مفكرون هنود يقاومون الميل إلى تبرير العنف

الاثنين 2013/08/12
الحداثة في الهند نوع خاص: تمدن وتقاليد

من المفارقات الغريبة لمشروع الحداثة الغربية بالنسبة إلى بلدان العالم الثالث، أنه شكّل ذريعة لاحتلال تلك البلدان واقتسام النفوذ عليها ونهب خيراتها وتحويلها إلى سوق لمنتجاتها. كل هذا بحجة تطوير مجتمعات تلك البلدان حضاريا وتحريرها من الجهل والتخلف الذي كانت تعيش فيه.

هذا الإرث الثقيل الذي خلفه الاستعمار وضع مثقفي وباحثي تلك البلدان أمام تحديات كبيرة استدعت منهم البحث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق انتقال مجتمعاتهم إلى عصر الحداثة. كتاب "مواطن الحداثة: مقالات في صحوة ودراسات التابع" لديبيش شاكرابراتي، الصادر عن "مشروع كلمة للترجمة في أبو ظبي"، وبترجمة الدكتور مجيب الرحمان، يحاول الانطلاق من هذه النقطة باعتبارها تشكل اللحظة التاريخية الحاسمة لانتقال مجتمعاتها إلى عصر الحداثة، وذلك عبر ثلاثة أقسام تاريخية ونظرية وثقافية تتوزع على عدد كبير من المحاور، التي تبحث في التجربة الهندية بعد تقسيمها، وما شهدته من حرب طائفية بسبب التعددية اللغوية والثقافية والدينية التي تتشكل منها.


التنمية والتقدم


أهمية المناقشات والأطروحات التي يقدمها المؤلف تكمن في المشترك السياسي والثقافي والاجتماعي الذي يجمع مجتمعاتنا على نحو ما، بتلك القضايا التي يثيرها ويبحث فيها، وفي مقدمتها كيفية توطين الحداثة، والفجوة القائمة بين النخب الثقافية والفكرية، التي تتبنى الأطروحات الفكرية والفلسفية الغربية، وطبقات المجتمع الفقيرة وعلاقة السياسة بالأخلاق. المفارقة الأولى التي يقف عليها الباحث في مقدمة الكتاب تتمثل في الفجوة التي يكتشفها المرء بين معايشة الحداثة ومحاولة تعريفها، ولكي يتجاوز تلك الفجوة يرى أنه لابد أولا من تحديد بعض الشخصيات أو الممارسات أو المفاهيم باعتبارها "غير حديثة". في هذا السياق التاريخي والنظري يعود إلى مبادئ عصر التنوير التي طرحها الكثير من مثقفي أوروبا حول الحداثة، باعتبارها حكم المؤسسات التي حررت الناس من سيطرة كل ما كان غير منطقي وغير عقلاني، ما جعل الحداثة بالنسبة لهم مساوية لفكرة التقدم، في حين كانت بالنسبة للقوميين بمثابة وسيلة لتحقيق التنمية. المفكرون الهنود لم يتجاوزوا من جانبهم هذه الرؤية حتى سبعينيات القرن الماضي، إلاّ أن ظهور الحركات المناوئة للاستعمار والحركات النسوية والبيئية والحركات الاجتماعية، حولت تلك المقولات إلى معضلات حقيقية، لاسيما على صعيد مفهوم الديمقراطية، التي يتضمنها دستور الهند، وتتحقق فيها الانتخابات بصورة حرة ومنتظمة، تجعل جميع الطبقات الكادحة الحضرية والفلاحين الأميين قادرين على المشاركة، الأمر الذي يجعل الحياة العامة هناك تتأثر بالحضور السياسي النشيط لهذه الطبقات، كما يجعل آراءها الخاصة عن العدالة والرفاهية والدين والأرواح والسحر وغير ذلك حاضرة في هذا المشهد، وبذلك لا يختلف تعامل هذه الطبقات مع مؤسسات الحداثة عن تعامل الطبقات المتوسطة والعليا، وهنا تنهض الأسئلة الأكثر خطورة حول طبيعة الحداثة في الهند.


