مفكر مصري لـ"العرب": نجاح الثورات العربية تمثل في إسقاط الإسلام السياسي

الأربعاء 2015/04/15
الوجه الحقيقي لجماعات الإسلام السياسي انكشف عقب سقوط الإخوان بمصر

في تتبعه للتحولات التي شهدتها المنطقة العربية منذ 2011 يرى المفكر المصري علي مبروك أن أهم إنجاز للربيع العربي هو إسقاط حركات الإسلام السياسي التي حاولت السيطرة على عقول الناس وعلى السلطة. كما أكد في حواره مع «العرب» أن تفاعل علماء مصر مع دعوة الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الديني كان من باب النوايا الحسنة واكتفوا بترديد مفاهيم الخطاب والتجديد والثورة مع تفريغها من دلالاتها.

أكد علي مبروك أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أن إسقاط فكرة الإسلام السياسي وفضح فشل أنصاره، وعجزهم الكامل عن إدارة الشأن العام يعتبر سببا كافيا لدخول ثورات الربيع العربي مصاف الثورات الإنسانية الكبرى.

وأوضح مبروك في حوار خاص مع “العرب” أن هذه الثورات لو اكتفت بإحضار الإسلاميين إلى صدارة المشهد بما فتح الباب أمام الانفلات من خداع هؤلاء، لكان ذلك يكفي في الدخول بها إلى مقدمة الثورات التي يتمثل إسهامها العظيم، ليس فقط في تحسين ظروف الحياة المادية للبشر، بل في الترقي بعقولهم وتحريرهم من الأوهام.

علي مبروك، صاحب مشروع فكري ممتد منذ كتابه “النبوة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ” مروراً بدراسته التأسيسية عن “الإمامة والسياسة والخطاب التاريخي للعقائد وانتهاء بـ “ثورات العرب… خطاب التأسيس”.

وحول الدور الذي لعبه الإسلام السياسي في ثورات الربيع العربي، أكد مبروك أنه لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته قوى هذا التيار في زحزحة المستبدين عن عروشهم، مشيرا إلى أنها لم تستثمر هذا الدور في فتح المجال أمام ممارسة سياسية مفتوحة يندمج فيها الفرقاء جميعاً، لكن بالغت في استغلال الرأسمال الرمزي الديني الذي تجيد استخدام مفرداته في احتكار المجال العام والسيطرة عليه كليّاً.

الثورة في الدين وتجديد خطابه عمل معرفي يستلزم امتلاك المنهجيات والأدوات المعرفية، التي تمكن من إنجازه

وبخصوص انكشاف الوجه الحقيقي لجماعات الإسلام السياسي عقب سقوط حكم الإخوان بمصر، أكد أستاذ الفلسفة الإسلامية أنه ليس لهم إلا مجرد وجهٍ واحدٍ فقط، لأن كل هذه الجماعات تندرج تحت مظلة خطاب واحد هو خطاب الإسلام السياسي، موضحا أنها في النهاية مجرد أقنعة يحتجب خلفها خطاب الإسلام السياسي الذي لا ينطق إلا بالعنف، لأنه لا يعرف الإسلام إلا بما هو صيغة جاهزة وجامدة، ولا سبيل إلا إلى التنزيل الإكراهي لها على الواقع.

وهكذا فإن العنف سيظل المآل النهائي لهذا الخطاب والذي سيلزم به كل حامليه، بصرف النظر عن النوايا والنيات التي تبقى خارج مجال التحليل، وسيبقى كل ما يغاير هذا الوجه الدامي العنيف مجرد عارضٍ مرحلي يتعلق بالشروط الخارجية التي يشتغل فيها الخطاب، وتتلون أقنعة حامليه بحسبها.

وبسؤاله حول مستقبل جماعة الإخوان في مصر، أكد مبروك أن المشكلة ليست في الخصومة بين النظام المصري والإخوان، بل في الخصومة التي تتعمق يوماً بعد آخر بين الإخوان وجمهور الناس في مصر، الذين لم يكن احتشادهم الكاسح ضد الجماعة مجرد احتجاجٍ على ما أظهروه من الفشل وانعدام الكفاءة، لكنه امتد إلى مناطق تتعلق بالفكر الذي يحمله الإخوان وأمثالهم.

