مفتي مصر لـ"العرب": الإخوان أول من وضعوا بذور التطرف وداعش سار على الدرب

دار الإفتاء المصرية تأخذ على عاتقها مهمة محاربة التشدد وتقويض سطوة المتطرفين.
الجمعة 2020/01/03
نشر التسامح

مراصد الأفكار المتشددة أصبحت من أهم حوائط الصد لدى المؤسسات الدينية الرسمية لمواجهة الجماعات المتطرفة التي تستخدم الفتاوى المتضاربة كوسيلة أساسية لجذب الشباب، وتجنيدهم في مشاريعها السياسية التي يتم تغليفها بصبغة دينية خادعة. وقد نشطت المراصد مؤخرا، وباتت دار الإفتاء المصرية واحدة من أهم الجهات التي تتصدى للأفكار الشاردة، وأصدرت أكثر من مليون فتوى في عام 2019، على أمل تقويض سطوة المتطرفين.

القاهرة - تتزايد أدوار مراصد الأفكار المتشددة باطراد لمجابهة توظيف الدين كسلاح رئيسي من قبل الجماعات المتشددة. فعبر التصورات الخاطئة عن الجهاد والوعود بالجنان تستقطب المزيد من الشباب لحمل السلاح. ومن خلال إثارة النزعات الطائفية تحول المجتمع الواحد إلى مجموعات متقاتلة.

ودشنت دار الإفتاء المصرية مرصدين، أولهما لمكافحة الفتاوى التكفيرية والآراء المُتشددة والثاني لرصد ظاهرة الإسلاموفوبيا وأوضاع الجاليات المسلمة بالخارج، مستخدمة 18 لغة في محاولة لقطع الطريق على استقطاب المتطرفين للشباب، ولتكون أول مؤسسة دينية رسمية تطلق مراصد في منطقة الشرق الأوسط ترتبط بمعالجة ظاهرة التكفير والفتاوى الشاذة.

وقال الدكتور شوقي علام، رئيس الأمانة العامة لهيئات الإفتاء في العالم، ومفتي الديار المصرية، في حوار مع “العرب”، إن أعباء مواجهة التطرف تتزايد في ظل التقسيمة النوعية التي تتبناها جماعات “التأسلم السياسي”، ما بين نشر جماعات تتبنى المفاهيم الجامدة واختصار الدين في مظهر شكلي، وأخرى تتبني العنف، وثالثة تنغمس في السياسة لكنها تعلي من شأن الجماعة على الدولة وتسعى لهدمها.

وأكد أن دار الإفتاء الرسمية تسعى إلى ضبط المصطلحات الإعلامية المتعلقة بالجماعات المتطرفة، فتطالب بإطلاق مصطلح “جماعات التأسلم السياسي” بدلاً من “الإسلام السياسي” بعدما تحول إلى مشروع سياسي يعتمد على التصورات المتطرفة والمفاهيم المغلوطة والواهية بهدف تدمير الدول.

المضامين الصحيحة

أوضح علام، في حوار مع “العرب”، أن مرصد الفتاوى التكفيرية التابع للدار يقوم على مدار اليوم برصد ومتابعة مقولات التكفير في جميع وسائط التواصل المقروءة والمسموعة والمرئية وفي الفضاء الإلكتروني، ويعمل على تفنيدها والرد عليها، بجانب نشر المضامين الصحيحة عبر وسائل التواصل وباللغات الأجنبية المختلفة.

وتسعى دار الإفتاء بمصر إلى استخدام المقومات ذاتها التي تعتمد عليها الجماعات المتطرفة عبر ترسيخ حضورها على مواقع التواصل الاجتماعي، وبلغ عدد المتابعين لصفحتها على فيسبوك قرابة 8 ملايين و600 ألف متابع، بعد تحديث طريقة التقديم بنشر فتوى واضحة ومختصرة، بدلاً من الحواشي الطويلة التي تتوه معها التفاصيل.

وأطلقت مطبوعة “إنسايت” للرد على مجلتي “دابق” و”رومية” اللتين يصدرهما تنظيم داعش الإرهابي باللغة الإنجليزية، كما أنشأت وحدة الرسوم المتحركة و”الفيديو غرافيك” ونشرها عبر الفضاء الإلكتروني باعتبارها من الفنون التي تتخطى حاجز اللغة.

ورأى شوقي علام أن تنسيق الجهود الفكرية والفقهية بين هيئات الإفتاء العالمية في مواجهة التطرف أصبح أمرًا لا بديل عنه في ظل التأثيرات السلبية التي أحدثتها فوضى الإفتاء وتضارب الكثير من الفتاوى، ما يحقق في النهاية ترسيخًا لمنهج الوسطية، ويساهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة ويدعم الاستقرار والسلم العالميين، ويحقق العيش المشترك.

وتتعامل دار الإفتاء بنوع من الشمولية مع الفتاوى بوجه عام، وتحرص على ألّا تترك أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلا بعد أن تتصدى لها بالرأي للحيلولة دون اضطرار المواطنين البسطاء للجوء إلى شيوخ ينتمي بعضهم إلى خلايا إخوانية نائمة، لتصدر في عام 2019 نحو مليون ومئة ألف فتوى، أحدثت صدى كبيرا.

