مفهوم الأمة بين الديني والعلماني

الثلاثاء 2014/07/08

مفهوم الأمّة يتحدد عادة بـمجموعة من الرّجال والنّساء الذين يرتبطون بعضهم ببعض بواسطة خيار ديني واحد يعتصمون به. وفي القرآن وعند علماء الإسلام تعرّف جماعة الأمّة بدينها. تقول الآية الكريمة في سورة المائدة معنى الجماعة التي تكون على دين واحد: “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)”.

وتكون الوحدة في التّصوّر الإسلامي للأمّة وحدة الإيمان التي تتجلّى بدورها في تآزر المسلمين الاجتماعيّ والسّياسيّ. ليس ثمة شك في أنّ هذا التصوّر الدّيني هو ما نجده في مختلف الكتابات العلميّة والأدبيّة والدّينيّة للحضارة العربيّة الإسلاميّة، وقد سمح بالمحافظة على ذاكرة راسخة لبناء هذه العلاقة الرّوحية الزّمنيّة بين المسلمين من أجل تأسيس نظام سياسي واجتماعي متكامل.

هكذا لا نشك، في أن الهوية الإسلامية هي القطب المحدد للمجموعة والمكون لبنيتها وأنشطتها خضوعا للشريعة، التي تكمن ميزتها المنشودة في أن تكون قانونا ذا مرجعية غيبية. ولكن الفكر السياسي الإسلامي تطور بعد تلاقح الحضارات التي لاقتها الحضارة الإسلامية، فبدأت تتكون فعالية فكرية جديدة لها مقوّمات فكر سياسي «عقلاني» لا يأخذ بعين الاعتبار العامل الديني فقط، بل أيضا معطيات اجتماعية دنيوية وإنسانية. ويعد الفارابي من أبرز الفلاسفة الذين أعطوا بعدا دنيويا لمفهوم الأمة، فهي تكتل أناس في إقليم واحد حسب أنماط معينة يتحدد أدناها في المنزل، وأقصاها في المعمورة، مرورا بالقرية والمدينة.

قد لا يخفى علينا موقع المدينة المحوري والجليّ في نظرية الفارابي الاجتماعيّة والسياسية، وموقع الحياة القبلية الثانوي. فتصبح كلمة «أمّة» تعني مجموع المدن، وأن المجتمع الحضري هو جزء من الأمة والأمة تنقسم إلى مدن. وما يستأهل التّنصيص عليه في هذا الفهم هو وجود ضرب من العلمنة التي تفيد في معناها الأولي تحرير الفكر السياسي والإيتيقي من السّلطة الدّينية، فعبارة «الأمّة» هنا خلّصت التّحليل السّياسي الاجتماعي من النّفوذ الدّيني ومن سلطة المقدّس. إذن لم يعد الدّين في رؤية الفارابي وحده معيارَ توحّد الجماعة والأمّة وعروتهما الوثقى التّي بها يعتصمون، بل أصبح الإقليم والتاريخ واللغة محددات مهمة في ذلك.

ولمزيد التعمق في عقلنة الأمة وعلمنتها، لابد من الانتباه إلى أن الفارابي يبسط المعايير المكوّنة للمجتمعات عبر تخصيصها بالمصلحة المشتركة والخوف والنّسب والإيمان والتّعاقد ووحدة المنزل والطّبائع وتماثل الطبيعة واللغة، ولكن يبدو أنّ الفيلسوف يُؤْثِرُ آخر هذه المعايير. وبالفعل، فإنّ ما يربط النّاس ويوحّدهم على المستوى الاجتماعي، هو أن يتعاقد النّاس على نظام اللّغة.

