مفقود... الكاتب العربي غائب حتى إشعار آخر

الأحد 2013/09/08
لابد من فضح ممارسات المثقفين الذين كانوا جزءا من الفساد الثقافي السائد

في انكشاف اللحظة الثقافية الراهنة على تحولات تاريخية بالغة الجدة والدلالة، وانفتاح الواقع العربي على جملة من الأسئلة المضطرمة والمنفلتة من ضمور اللحظة الماضوية، يبرز سؤال الثقافي والاجتماعي المعني بقدرة الثقافة العربية عموما، والإبداع العربي خصوصا على تمثل ما تضمره هذه اللحظة التاريخية من معان واحتمالات مفتوحة على المستقبل، وهو ما يتطلب مراجعة صارمة وعميقة لما أنجزه الإبداع العربي على صعيد الرواية والشعر العربيين طوال العقود الماضية، على طريق تأسيس وعي جمالي وفكري حقيقي يمتلك مشروعية الحضور والفعل الإبداعي الخلاق التي يستمدها من ذاته وصيروىته، وليس من داخل مؤسسات الثقافة الرسمية وشبه الرسمية، التي طالما صنَّعت كتابها وشعراءها وفق مقاييس لا علاقة لها بالإبداع أوالقيمة الأدبية، وذلك بالتحالف مع نقد منفعي ومتواطئ انخرط في تلك اللعبة وشكل أدوات ترويج وتظهير لها.

لكي لا يظل تأثير الانتفاضات الجماهيرية العربية في الإطار السياسي والذي سيتبعه حكما تغيير في آليات عمل المؤسسات الثقافية الرسمية، لابد من انتفاضة ثقافية مواكبة تعمق مسار هذا التغيير وتوفر الضمانات الضروية له، بحيث تعبر عن إرادة المثقف العربي وتطلعاته نحو الحرية واستعادة دوره المؤثر، وتسهم في رسم خارطة عمل ثقافي مستقبلي يحرر العمل الثقافي من هيمنة تلك المؤسسات، ويفسح المجال أمام مشاركة واسعة وفاعلة لمؤسسات العمل الثقافي المدنية دون أن تتخلى الدولة عن مهمة دعمها وتوفير وسائل نجاحها.

لكن أهم ما يجب العمل على تحقيقه هو الإلغاء الكامل لعلاقة التداخل التي كانت قائمة بين السياسي والثقافي، حيث كان السياسي يستولي على كامل مساحة المشهد الثقافي، ويجعل منه تابعا له ومنبرا للترويج لأطروحاته وإضفاء صفة المشروعية الثقافية عليه، تحت ذرائع وطنية وايديولوجية ومقابل رشى وامتيازات كان يقدمها للمثقفين المتواطئين معه في هذه اللعبة.

إن ما هو مطلوب من انتفاضة ثقافية هو قبل كل شيء صياغة رؤية ثقافية بديلة والاتفاق على برنامج عمل ثقافي، يستند إلى معايير أخلاقية وثقافية تكون مهمته الأولية العمل على تصحيح الخلل القائم في الحياة الثقافية عامة وفي مؤسسات العمل الثقافي خاصة، وإبعادها عن الشخصنة والشللية والمحسوبيات التي جعلت تلك المؤسسات ملكية خاصة تنطبع بطابع القائم عليها ومصالحه ورغباته.

ولعل المثالين السوري اتحاد الكتاب العرب- ممثلا برئيسه علي عقلة عرسان الذي حكمه مدة ثلاثة عقود جعلت منه صورة كاريكاتورية مضحكة عن الحياة الثقافية في سوريا- والمجلس القومي للثقافة في مصر هما خير دليل على هذا الواقع المؤبد الموازي لأبدية الحاكم السياسي. لابد من أن معايير قيمية وضميرية، أخلاقية ووطنية وإبداعية تنطلق منها انتفاضة المثقفين باعتبارهم الفئة الأكثر وعيا في المجتمع دون أن يشكل ذلك امتيازا لها، لكي لا نقع مرة أخرى في إغراءات الموقع والسلطة.وفي الطريق لتحقيق ذلك لابد من فضح ممارسات وسلوك المثقفين الذين كانوا جزءا من الفساد الثقافي السائد ولعبة السلطة وإفساد الثقافة وجعلها بعيدة عن وظيفتها الثقافية والتنويرية الحقيقية، وقبل كل شيء معادية لقيم التنوع والتعددية والحرية التي تعد شرطا لازما لها.


