مفهوم الإبادة لدى داعش ليبيا يخرج عن الحيز الطائفي ليحتكم إلى شرط الولاء

الجمعة 2015/08/21
داعش يخير الليبيين بين الولاء الصرف له أو القتل

سرت (ليبيا) - ليست هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها تنظيم داعش بشن حملة إبادة جماعية لتجمع سكاني بعينه. فما شهدته مدينة سرت الليبية من حملة إبادة استهدفت بحسب بعض التقديرات مئة وخمسين شخصا، سبق أن حصل ما هو أبشع منه في كلّ من العراق وسوريا على أيدي عناصر نفس التنظيم، لكن الجديد في الأمر أنّ هذه الحادثة الأخيرة باتت توحي بخروج مفهوم الإبادة لدى داعش ليبيا عن الحيز الطائفي والمذهبي الذي كان يتحكم فيها لتطال المسلمين وتنبئ بتحوّل خطير يهدد الليبيين عموما بغض النظر عن معتقداتهم يحتكم إلى الشرط الولائي ولا شيء غيره، وفق دراسة للباحث محمود أحمد عبدالله صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات.

ولا شك أن ما قام به داعش، مؤخرا، كان سبق له أن جرّبه مرات عديدة داخل سرت نفسها، ولعلّ أكثر العمليات صيتا ما قام به بشأن المواطنين المصريين المسيحيين الذين يقطنون إحدى مناطق المدينة الليبية، وفق خلفيات طائفية صرفة.

غير أنّ الجديد في المشهد اليوم أنّ عمليات الإبادة لم تعد تنفّذ على أساس ديني أو طائفي أو مذهبي بقدر ما باتت تستهدف المواطنين الليبيين تحت مسميات أخرى يغلب عليها السياسي والانتقائي القبلي في أحيان كثيرة.

ويعدّ الوضع في مدينة سرت الساحلية، التي يسيطر عليها داعش، الأكثر مأساوية ودموية في ليبيا، وقد جاءت حملة التنظيم الأخيرة كردّة فعل شرسة على استهداف قام به الجيش الليبي. فما كان من التنظيم سوى الرد بضرب أبناء قبيلة الفرجان، نظرا لأنّ هذه القبيلة تعتبر من أكثر القبائل تعاونا مع الجيش الليبي، حيث أنها تمدّه بالمعلومات التي يحتاج إليها، سواء بمواقع التمركز أو أماكن الذخيرة أو المشاركة في القتال.

ويبدو أنّ درجة شراسة تنظيم داعش عموما تتفاوت من مكان إلى آخر بحسب موقعه على الأرض، ويكون حجم ردّ الفعل لديه متناسبا مع القدرات التي يمتلكها؛ ففي الحالة المصرية، على سبيل المثال، تمارس بعض القبائل السيناوية عملا مساندا للجيش، عبر مده بالمعلومات اللازمة، فما يكون رد فعل التنظيم سوى اغتيال العناصر القيادية بالقبيلة، أو القيام بحرق منازلهم، كما حدث مع أحدث شيوخ القبائل الذي أُحرق بيته. أمّا في الحالة الليبية، فيزداد حجم تأثير العناصر الأجنبية غير الليبية، ممّا يوحي بانقطاع التنظيم عن العلاقات الاجتماعية بينه وبين المجتمع الليبي، ما ييسر القيام بعملية إبادة شاملة وعشوائية، دون التقيد باستهداف العناصر المتعاونة فعلا مع الجيش.

وقد نفذ مسلحو داعش عملية تصفية جسدية لإثنين وعشرين جريحا كانوا يتلقون العلاج في المركز الصحي في الحي الثالث بمدينة سرت. وذكرت مصادر محلية أن عدد القتلى من المدنيين تجاوز الثلاثين، غالبيتهم من قبيلة الفرجان، ومن ضمنهم أول امرأة ليبية تسقط على أيدي عناصر التنظيم، إضافة إلى جرح العشرات من الشباب والنساء والأطفال في أشرس عملية يقوم بها التنظيم الإرهابي منذ سيطرته على المدينة.

ولم يكتف التنظيم بأعمال القتل العشوائي فحسب، بل قام باقتحام منازل المنطقة الثالثة في المدينة بغاية تفتيشها ومطاردة شبابها. ولم يتورع عن القيام بذبح شباب من مدينة سرت في ساحة مسجد قرطبة، والقيام بنبش قبر من القبور وإخراج جثة صاحبه وإحراقها.

لقد توافد التنظيم على المدينة لاتخاذها قاعدة انطلاق لعملياته بعد سيطرته عليها منذ عامين، في ظل صمت الدول الغربية. بل إن الجماعات الإرهابية في الدول الأفريقية انضمت لعناصر التنظيم الإرهابي في سرت، حيث أن العديد من العناصر الأجنبية من مختلف دول العالم تتوافد على مدينة سرت للقتال بجوار التنظيم الإرهابي.

ولدى تناولها للأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سرت بين تنظيم “داعش” وعدد من التشكيلات المسلحة في المدينة التي رفضت إعلان تبعيتها له، ذكرت العديد من التقارير الصحفية العالمية أنّ سببها يكمن في “رغبة التنظيم في قمع ثورة التشكيلات المحلية ضده”. وذكرت التقارير أنّ داعش تعمّد قصف أحياء ومنازل معارضيه، وخيّر سكان المدينة العاملين في أجهزة الشرطة والقضاء والقطاع المصرفي بين إعلان الولاء له أو القتل. وفي المقابل، رفضت جماعات إسلامية أخرى موجودة بالمدينة إعلان ولائها ودعت السكان للثورة، مما أشعل المواجهات.

ولفتت صحيفة دويتشه فيله إلى أنّ الاشتباكات بدأت عقب مقتل إمام تابع لقبيلة الفرجان، وهو خالد بن رجب، لرفضه إعلان ولائه للتنظيم، وردت القبيلة بحث السكان على الثورة، وقتلت قائدين في التنظيم هما السعودي أبوحذيفة والمصري أبوهمام المصري. وانطلاقا من هذه المعطيات الميدانية تترسخ قناعة لدى عدد من المراقبين مفادها أنّ الإبادات التي يقوم بها داعش بدأت تتخذ شكلا آخر أكثر خطورة من أبعادها الطائفية والمذهبية في ليبيا، وأضحت تنتهج منهجا لم تعد تفرق فيه بين المسلم وغير المسلم، فإمّا الولاء الصرف لها أو القتل.

7