وأشار إلى أن الخصومة الأهم هي بين الإخوان والمستقبل، حيث بدا وكأن الجماعة لا تملك ما تقدمه لمصر، إلا ما ينتمي إلى عصر الوصاية، الذي كان الناس فيه يعانون من القصور العقلي ما يجعلهم في حاجة دائمة لوصاية مرشد، لافتا إلى أن مصر التي تتطلع إلى الديمقراطية بحاجة إلى الفرد القادر على التفكير المستقل والمالك لإرادته الحرة، والقادر على اتخاذ قراره بنفسه، وليس إلى ذلك الفرد الذي لا يعرف إلا السمع والطاعة لمرشده، معتبرا أن جماعة الإخوان بوضعها الحالي عبء على المستقبل.

علي مبروك: التيارات الإسلامية استغلت الرأسمال الرمزي الديني لاحتكار المجال العام

وبشأن رؤيته للواقع العربي في ظل التهديدات الإرهابية التي تشهدها معظم دول المنطقة، أوضح الخبير في شؤون الحركات الإسلامية أن التهديدات والخلافات المذهبية ليست شيئاً طارئاً على الواقع العربي من خارجه، بل إنها تنبثق من داخله، وتجاوزها مشروطٌ بفهم للواقع العربي على النحو الذي يحرره مما ينتج العنف والإرهاب داخله.

وأشار إلى أن ما يتردد بقوة عن تأسيس محور سني لمواجهة التمدد الشيعي سيزيد الوضع تعقيداً، خاصة أن غالبية دول المنطقة لا تتمتع بالتجانس أو الوحدة، وتعيش في ظل فسيفساء مذهبية تجعلها مُهددة بالانقسام والتشظي، ولعل ما يحدث في المشرق العربي (سوريا والعراق ولبنان) من تداعيات خطرة للانقسامات المذهبية والطائفية يمثل جرس إنذار، لأن التطورات في هذه البلدان أصبحت مصدر تهديدٍ مباشر وحقيقي لوحدة هذه الدول وسلامة أراضيها.

وشدد الفيلسوف المصري علي مبروك على ضرورة مواجهة الاستدراج الجاري للعرب إلى مذهبة صراعاتهم، وإعادة هذه الصراعات إلى مجالها السياسي، وإذا كان هناك من يديرون معاركهم بالمذهب (إيران مثلاً) فإن الحل لا يكون بإعادة إنتاج المذهبية، لكن بتفكيكها وإلزام الطرف الآخر بالتفكير خارجها، معتبرا أن مصر البلد المؤهل أكثر من غيره لضبط مسارات التفاعل والصراع في المنطقة، على النحو الذي يعود بها إلى مجالها السياسي. وقال مبروك إنه لا سبيل للخروج من العنف المذهبي إلا بالخروج من الماضي، ولا سبيل للخروج من الماضي إلا بالسيطرة عليه وتحويله إلى تاريخٍ.

وأشاد أستاذ الفلسفة الإٍسلامية بدعوة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لإحداث ثورة في الموروث الديني، مشيرا إلى أنه إذا كان المجددون في القرن التاسع عشر اكتفوا بمجرد طلب “الإصلاح”، فإن ورثتهم في القرن الحادي والعشرين بلغوا إلى الدعوة من أجل الثورة بعد أن بدا لهم أن مرور أكثر من قرنٍ على طلب الإصلاح وممارسته لم يتمخض إلا عن انبعاثاتٍ متواترة لبراكين من الغضب والعنف الدموي، التي باتت تمثل خطراً داهماً على السلم الأهلي في المجتمعات الإسلامية، وعلى السلم في العالم بأسره.

وأشار إلى أنه رغم إعلان شيخ الأزهر أحمد الطيب وعدد من العلماء التجاوب مع الدعوة إلى الثورة وتجديد الخطاب الديني، فإنه يبدو، ولسوء الحظ، أنهم لا يملكون ما هو أكثر من مجرد إعلان النوايا الطيبة.

وأضاف أن ذلك يرتبط بأنه إذا كانت الثورة في الدين وتجديد خطابه هي عمل معرفي في الأساس، فإن عملا كهذا يستلزم ممن يتصدون له أن يمتلكوا المنهجيات والأدوات المعرفية، التي يتمكنون معها من إنجازه. واعتبر أن ما يصدر عن رجال المؤسسة الدينية يكشف أنهم اختاروا الأيسر، واكتفوا بترديد المفاهيم دون وعي بحمولاتها المعرفية.

13