مفهوم التمثيل في النقد المعاصر

الجمعة 2015/10/30

برز مفهوم التمثيل في الفكر النقدي المعاصر مع صعود نجم الناقد والمفكر إدوارد سعيد الذي قام بتحليل التمثيل التعسفي للشرق وسكانه على نحو مشوّه، والحركة النسوية الغربية التي فككت خطاب الذكور الذي قدّم النساء كجنس دوني، والدراسات الثقافية والنقد الثقافي اللذين اشتغلا نقديا على تعرية النصوص الأدبية، وركام الثقافة الجماهيرية التي ترسم صورا للشرائع الشعبية وللطبقات العمالية على أساس أنها تفتقد إلى الفاعلية وأنها محكوم عليها بالتبعية.

وفي هذا الخصوص أريد أن أقول إننا لا نستطيع أن نقدّم أفكارنا من دون اللغة والتمثيل، ولكي نجيب عن هذا السؤال المطروح أعلاه، فإنه ينبغي علينا أن نستمع إلى المفكر ستيوارت هول الذي يقدّم هذا المثال من أجل التوضيح: إذا قمت بوضع الكأس الذي تحمله بين يديك وخرجت من الغرفة فإنك تبقى قادرا على التفكير في ذلك الكأس رغم أنه لم يعد موجودا فيزيائيا، وفي الواقع فإنك لا تقدر أن تفكر في الكأس وإنما تستطيع فقط أن تفكر في مفهوم الكأس. وكما يقول علماء اللسانيات فإن “الكلب ينبح” ولكن “مفهوم الكلب” لا يستطيع أن ينبح أو يعضّ.

نستنتج مما تقدم أن الكلمة هي العلامة، وأن “التمثيل هو نتاج المعنى والمفاهيم التي توجد في أذهاننا من خلال اللغة”، وبالإضافة إلى ذلك فإن الربط بين المفاهيم وبين اللغة هو الذي يمكّننا من الإشارة إمّا إلى عالم الأشياء الحقيقي والناس والأحداث، أو إلى العالم المتخيل للموضوعات الخيالية والناس والأحداث.

هناك عمليتين ونظامين من التمثيل اللذين يمكناننا من تأويل العالم وتنظيمه.

يسمي ستيوارت هول النظام الأول بنظام التمثيل الذي يعني في نهاية المطاف ذلك النظام اللغوي الذي يجعلنا نربط “جميع أنواع الأشياء والناس والحوادث بمجموعة من المفاهيم التي نحملها في رؤوسنا” وإنه “بدون هذه المفاهيم لا نقدر أن نؤوّل العالم”.

وفي هذا السياق يؤكد أننا نفهم أن عمليات التواصل بين الناس تستدعي التشارك في ترتيب وتنظيم المفاهيم في إطار الثقافة المشتركة ومن دون ذلك فإن التواصل يبطل، كما أن تنظيم العلامات في اللغة هو الذي “يمكننا من ترجمة أفكارنا إلى كلمات”. أما النظام الثاني فيعتمد على “بناء مجموعة من التماثلات بين الخريطة المفهومية وبين مجموعة العلامات وترتيبها وتنظيمها في اللغات المتنوعة التي ترمز أو تمثل تلك المفاهيم. أما العملية التي تربط هذه العناصر الثلاثة فندعوها بالتمثيل”. وبالنتيجة فإن أبناء الثقافة المشتركة ينبغي أن يشتركوا أيضا في الخرائط المفهومية وأنظمة اللغة والشفرات “التي تتحكم في العلاقة بينهم”.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15