مفتي لبنان الجديد عبداللطيف دريان فائز بفعل التناقضات

السبت 2014/08/16
دريان صعد إلى منصبه بعد انهيار صفقة المفتي السابق مع حزب الله

لم يفهم الشارع السني العربي خارج لبنان، سرّ تمسك مفتي لبنان السابق محمد رشيد قباني بمواقفه المناقضة لأكبر الكتل السياسية السنية في البلاد، تيار المستقبل وطرابلس وغيرهما، مع أنه المرجعية الدينية الأعلى للإسلام السني، مقابل التصعيد الذي يمارسه حزب الله كميليشيا سياسية وعسكرية ضد كل من يخالفه الرأي في لبنان، واليوم جاء انتخاب المفتي الجديد عبداللطيف دريان ليطوي تلك الصفحة التي شابتها خلافات حادة داخل البيت السني اللبناني الواحد بالكاد.

ومن يتتبع القوى التي ربط قباني نفسه بها في المرحلة الماضية، يمكنه الوصول إلى دمشق أكثر من بقية العواصم العربية ذات التأثير في لبنان، وكثيراً ما اتهمه السنّة في لبنان بفتح دار الإفتاء ملعباً لسفير النظام السوري في لبنان علي عبدالكريم، وبالتالي التنسيق المباشر مع بشار الأسد وحلفائه على حساب مصلحة “بيت الوسط” والحريرية.


كيف ينتخب مفتي لبنان


ولم يكن مستغرباً والوضع هكذا، أن تطالب قوى الثامن من آذار وحزب الله بالحصانة للمفتي السابق قباني قبل التوافق على انتخاب المفتي الجديد عبداللطيف دريان، وحمايته من الإساءة والمساءلة والتجريح كما ورد على لسان شخصياتها مؤخراً، وربما تعكس تركيبة الهيئة الناخبة لمفتي السنة في لبنان وضع لبنان كما لو كانت مرآة دقيقة للغاية، فالهيئة مؤلفة من أكثر من مئة عضو، هم رؤساء الحكومات الحالي والسابقون، وأعضاء المجلس الشرعي، والنواب والوزراء السنة الحاليون والسابقون، وقضاة الشرع السنة الحاليون والسابقون، وأمناء الفتوى في بيروت وطرابلس ومدير الأوقاف.


البحث عن مفت غير إخواني


وحرص السياسيون اللبنانيون السنة، بالإضافة إلى إزاحة المفتي المنحاز إلى حزب الله ودمشق، على ترشيح شخصية دينية غير إخوانية، أو بعيدة كل البعد عن الحركيين والحزبيين، الأمر الذي أدى إلى استبعاد الشيخ محمد درويش الكردي على سبيل المثال، ولكن التوافق الذي يحكم لبنان يفرض على من سينتخب المفتي الجديد مراعاة الاتجاه الذي تسير فيه المنطقة، وكذلك الوضع في الحسبان موقف حزب الله حيث يمكن تمرير المفتي الجديد من بين كل تلك الحقول من الألغام، فكان لا بد للمفتي أن يتخذ موقفاً صارماً وواضحاً من موضوع التطرف والإرهاب ووحدة الدولة اللبنانية ودعم الجيش، وهو ما توافر في عبداللطيف دريان.


دور السعودية ومصر


تقول المصادر إن الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة، كان قد طار بتكليف من السعودية والرئيس سعد الحريري إلى القاهرة للقاء شيخ الأزهر لطلب دعمه في انتخاب دريان، فقام شيخ الأزهر بالطلب من السفير المصري السابق في بيروت أن يستخدم علاقته الشخصية مع السفير السوري علي عبدالكريم لإيصال رسالة واضحة للسوريين وحلفائهم لمنعهم من الاعتراض على دريان، مقابل حفظ مكانة المفتي السابق قباني والحفاظ على حصته في المجلس الشرعي والأشخاص الذين عينهم بنفسه في الماضي بمن فيهم ابنه.