حداثات بديلة


ينطلق ديبيش أستاذ التاريخ والحضارات في جامعة شيكاغو في فهمه لخصوصية المجتمع الهندي من محاولة الإجابة عن عدد من الأسئلة تتعلق أولا، بكيفية تحديد خصائص العوالم الثقافية للطبقات الزراعية والمهمشة في ضوء ممارساتها الحياتية، التي تتحدى بها الفوارق الحديثة بين العلماني والديني، والإقطاعي والرأسمالي والعقلاني وغير العقلاني، وكحل لذلك يطالب بمزيد من الراديكالية في ممارسة الديمقراطية، لأن ذلك كفيل بجعل الجميع أكثر إلحاحا على إعادة النظر في موقفه، باعتبارهم موضوعات سياسية شاعرة بذاتها تجاه الحداثة. انطلاقا من هذا التصور يسعى لتصنيف المواقف من الحداثة بموقفين اثنين أحدهما يقول، بأن للحداثة شكلا مثاليا نمطيا ضروريا، والثاني يتحدث عن حداثات بديلة ومتعددة. أمام حالة الاختلاف هذه يطالب بأن نحدد أولاّ ماهية الحداثة، لأن مفهوم الحداثة يفقد قيمته إذا كان كل شيء في العالم حديثا بحد ذاته، خاصة بعد أن فقدت الحداثة كمفهوم دقيق نجاعتها، وانحصرت في قيمة بلاغية، لكنها رغم ذلك تبقى حاضرة في أي حديث عن الديمقراطية والتنمية.

من جهة ثانية يبين أن أهمية ما يثيره من نقاش في هذا الكتاب يتجاوز حدود الهند إلى جميع المؤرخين ما بعد الاستعماريين في عموم العالم، لأنه يتناول موضوعات بالغة الأهمية تتعلق بالنظرة إلى موروث عصر التنوير الأوروبي في المناطق النائية جغرافيا عن مركزه، وكيفية توثيق طرائق الحداثة التي تخاطب ما يشترك به العالم، وما ينتمي إلى التعددية الثقافية، إلى جانب البحث عن الطريقة التي يمكننا بها مقاومة الميل في التفكير إلى تبرير العنف الذي يرافق اللحظات الإمبراطورية المنتصرة للحداثة، وذلك من خلال تطوير نقدنا للعنف الشعبي الذي مزق مجتمعات وشعوبا عديدة في العصور الحديثة.

في هذا الصدد يستذكر ديبيش ما شهدته الهند منذ ثمانينيات القرن الماضي من صعود ثقافي عدواني لليمين الهندوسي، تجلى في الممارسات العنصرية الموجهة ضد الأقليات المسلمة والمسيحية هناك. وعلى خلاف الرؤى المقدمة لفهم الواقع الهندي يحاول ديبيش في هذا الكتاب تقديم مقترحاته لسبل الخروج من هذه النزعات، ذلك أن هذه المجتمعات هي بصورة أو بأخرى تمثل نتاجا للرأسمالية العالمية، وللمؤسسات والممارسات والأفكار التي رافقت صعودها.

