مفكران روسيان يكتبان تاريخ الثقافة العالمية

الأحد 2014/09/14
كتابة مسمارية على جدارية سومرية في المتحف البريطاني

يعد مصطلح الثقافة من أكثر المصطلحات التي يصعب تعريفها، نظرا لعدم اتفاق الدارسين والمفكرين في العالم على صياغة تعريف شامل ومحدد لها، وإن بدت في معناها أقرب ما تكون إلى مصطلح الحضارة.

على الرغم من ذلك يقدم المفكران الروسيان دينيس أليكاندروفيتش تشيكالوف وفلاديمير أليكساندروفيتش كوندراشوف في كتابهما “تاريخ الثقافة العالمية” الذي صدرت ترجمته حديثا عن مشروع كلمة بأبو ظبي تعريفا محددا لها بوصفها منهجا للسلوك والاستمرارية والتراكم، ما يجعل مفهوم التنمية الثقافية يحمل طابعا تراكميا، بينما تعتبر الخبرة والتقاليد والابتكار عناصر مهمة للثقافة.

في ضوء هذا التعريف ينطلق المفكران من الخطوات الأولى التي بدأتها الثقافية الإنسانية على سلم التاريخ مع ظهور الأدوات الحجرية قبل أكثر من مليوني عام.

ورغم اعتراف المؤلفين بصعوبة تعيين الحدود الزمنية لظهور الثقافة، إلا أنهما يربطان وجودها بوجود الإنسان نفسه. لذلك نجد تتبعهما التاريخي لمراحل تطور الثقافة المادية والتحولات التي طرأت على هذا التاريخ، مع الانتقال من العمل بمساعدة الأدوات الحجرية، إلى العمل الخالص بهذه الأدوات من خلال تصنيعها، والحصول على مواد الطبيعة بمساعدة هذه الأدوات.

منهج البحث في هذا الكتاب ينسجم مع التعريف الذي قدمه الباحثان للثقافة، والذي تتقاطع فيه الثقافة مع الحضارة في معناه، إذ أن كلا منهما يقوم على التراكم والاستمرارية . الكتاب الذي يتتبّع تاريخ الثقافة يميل إلى التكثيف والاختصار بسبب طابعه المدرسي وهو ما يظهر في دراسته للثقافة الصينية والهندية على سبيل المثال، ما جعله يغفل جوانب مهمة من إنجازات هاتين الثقافتين.


الثورة الزراعية


التطور في استخدام الأدوات ساهم في مرحلة تالية بالانتقال من التنقيب عن المواد، إلى تصنيع المواد الغذائية مع ظهور الثورة الزراعية، الذي أدى إلى بروز الاقتصاد الإنتاجي في منطقة غرب آسيا خلال القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد، بعد أن تمَّ استبدال الأدوات الحجرية بالأدوات النحاسية ومن ثمة بالأدوات البرونزية والأدوات الحديدية. هذا التطور رافقه تعقيد آخر في الممارسات الاجتماعية وطقوسها، لكن الوعي الإنساني ظل غير قادر على التمييز بوضوح بين الذات والموضوع أو بين ما يحدث داخل الإنسان والعالم الخارجي.

لقد ساهم إدراك الإنسان البدائي بوحدة أفراد المجتمع في ظهور الطوطمية التي شكلت الدين المشابه للجماعة القبلية، التي سمّت طوطمها على شكل نبات أو حيوان. ويكشف الكاتبان عن الدور الذي لعبه ظهور الطوطمية في تنمية المجتمع البدائي، إذ ارتبط ظهورها بصورة وثيقة بالنشاط الاقتصادي للإنسان كالصيد وجمع الثمار. لكنه فيما بعد جرى رسم الحدود بين الجماعات الطوطمية فكان أن تشكلت القبيلة.


ما بين النهرين


يعتمد الباحثان المنهج التاريخي في تناولهما المكثف والمختصر لتاريخ الثقافة العالمية، حيث تأتي أولا ثقافة بلاد ما بين النهرين وسومر التي ظهرت في الألفية الرابعة قبل الميلاد مع بداية تشكل الدول، وكانت عبادة سكانها لآلهة على شكل البشر، ما يعني أن الطوطمية قد لعبت دورا ضئيلا في الدين المحلي.