أين الشعر


ما يمكن أن نقوله هنا عن الشعر يمكن أن نقوله عن الرواية والمسرح وسائر الفنون والأجناس الأدبية الأخرى نظرا لطبيعة الحياة الثقافية المهيمنة، فقد توارت التجارب الشعرية الحقيقية لأصحاب الموهبة الشعرية، في الوقت الذي طفت فيه على السطح تجارب أنصاف وأرباع الموهبين أو مدعي الشعرية حتى بات من الصعب على القارئ والمتابع أن يعثر على قصيدة تستحق التوقف والقراءة المتأملة وسط هذا الركام من النصوص التي تنشر في الصحف والمجلات والكتب التي يطلق عليها جزافا دوواين شعرية.

إن ما تعبر عنه هذه الظواهر من فوضى وضياع تعاني منهما الحياة الثقافية بسبب غياب المعايير الذوقية والنقدية لتحل مكانهما العلاقات الشللية وهيمنة أصحاب المواهب الضعيفة على المنابر الثقافية بفضل ما يمتلكونه من حس انتهازي وقدرةعلى التسلق، يكشف أولا وقبل كل شيء عن غياب الاهتمام بالثقافة الحقيقية، وعن تغييب أي دور فاعل وحقيقي للثقافة ثانيا، ولذلك تحول الشعر كغيره من الظواهر الثقافية الأخرى إلى طقس احتفالي ومنبري، الهدف منه الترويج والدعاية وليس خدمة الشعر وتطوير تجاربه وتعميق الوعي الجمالي به من خلال خلق ذائقة شعرية تحقق التفاعل العميق بين القارئ والشعر سواء من خلال رعاية التجارب الأصيلة التي يمتلك أصحابها الموهبة الحقيقية والقدرة على تمثل المنجز الحداثي للشعر العربي بروافده التراثية والعالمية في تجاربهم، والارتقاء بها بما يعزز تطور وتنامي هذا المنجز،أوعبر توفيرشروط الإبداع الخلاق وفتح المجال أمام تلك المواهب الحقة لكي تتولى مهمة تنشيط الحركة الشعرية والإشراف على الأنشطة والمؤسسات الخاصة به. لقد عملت أنظمة الحكم العربية وفي مقدمتها الأنظمة (الثورية) وفق تصنيفها لنفسها على أن لا يعلو صوت على صوت ثورتها، الأمر الذي جعل الشعر يرتهن لوظيفته السياسية والتعبوية وجعل شعراء المنابر والتدليس يتقدمون المشهد الأدبي، ما أدى لتغييب الأصوات والتجارب الكبيرة، وخلق مناخا معاديا لهم دفعهم للهجرة أوالصمت.


الحاجة إلى النقد


في ظل هذه الممارسات والوقائع الغريبة وعملية إفساد الحياة الثقافية، كان على الشعر أن يظل غريبا وعلى الشعراء الحقيقيين أن يبقوا مغيبين عن المشهد، لاسيما بعد شيوع ما أطلق عليه تسمية قصيدة اليومي والتفاصيل والتي تحتاج إلى عين ذكية لماحة وحس شعري عال وقدرة على التكثيف تفتقدها أغلب الكتابات، إلى تحولت إلى مجرد خواطر ولغة تقريرية ذات طابع تسجيلي، أومجرد تداعيات ظنا من أصحابها أن هذه هي قصيدة النثر واليومي، في حين غاب الحس الشعري والوجداني العميق عنها، وافتقدت إلى جمالية الشعر وفنية الكتابة التي لا يمكن امتلاكها دون القراءة النقدية في تجارب الشعر الكبيرة، العربية والغربية، والوقوف على جمالياتها، من حيث اللغة والتشكيل والصورة الشعرية وتقنيات الكتابة، وتوفر الموهبة الخلاقة أولا وأخيرا، الأمر الذي وضع قصيدة النثر في مأزق حقيقي ساهم غياب النقد الموضوعي والفساد الثقافي ومحدودية المرجعيات النظرية لتلك القصيدة في تعميقها، وبالتالي تراجع حضور الشعر في المشهد الثقافي على الرغم من كثرة المهرجانات الشعرية التي تحولت هي الأخرى إلى مناسبات احتفالية أكثر منها لقاءات لتبادل الخبرات والرؤى والمفاهيم، بسبب هيمنة أسماء بعينها استفاد بعضها من قدرتها على استثمار ما تحققه من ترويج إعلامي لنفسها بوصفها الأكثر تمثيلا للمشهد الشعري العربي الحديث.

كل هذا وغيره مما عاشته الثقافة العربية بات يحتاج إلى إعاد ة نظر نقدية ومتفحصة لتحرير الثقافة العربية من هذا الإرث الثقيل وفي مقدمته هيمنة السياسي عليها، وخلق حامل أدبي وثقافي يمتلك قدرة التجديد والتطوير والنهوض بهذا المشهد بما يواكب مسيرة التحول السياسي والاجتماعي الذي ما نزال نعيش مخاضاته الصعبة.

11