمر بين دور وهيئات الإفتاء في العالم بالوسائل الممكنة، وبناء الكفاءات الإفتائية وتأهيلها من خلال تراكم الخبرات المتنوعة للدول الأعضاء”.

جانب من أدوار هذا التعاون أيضا يكمن في التنسيق بين دور الإفتاء لبناء منظومة إفتائية وسطية علمية تعمل على بناء استراتيجيات مشتركة بين دور وهيئات الإفتاء، والتبادل المستمر للخبرات بين دور وهيئات الإفتاء أعضاء الأمانة، وتقديم الدعم العلمي للدول والأقليات الإسلامية لإنشاء دور إفتاء محلية في هذه الدول.

ثمن تأخر المؤسسات الرسمية في مواجهة خطاب التطرف

محاولة إيجاد تعاون دولي لضبط إصدار الفتاوى قد لا تنفصل عن التوجه السياسي المصري الذي يبحث عن تكاتف دولي لمواجهة الإرهاب، وهو ما قد يظهر من خلال الجولات الخارجية المتتالية التي قام بها مفتي الجمهورية المصري على مدار العام الماضي، كما أن عمله لفترات متباعدة لدى بعثات تابعة للأزهر خارج مصر، وتحديدا في سلطنة عمان، كان له دور أيضا في هذا التوجه.

وقال علام إن “دار الإفتاء المصرية لها حضور مؤثر في المحافل الدولية وفي مقدمتها الأم المتحدة، والبرلمان الأوروبي، ومنتدى دافوس العالمي، والمفوضية الأوربية واليونسكو، والبرلمان الدولي للأديان، ومراكز الأبحاث، بالإضافة إلى المشاركة في أكثر من 23 مؤتمرا دوليا في الكثير من دول العالم”.

ويشار إلى أن شوقي علام هو المفتي التاسع عشر في تاريخ دار الإفتاء المصرية، كما أنه أول مفت يتم انتخابه من قبل هيئة علماء الأزهر في عام 2013 وتم التجديد له لولاية ثانية في شهر يناير الماضي. وأوضح أن “تحركات دار الإفتاء الخارجية تخدم هدفين، الأول يرتبط بمحاولة الاتفاق على أسس عالمية للفتوى والثاني بنشر الوسيطة والدفاع عن الإسلام”، ودور دار الإفتاء يركز بصورة أكبر على أماكن يتزايد فيها استغلال الفتاوى المتطرفة لتجنيد العناصر الإرهابية، ومن ثم فإن التركيز يكون على أماكن تواجد الأقليات الإسلامية بالخارج والتي يكون سهلا من خلالها تمرير تلك الفتاوى وإقناع المتلقين بها، وعلى المستوى الداخلي يكون ذلك من خلال الأقاليم والمحافظات المختلفة التي قد تكون أكثر عرضه لتلك الفتاوى.

فتاوى بعشر لغات

ولفت إلى أن تحركات دار الإفتاء الدولية لدعم صناعة الفتوى تمت بالتوازي مع اتخاذ خطوات داخلية لدعم تلك الصناعة على المستوى العالمي “وفي هذا السياق احتفلنا مؤخرا بتخريج إحدى دفعات البرنامج التدريبي لتأهيل المبعوثين على الإفتاء، والذي استمر لمدة ثلاث سنوات، حيث تم تخريج 24 مبعوثا من جنسيات مختلفة في الكثير من الدول ومن قارات العالم المختلفة”.

ضبط الفتوى يتطلب أيضا إدخال مهارات جديدة لدى المتخصصين في الفتوى، إذ تم تدريبهم على اللغات المختلفة بحيث أضحى هناك علماء يصدرون الفتوى بعشر لغات مختلفة على مستوى العالم، إلى جانب تدريبهم على التصدي للأفكار المتشددة والمتطرفة وإيجاد خطاب إفتائي وسطي معتدل يلبي احتياجات الجاليات العربية والإسلامية في الكثير من دول العالم.