الكتاب الذي يتتبّع تاريخ الثقافة يميل إلى التكثيف والاختصار بسبب طابعه المدرسي وهو ما يظهر في دراسته للثقافة الصينية والهندية

ولعل أهم ما كانت تتسم به الأديان فيها أن تلك الآلهة المتعددة قد تعايشت مع بعضها البعض بصورة سلمية، في حين كان الاعتقاد أن الآلهة هي التي ترعى حكام البلاد. ووفقا للمكتشفات الأثرية فإن أولى النصوص الأدبية السومرية ظهرت ما بين بداية القرن الثالث والنصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد، وكان أكثر النصوص شهرة هو نص قصة الخلق البابلية وملحمة جلجامش ونص أسطورة الطوفان. ويبين الباحثان الدور الهام الذي لعبته عبادة الخصوبة في دين بلاد ما بين النهرين ممثلة بآلهة الخصب عشتار بينما اعتبر تموز إله جميع النباتات.


مصر القديمة


يركز الباحثان على الدور الذي لعبه الموقع الجغرافي لمصر القديمة، لا سيما نهر النيل في حياة المصريين. وفي الوقت الذي ظهرت فيه حضارة سومر كانت مصر تشهد تغييرا في أدوات العمل أصبحت معه الزراعة هي النشاط الأساسي للسكان ما تطلّب صناعة أدوات نحاسية تعينهم في نشاطهم.

أما بالنسبة إلى العبادة فقد انتقلت من التعدد إلى الوحدة وفقا للمسار الذي اتخذته عملية توحيد الأقاليم التي انتهت بوحدة دولة الجنوب ودولة الشمال، في حين كانت العبادة التي احتلت مكانة خاصة في حياة المصريين في الغالب ذات طبيعة حيوانية أو نباتية.

إن ما يميز هذه الحضارة هو التصور الذي كانوا يمتلكونه عن الروح والحياة بعد الموت إذ يعدّ هذا التصور هو الأكثر تعقيدا بالنسبة إلى الشعوب الأخرى حيث لعبت العبادة الجنائزية لعبادة أوزوريس الدور الأكبر فيها، كما لعبت العبادة الزراعية دورا مهما آخر يتجلى في مضمون السرديات الأسطورية القديمة. ويتوقف الباحثان عند التراث الثقافي للمصريين القدماء كما ظهر في المدونات الأدبية والحكايات والقصص والأغاني إلى جانب المؤلفات الشعرية والنثرية التي كانت على ارتباط وثيق بالدين.


الصين القديمة


على الرغم من محدودية المعلومات المتوفرة حول ثقافة الصين المبكرة فإن الباحثين يستعينان بالمكتشفات الأثرية التي تبين أن المذاهب الفلسفية التي شكلت فيما بعد الأساس للمذهب الكونفوشيوسي والطاوية قد ظهرت في النصف الثاني من عهد سلالة تشو بينما أخذت النظم السياسية والفلسفية والدينية والأخلاقية بالتشكل في النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد.

الباحثان يتناولان يتناولان نشوء الديمقراطية والفلسفة من خلال أهم أعلامها

ومما يميز هذه الفلسفة أن المكان الرئيسي فيها تحتله قضايا الطقوس والأخلاق والإدارة والعلاقات بين الحكام والمحكومين. الكتاب يعرض للديانات الصينية الثلاث وأهم تعاليمها بما فيها عبادة الأجداد التي شكلت جزءا أساسيا من المعتقدات الدينية إضافة إلى التعريف بأهم الأساطير التي تميزت بعبادة الحجارة وفي مقدمتها عبادة الجبل نتيجة رمزيّته المرتبطة بفكرة الخصوبة وقربه من السماء، وهو ما ساهم في ظهور عبادة الثعابين والتنين كرموز للخصوبة أيضا. ومن أهم ملامح تلك الثقافة وجود كتابة متطورة لم يطرأ عليها تغيير جوهري طوال مراحل التطور المختلفة، إضافة إلى اختراع صناعة الورق والحبر التي ساهمت في طباعة الكتب وأدت لتغييرات في الكتابة كان لها دورها في وضع أسس فقه اللغة والمعاجم.