دار الإفتاء تسعى إلى ضبط المصطلحات الإعلامية وتقترح إطلاق مصطلح "التأسلم السياسي" بدلاً من "الإسلام السياسي"

وأضاف مفتي مصر لـ”العرب” أن جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان، هي التي بذرت بذور التطرف واستلهم داعش منهجها المنحرف في تكفير المجتمعات المسلمة، ومنحتهم غطاء بعدما سقط مشروع الإخوان الذي لم يؤسس على قواعد حقيقية من المبادئ الإسلامية ولا القيم الأخلاقية ولا المعارف العلمية، بل على أوهام وشعارات زائفة.

وأسست دار الإفتاء المصرية مرصد الفتاوى التكفيرية منذ خمسة أعوام، بهدف تقديم الدعم وحصر ظاهرة التطرف وبيان أسبابها وسياقاتها المختلفة، والأطراف الفاعلة فيها، ومقولاتها وادعاءاتها، كي يتسنى التوصل إلى تقديم علاج ناجع لتلك الظاهرة، بالإضافة إلى نقد الأنماط السلبية للمتشددين، وتقديم معلومات وافية لكيفية التعامل مع الفرد المنتمي إلى هذا الفكر والمتبني له.

وكشفت تجربة الأعوام الماضية استمرار التحديات أمام مؤسسات وهيئات الإفتاء لمواجهة الجماعات المتطرفة التي تعمل ليل نهار بهدف استقطاب الشباب ونشر الأفكار الهدامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني، وهي الأفكار الساعية لتدمير الدول من خلال الترويج لكل ما يعزز الفكر المنحرف ويضرب صميم بنيان الدولة الوطنية.

وأوضح مفتي مصر أن مرصد الفتاوى التكفيرية يقدم منظومة شاملة لمواجهة التطرف ومساعيه لنشر الفتن الطائفية، تعتمد على رصد الفتاوى المتشددة التي تصدرها الجماعات المتطرفة وتحليلها استنادًا إلى منهج علمي رصين، والرد عليها عبر التقارير الشاملة التي بلغ عددها منذ إنشاء المرصد حتى الآن ما يزيد عن 500 تقرير.

ورصد مرصد الفتاوى التكفيرية خمسة آلاف وخمس مئة فتوى أغلبيتها مغلوطة حول العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، 70 بالمئة منها تحرم التعامل مع غير المسلمين، و20 بالمئة تجعل التعامل معهم مكروها، ما يكشف سعي التنظيمات والجماعات الإرهابية إلى نسف فكرة العيش المشترك وإثارة حنق الأقليات المسلمة في الخارج.

التصدي للإسلاموفوبيا

محاولات لتصحيح صورة الإسلام بالخارج
محاولات لتصحيح صورة الإسلام بالخارج

شدد علام على ضرورة تجديد الخطاب الديني كي يساير متطلبات العصر والواقع ويحقق مقاصد الشريعة الإسلامية دون الإخلال بالثوابت أو إهدار أي معلوم من الدين، عبر تأسيسه على قاعدة تحيّد أسباب الصراع وتغرس مفاهيم الوسطية، بما يجهض مخططات القوى التي تعمل على نشر التعصب والكراهية.

وتدرس اللجنة الدينية والأوقاف في مجلس النواب المصري حاليًا مشروعي قانون، أحدهما لتنظيم دار الإفتاء المصرية وجعلها دارًا دينية عالمية وليست محلية فقط، وآخر لتنظيم الفتوى العامة لقصر الحديث في الشأن الديني على حملة الاختصاصات الدقيقة، وتحديد ضوابط وشروط إصدار الفتاوى عبر وسائل الإعلام.

ولفت شوقي علام إلى أن الدار لها نشاط يتعدى المحلية بتصحيح صورة الإسلام في الخارج عبر مرصد الإسلاموفوبيا الذي أسسته لمتابعة التخوف من الإسلام في الخارج، وتقديم كافة التصورات والتقديرات الضرورية للمواجهة، والحد من تأثيرها على الجاليات الإسلامية، وتصحيح المفاهيم والصور النمطية المغلوطة عنها.

تتضمن جهود مكافحة الإسلاموفوبيا جولات خارجية لعلماء الدار، والتواصل مع الجاليات المسلمة وتدريب أئمة المراكز الإسلامية، وتدشين برامج لتعزيز الجوانب الفقهية لإعداد جيل من الدعاة المستنيرين القادرين على مخاطبة الأجيال الجديدة بطرق تسهّل عليها استيعاب المعلومة وتحميها من الانغماس في الأفكار المتطرفة.

وتحتضن القاهرة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم منذ تأسيسها عام 2015 لتكون مظلة جامعة لهيئات ومؤسسات الإفتاء، بهدف تكامل الجهود بين مؤسسات الفتوى في شكل منضبط ومنظم للإسهام في تصحيح الصورة والمفاهيم المشوهة.

وأشار علام إلى ضرورة التصدي للمعلومات المغلوطة وأكاذيب الجماعات الإرهابية التي تسعي لجعل الدولة الوطنية نقيضًا للدولة الإسلامية، انطلاقا من المبدأ المضلل “الوطن حفنة من تراب”، رغم أن الشريعة الإسلامية حضت على الانتماء إلى الأوطان والدفاع عنها.

13