وبقدر الحاجة إلى إدخال مهارات جديدة لدى المتخصصين في الفتوى، فإن مفتي الديار المصرية أدرك مبكرا ضرورة إدخال أساليب حديثة لتفنيد الفتاوى المتشددة، وكان له السبق في إصدار “مرصد الفتاوى التكفيرية” على الإنترنت لمواجهة الأفكار المتطرفة قبل ثلاث سنوات وتبعته في ذلك مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف.

على الرغم من تزايد أعداد المنضمين إلى صفحة المرصد على فيسبوك بعد أن وصل عددهم إلى 6 ملايين مشترك، بحسب علام، فإنه يعترف بأن “نتائج ذلك لم تترجم حتى الآن في دراسات تثبت انحسار تأثير الفتاوى المتطرفة على تجنيد العناصر الإرهابية وارتكاب جرائم العنف”. غير أن المفتي المصري أشار في حديثه لـ”العرب”، إلى أنه لمس خلال الفترة الأخيرة تراجعا في وتيرة فوضى الفتاوى، سواء كانت ذلك على الإنترنت أو من خلال المساجد، مشددا على أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في تصحيح الأفكار المتطرفة ساهم بشكل كبير في وصول صحيح الدين إلى أكبر قدر ممكن من الناس خاصة الشباب.

الجماعات الإرهابية تجذب أتباعها من خلال تصدير خطاب ديني واحد يعتمد السردية الجهادية التي تستقطب عددا كبيرا ممن يفتقرون إلى الإحساس بالهوية

وأضاف هناك أساليب متعددة تلجأ إليها دار الإفتاء لتصحيح الفتاوى المتشددة، منها وسائل الإعلام المتنوعة، ومن خلال مقالات في الصحف والمجلات العربية والأجنبية، أو برامج الإعلام المرئي، أو عبر الفضاء الإلكتروني، وقد قمنا بتدشين صفحة “داعش تحت المجهر” باللغتين الإنكليزية والعربية”.

وفي مواجهة الإصدارات الإعلامية التي أصدرها تنظيم داعش الإرهاب قامت دار الإفتاء المصرية بإصدار مجلتي “بصيرة” والتي تصدر باللغة الإنكليزية، و”إرهابيون”، وهي إصدارات كان هدفها الأول تفنيد السرديات والمقولات التي تنشرها أذرع داعش الإعلامية والرد عليها.

ورأى علام أن صناعة الفتوى تتطلب أن تكون هناك ثقافة تحترم التخصص في مجال الإفتاء، خاصة وأن هناك مؤسسات معدة لهذا الأمر درست علوم الفتوى بطريقة صحيحة، وأن دار الإفتاء تعاني من إشكالية تصدر غير المتخصصين للفتوى، وهو ما شدد على أهمية تبنيه من قبل وسائل الإعلام المختلفة.

ولعل قرب مفتي الديار المصرية، البالغ من العمر 56 عاما، من فئة الشباب جعله أكثر انفتاحا على أساليبهم التكنولوجية في محاولة للوصول إلى الطبقات التي تستهدفها التنظيمات الإرهابية، وبالتالي فهو يركز على إصدار خطاب ديني وسياسي موجه إلى الشباب من خلال بيانات “مرصد الفتاوى التكفيرية” يحاول من خلاله تحليل تحركات التنظيمات الإرهابية.

كما أن دراسته للعلوم الفقهية بكلية الشريعة والقانون، ثم حصوله على الماجستير والدكتوراه في التخصص ذاته عام 1996، وتدرجه وظيفيا إلى أن أصبح رئيسا لقسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، كل هذا كان له أثر بالغ على توظيف الآراء الفقهية الوسطية لمحاربة التطرف.

ويؤمن علام بأن “الشباب يمثلون ثورة الشعوب الحقيقية على مر العصور والأزمان، واحتضان الشباب الذين يمثلون 40 بالمئة من المجتمع المصري يقطع الطريق على المتاجرين والمزايدين الذين يستغلون حالة العزلة التي كانوا يعانونها خلال الفترات الماضية ليبثوا في عقولهم التشوهات الفكرية ضد أوطانهم وعقائدهم الدينية”.

كاتب مصري

13