تمثل هذه المميّزات لعبارة الأمّة ذات البعد النظري تحولا هاما في مشروعية النظام السياسي من خلال التأكيد على أساسه الدنيوي من ناحية، وتحديده بالتعاهد والتعاقد من جهة أخرى. فقد تجاوز هذا التحول في معنى الأمة التّصوّر الدّيني للاجتماع وتوجيه النّفوس الحرّة في ذلك العصر نحو موقع يدرس خصائص الأمم دون أن يخضع بالضرورة للطّابع الدّيني فقط. وهذا مهم لأنّه يرمي إلى وضع حد- بصفة متدرّجة- لهيمنة شكل من المركزيّة الدينية في معالجة الشأن الإنساني الاجتماعي، فلا نستطيع أن ندرس التّاريخ والمجتمع والفرد إلاّ انطلاقا من هذه الوضعيّة المركزيّة للجماعة الإسلامية. ذلك ما وجه التفكير عصرذاك في بحوث البيروني مثلا في عرضه لتاريخ الهند، وعند الكثير من المؤرّخين مثل المسعودي ومسكويه وابن خلدون. ولكن هذا لا يعني أنّ المعنى الدّيني للأمّة لم يعد فعّالا، بل سيظلّ حيّا لدى الكثير من الفقهاء وعلماء القانون ولدى الحقوقيّين والمؤرّخين مثل الماوردي والبغدادي. إلا أن المنحى العلمي في الدراسات التاريخية والاجتماعية يرمي إلى التخلص من الهيمنة الغيبية ومن سلطة المقدس، وهذا واضح عند ابن خلدون وعند ابن الأزرق ومن قبلهما عند الشّهرستاني.

وبسرعة نستخلص بعض النقط الهامة :

1 - العلمنة السياسية للأمة قد وجدت في حضارتنا قبل أن تأتينا من الغرب. وفي ذلك دلالة خاصة تحيلنا إلى إمكانية تصور لنظام سياسي علماني متأصل في أوطاننا.

2 - يسمح تطوّر مفهوم الأمّة باتّجاه العقلنة والدّنيوية إلى حدّ كبير للفرد من اكتساب شكل من الحرّية لا يستهان به، وأكيد أنّ الفرد يبقى خاضعا لقوانين الشّريعة الإلهيّة، غير أنّ الاجتهاد ومختلف أشكال التّأويل والتفكير يمكنهما أن يلائما هذه القوانين بمقتضيات الحداثة.

3 - ينبغي على عقلنة الأمّة وعلمنتها أن تمكّنا من تطوير التّصوّرات السّياسية في اتّجاه مقاربة دنيوية وإنسانية لأشكال السّلطة وآثارها في المجتمع، فتحثا بذلك المفكّرين والمشرّعين على تطوير أشكال مقاربتهم لتأخذ صبغة علمية، وفي كلّ الحالات على مراجعة بعض الأفكار الجامدة والخطيرة مراجعة أُسُّهَا الاجتهاد.

4 - أما إذا كان الدّين مرتبطا بالسّياسة، فذلك بصفته أيديولوجيا محرّكة للطّبقات الشّعبية من أجل هدف محدد. لأن التدين علاقة إيمان وإحسان ذات صبغة حميمية تربط الفرد بخالقه، وأمّا ما يتّصل بالعلاقات بين الناس فإنه من شأن السّياسة الدنيوية.

5 - هذا التحول في مفهوم الأمة قد يشجع على تكوين مفهوم المواطنة وبناء مؤسسة إنسانية متحررة في المجتمع. فالهدف النهائي لكل نشاط سياسي لا يكون إلا في تحصيل السعادة وتركيز الحرية. والفرد الحر، هو الذي يتعرف في قوانين المدينة التي يعيش فيها على إبداعه واستقلاله، أي عندما تكون له القدرة الكافية على المشاركة في صياغة القوانين وممارسة السلطة. فالعضو في الأمة الإسلامية يمكن، بهذا المعنى، أن يصبح مواطنا حرا له القدرة على المشاركة في مدونة القوانين والمرجعية التأسيسية للشرعية.

لا تناقض العلمنة السياسية تصور الأمة الإسلامية، ولا تنفي الدور الذي يقوم به الدين في بناء وحدتها، ولذلك ينبغي على الإسلام الحديث أن يأخذ في الاعتبار هذه العلمانية حتى يكون قادرا على التكيف مع متطلبات الحرية، ينبغي عليه أن يوازن بين مقتضيات الإنسان الروحية، ومتطلباته الاجتماعية الدنيوية المبنية على حرّيته وحقوقه.


كاتب ومفكر تونسي

8