ديبيش شاكرابراتي: على التاريخ أن يستبطن روح النقد


الحداثة في الهند


يركز الباحث على موضوع الحداثة ما قبل مرحلة الاستعمار وما بعدها في الهند، نافيا أن تكون الهند قد أصبحت رأسمالية خلال فترة الحكم الاستعماري، طالما أن ذلك لم يؤد إلى هيمنة البرجوازية أو الممارسات الليبرالية في الحياة الاجتماعية، في حين أن الديمقراطية التي شجعت الناس على تحدي التراتبات الهرمية في السلطة والمراكز القديمة، ليست تعني أن العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، قد أصبحت برجوازية أو إمبريالية بأي شكل من الأشكال. خصوصة الهند كما يراها تكمن في اشتباك المزيد من الصراعات بالعملية السياسية أكثر من ذي قبل، وهذا ما لا يجعل القواعد الثقافية للتعبير عن السلطة والقوة في الحياة اليومية هي ليبرالية بالضرورة أو غير عنفية، لكنه رغم اعترافه بتقدم الوضع الديمقراطي في الهند، وهو ما يجعلها دولة حديثة، إلا أنه يؤكد أن ذلك لا يعد كافيا للقول بأنها أكثر مدنية، نظرا لعلاقة التبعية والسيطرة في كل مجالات الحياة. لقد جعل هذا الوضع المتداخل مسألة تحديد طابع الحداثة الهندية محل نقاش دائم بين علماء اليسار والمثقفين الليبراليين، الذين صكوا مجموعة مصطلحات سلبية أو مسبوقة بحروف النفي كالحداثة غير الرأسمالية أو الحداثة الناقصة. إن المشكل كما يراه لا يتمثل في هذا الفهم، بقدر ما يتمثل في مقولات العلوم الاجتماعية والفلسفة السياسية، التي يجري التفكير بواسطتها، لأنه من الصعب على العلوم الاجتماعية أن تؤدي إلى عمومية في المعنى، تكون خالية من الخلافات التاريخية والعارضة بين المجتمعات. من هنا كان منهج البحث يتوزع على ثلاث محاور تركز المحور الأول منها، على عرض للكيفية التي استطاعت فيها دراسات التابع معالجة بعض المشاكل الخاصة بالحداثة السياسية والديمقراطية في الهند، مع التركيز على دور الماضي في تشكيلات الحداثة في الدول الاستعمارية. أما المحور الثاني فيتضمن بحوثا تتعلق بالمواقع المؤسسية والثقافية الخاصة بالهند الحديثة، وتتركز على دراسة الوعي المدني وغيابه في الممارسة العامة، إلى جانب استقصاء الجذور الحكومية للعرقية الحديثة في الهند. المحور الثالث يناقش عبر سياقات ثلاثة، المعضلات والتعقيدات الناجمة عن التباين بين التصور والمشاريع التي تحقق العدالة الاجتماعية.

هدفان أساسيان يسعى البحث لتحقيقهما، أولهما الوصول إلى فهم أعمق للحداثة في الهند، وثانيهما التأكيد على المبادئ الأساسية في أية نظرية سياسية يقدمها، انطلاقا من منظور يقوم على تأمل الذات والميل إلى الأخلاقي في السعي إلى تحقيق عالم أكثر عدالة للوضع الإنساني. لا تخلو نظرة ديبيش من بعد مثالي عندما يحاول الربط بين الأخلاقي والسياسي أو على مستوى المزج بين الديمقراطيات المعاصرة، في الوقت الذي يتحدث فيه عن الخصوصية الثقافية وعن علاقة الفكر بالواقع. مقابل ذلك يعترف أن بحوث كتابه لا تخلو من بعض مشكلات التحليل التي لا تحتمل حلولا بسيطة، ما يجعل الحوار حول المشكلات التي يحاول معالجتها مفتوحة على الحوار والإغناء المستمرين. في الفصل التاسع والأخير من الكتاب الذي يتناول فيه اللاإنساني واللاأخلاقي في العنف الطائفي، يبتعد عن الجانب النظري المحض عندما يعالج موضوعه من زاوية التجربة الذاتية، التي عاشها أثناء حوادث العنف الطائفي عام 1947 عندما كان يعيش في كالكوتا، التي كانت تجهد لاستيعاب أكبر عدد من اللاجئين الذين هاجروا من باكستان الشرقية، وذلك في محاولة لتعميق التفكير في موضوع الاختلاف، وللتأكيد على أن النقد ذات البعد الإنساني هو من يستطيع أن يخلق اللحظة الأخلاقية في حياتنا، لذلك على التاريخ أن يستبطن روح النقد.

16