يعد انتخاب دريان تجسيدا للفوضى التي أحدثها تدخل حزب الله في سوريا والعراق، والهزائم الهائلة التي يتعرض لها في عمليات القلمون على الحدود السورية اللبنانية والموصل وانفجار الأوضاع في عرسال


دريان والمواجهة الجديدة


ولد عبداللطيف دريان في بيروت في العام 1953، وتلقى دراسته الثانوية الشرعية في فرع الأزهر في بيروت، وحصل على شهادتي الليسانس في أصول الدين والشريعة الإسلامية من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في السعودية، وتابع دراساته العليا في الأزهر في مصر ودراساته التربوية العليا في جامعة عين شمس بالقاهرة، وحصل على إجازات متعددة في العلوم الإسلامية المتنوعة، ليتقلد مناصب مختلفة مثل أمانة سرّ مفتي الجمهورية اللبنانية الشهيد الشيخ حسن خالد ومدير مكتب المفتي محمد رشيد قباني ومديراً عاماً للأوقاف بالوكالة ورئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، وكثيراً ما وصف المفتي الجديد بأنه مرتبط بالحريرية تاريخياً، وأنه صارم ومنضبط، ويعدّ انتخابه أول بشائر عودة رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، الذي أكد رفضه السماح لمن أسماهم قلة من المتطرفين بأن تأخذ الإسلام والمسلمين إلى مواجهة مع باقي الشركاء في الوطن والأمة، ودعا الحريري خلال مأدبة غداء تكريمية بمناسبة انتخاب الشيخ عبداللطيف دريان مفتيا للبنان، إلى موقف عربي وإسلامي واضح يحمي الحياة المشتركة بين المجموعات الدينية في المنطقة، وتقول المصادر إن انتخاب دريان هو ثمرة توافق بين قوى سنية فاعلة، لا سيما “تيار المستقبل”، وذلك إثر مفاوضات قادتها مصر بمتابعة من السعودية، بحسب ما أفاد مدير الأوقاف الإسلامية الشيخ هشام خليفة لوكالة الصحافة الفرنسية.


دار الفتوى في مهب الصراع


وكان قباني قد تمادى في الوقوف خلف سياسة حزب الله في لبنان وسوريا، في مختلف القضايا العربية والإقليمية، وكان آخر مواقفه هجومه العنيف على الشعب الفلسطيني في أواسط هذا العام 2014، حين تعرض لوفد فلسطيني كان يزوره مراجعاً في موضوع تجمع الداعوق للاجئين الفلسطينيين في بيروت، عندما فوجئ الوفد بصراخ المفتي في وجههم ونعتهم بعبارات نابية وبذيئة حيث قال لهم حرفياً: “أنتم تجار ومغتصبون نحن استضفناكم ولم نعد نريدكم ضيوفاً”، حيث صدر عن قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت بيان شرحت فيه ما جرى في اللقاء بينها وبين المفتي قباني وقال البيان بأن المفتي قال حرفياً: “أنا لست حكماً وأنا عندي سيف وسوف أعتذر من الأستاذ نبيه بري ونحن استضفناكم ولم نعد نريدكم ضيوفاً، أنتم زبالة ولن تنتصر قضيتكم، أنا ضدكم وسأجرف الداعوق، وأنا خصمكم وضدكم ولن أسمح لأحد في التدخل”، وتم طرد الوفد الفلسطيني أمام طواقم الديوان والمسؤول الإعلامي بحسب البيان.

قبل ذلك كان الشارع السني في لبنان قد طالب مرات ومرات بعزل المفتي قباني عن منصبه، وعلى رأس هؤلاء كان رؤساء الحكومات اللبنانية السابقون، مثل عمر كرامي، الذين تنادوا للقاء رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي في العام 2013 للمطالبة بتنحية المفتي ووقفه عند حدّه، وصدر عن المجتمعين بيان مشترك ضد قباني.

تقول المصادر إن الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة، كان قد طار إلى القاهرة بتكليف من السعودية للقاء شيخ الأزهر لطلب دعمه في انتخاب دريان، فقام شيخ الأزهر بالطلب من السفير المصري السابق في بيروت أن يستخدم علاقته الشخصية مع السفير السوري علي عبدالكريم لإيصال رسالة واضحة للسوريين وحلفائهم لمنعهم من الاعتراض على دريان