ثقافات موجزة


يعيد الباحثان أقدم آثار ثقافة الهند القديمة إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، حيث تشكل مجموعات الفيدا أحد أول معالم تلك الثقافة، التي تميزت فيها الديانات بأنها ذات طبيعة طبقية، إذ كان لكل طبقة آلهتها الخاصة في مجتمع كان يتوزع إلى أربع مناطق. تعد الهند مهد البوذية التي يتوسع الكاتبان في التعريف بتعاليمها في حين يلاحظ غياب المعلومات حول الديانات الأخرى والتطور الثقافي الذي عرفته الهند القديمة والصراع الاجتماعي وانعكاساته على الثقافة والمجتمع ما يشكل نقصا واضحا في عرض تاريخ هذه الثقافة.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى ثقافة شعوب أميركا الوسطى القديمة، التي يعترف الكاتبان بصعوبة الحصول على المعرفة الخاصة بتاريخها باستثناء الحديث عن دولتي الآستك والإنكيين وعباداتهم التي قضى عليها الغزاة الإسبان.


اليونان وروما


وعلى خلاف الثقافتين السابقتين يجري التركيز بصورة ملحوظة على ثقافة اليونان القديمة التي يؤكدان أنها ما زالت حتى يومنا هذا تثير اهتماما كبيرا عند الباحثين. تاريخ تلك الثقافة يرتبط بالتاريخ السياسي للأقاليم التي بدأت تتشكل فيها تلك الحضارة، والتي احتلت الديانات فيها موقعا مماثلا لها عند الشعوب الأخرى.

كما يتناولان نشوء الديمقراطية والفلسفة من خلال أهم أعلامها إلى جانب الأساطير ومعالم الأدب اليوناني القديم الذي تجلى في أدب الملاحم والمسرح الذي ظهرت علاقته المباشرة بالتغيرات التي كانت تطرأ على الواقع الاجتماعي. ويظهر الطابع الأسطوري في تاريخ روما القديم التي قامت فيها الجمهورية الأولى قبل خمسمئة عام قبل الميلاد.

إن مما يميز ثقافة روما أنها كانت تحتوي على ثقافات الشعوب التي خضعت لسلطتها وقد شكلت التراتيل المقدسة أقدم آثارها، بينما انتشرت العبادة الزراعية وسط العوام من الناس. لقد تأسست دولة بيزنطة قبل انقسام الإمبراطورية الرومانية، وكان للمسيحية بمذاهبها وصراعاتها دور هام في تاريخها وثقافتها.

هذا التسلسل التاريخي في دراسة تاريخ الثقافة العالمية يقود الباحثين للتعريف بثقافة الخلافة العربية الإسلامية وأهم أعلامها وأطروحاتها وآدابها وفلسفتها، ومن ثمة دراسة ثقافة أوروبا القرون الوسطى التي امتدت أكثر من ألف سنة، والتي شهدت سيطرة واسعة للإقطاع والكنيسة ومن بعدها ثقافة عصر النهضة التي تميزت بنزعتها الإنسانية وأسست لنهضة الفكر والحضارة الغربية.

لذلك نلاحظ التوسع الكبير في عرض إنجازات هذه الثقافة الأدبية والفلسفية والفنية والعلمية، وما شكلته من تحول تاريخي واسع عكسه مضمون تلك الثقافة وآدابها وعلومها التي مهدت للتطور الهائل والمتسارع الذي عرفته الثقافة والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد ومعها الحضارة الإنسانية في القرن العشرين دون أن ننسى ظاهرة الاستعمار التي أفزرها التطور الاقتصادي والعلمي والعسكري لتك الحضارة.

13