خلية أزمة حزب الله لترويض قباني


ما الذي أوصل قباني إلى ما وصل إليه من استعداء للطائفة السنية في لبنان بعد أن كان مقرباً من رفيق الحريري؟ لم يكن سوى خلية الأزمة التي شكلها حزب الله في العام 2010 والتي عرضت على قباني صفقة قبل بها ومشى على نهجها خطوة خطوة، تلك الخلية ضمّت كلاً من رئيس المكتب السياسي لحزب الله محمود قماطي ونائب حزب الله السابق عن بيروت أمين شري والمسؤول الأمني أبو حوراء، وقد حدّد حزب الله ومن خلفه نظام بشار الأسد الذي كلف اللواء علي مملوك بملف المفتي قباني شروطاً لحمايته من انتفاض الشارع السني عليه، وافق عليها قباني، وبدأت تظهر التباينات في مواقف قباني من تيار المستقبل وغيره من القوى السنية في لبنان والمنطقة، حين أعلن في أغسطس ـ آب من العام 2011عن زيارة قام بها وفد من حزب الله إلى المفتي قباني، سبقتها زيارات مماثلة قام بها كل من السفير السوري في بيروت علي عبدالكريم والإيراني غضنفر ركن أبادي، رسمت الكثير من علامات الاستفهام حول توقيت هذه الزيارات ومضمونها ودلالاتها، جاءت تلك التساؤلات بالتزامن مع أنباء تم تداولها حول اتخاذ دار الإفتاء قرارا بأن تكون على مسافة واحدة من جميع الفرقاء على الساحة السنية تحديدا، ولم يخف نواب في تيار المستقبل امتعاضهم من تحول ما قرأوه في مواقف المفتي، وبدا لافتا ما أدلى به النائب عن كتلة المستقبل نهاد المشنوق وقتها، إذ أثنى على “الدور الذي اضطلع به المفتي قباني في السنوات الخمس الماضية والمواقف التي اتخذها بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي كانت محط تقدير”، لكنه سأل في الوقت عينه عن توقيت زيارة السفير السوري والوفد الإيراني إلى دار الفتوى في محطات سياسية حساسة، مستغربا زيارة وفد من حزب الله إلى دار الفتوى بعد صدور القرار الاتّهامي باغتيال الحريري، خصوصا أن حزب الله لم يزر دار الفتوى منذ 7 مايو ـ أيار 2008.

تتالت هذه المواقف ولم يكن المفتي قباني قادراً على ضبط نفسه، وزاد في الطين بلّة عدد من التجاوزات المالية التي وجهت لفريق المفتي قباني مما أشعل معركة حامية بين تيار المستقبل من جهة ودار الإفتاء من جهة أخرى، الأمر الذي أفقد قباني ما تبقى له من رصيد لدى المسلمين السنة في لبنان، كان آخرها عرسال وما كان مخططاً لها من إبادة للاجئين السوريين لولا التفاهم الذي أجري مع قائد الجيش جان قهوجي بدعم من الحريري وجنبلاط الذي زار المفتي الجديد على رأس وفد من كتلة اللقاء الديمقراطي لتعزيز موقفه ودعم مهماته الجديدة.


نهج المفتي دريان الإصلاحي


وقد حدّد المفتي عبداللطيف دريان نهجه في الكلمة الأولى التي ألقاها بعد ساعات من انتخابه، حين دعا إلى الإصلاح وإلى مكافحة “العنف باسم الدين”، منددا بطرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية للمسيحيين من العراق، ومطالبا بتحسين العلاقات السنية الشيعية، وطالب بتوحيد دار الفتوى، وقال: “إننا محتاجون اليوم وغدا إلى مكافحة الفقر والحاجات الاجتماعية، ومكافحة التشدد والتطرف والعنف باسم الدين في أوساطنا، ومحتاجون إلى تواصل وتفاهم أكبر في العلاقات الإسلامية الإسلامية والإسلامية المسيحية” وأضاف “إننا محتاجون لبلوغ كل ذلك إلى فكر إصلاحي ومبادرات إصلاحية كبرى..تتطلب منا أن نقوم بواجباتنا في الإصلاح ومكافحة التشدد".

وفي نقده للأسد وحزب الله والمتطرفين الجهاديين معاً قال دريان: “إن ما يجري في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا هولٌ هائل، وما نصنعه بأنفسنا يكاد يعجز عن صنعه الإسرائيليون في غزة وفلسطين، ولا علة لذلك غير الطغيان والتطرف”.


مرحلة هزائم حزب الله


ويعدّ انتخاب دريان تجسيداً للفوضى التي أحدثها تدخل حزب الله في سوريا، والهزائم الهائلة التي يتعرض لها في عمليات القلمون على الحدود السورية اللبنانية، وفقدانه قادته الميدانيين ودخوله مرحلة الحرب إلى جانب نوري المالكي في العراق، بعد أن تناقلت وكالات الأنباء صور الجنازات القادمة من الموصل لعناصر حزب الله اللبنانيين الذين ذهبوا إلى القتال ضد العشائر العراقية المنتفضة وكذلك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، تتوج هذا كلّه بانفجار الأوضاع في عرسال، مما اضطر حزب الله والتركيبة الحليفة لنظام الأسد لفتح الباب أمام الحريري والأطياف الإسلامية المعتدلة تخوفاً من انهيار التركيبة اللبنانية بالكامل.

12