مفهوم الدولة الفاشلة

السبت 2014/02/15

كيف يميّز القارئ الكريم بين دولة فاشلة وأخرى تتربّع على ذرى النجاح وتصنع مجدها التاريخي يوما إثر يوم؟ من معايير الدولة الفاشلة هي الفوضى الخلاقة التي تبدأ بالفلتان الأمني، واستباحة الحدود، واختراق الجيش والشرطة، وانتهاك المؤسسات الأمنية والاستخبارية. ومن سمات الفوضى الخلاقة أن تتفجّر الأحزمة الناسفة، والسيارات الملغّمة، في القصبات والنواحي والأقضية والمحافظات ومركز العاصمة.

وأن تصل المجموعات الإرهابية والمسلحة إلى أية وزارة تشاء بما فيها الدفاع والداخلية والخارجية والصناعة والزراعة والمالية والعدل وحقوق الإنسان والتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والسياحة وكل الوزارات السيادية والخدمية.

الفوضى الخلاقة تعني تفجير الأضرحة والمساجد والحسينيات والكنائس ودور العبادة الإيزيدية والصابئية المندائية. الفوضى الخلاقة تعني استهداف الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس الثانوية، والمتوسطة، والابتدائية، ورياض الأطفال، وملاجئ الأيتام، والمحلات، والأسواق الشعبية، والمطاعم، والباعة الجوالين، ومساطر العمال الفقراء، والساحات العامة، وتقاطعات الطرق المكتظة، وإذا عجزت عن الوصول إلى كل هذه الأمكنة فلا بأس أن تقوّض أي زقاق قديم حتى وإن كان آيلا للسقوط. الفوضى الخلاقة تعني مداهمة البنوك الكبيرة في رابعة النهار، وحرق الوثائق والمستندات القانونية كي لا يتمّ القبض على الجناة الكبار.

الفوضى الخلاقة تعني أن عقود المشاريع الكبيرة والمتوسطة والصغيرة تباع عشر مرات تباعا لعشرة مقاولين يهرب آخرهم إلى جهة مجهولة.

الحكومة الفاشلة هي التي ينام القائمون عليها وأرجلهم في الشمس ولا يعلمون بتسلل مجرمي القاعدة أو قتلة “داعش” إلى أكبر محافظة تساوي مساحتها ثلث مساحة البلد المستباح.

الدولة الفاشلة هي التي لا تعرف كم عدد المجرمين القتلة الذين احتلوا محافظة كبيرة فيها قرابة ثلاثين ألف شرطي، كما احتلوا قضاءً في طريقه لأن يصبح محافظة خلال الأشهر القليلة القادمة. الدولة الفاشلة يعني أن تطبع “داعش” عملتها الورقية وتتعامل بها في إمارتها المرتقبة طالما أن حماة البلد وقادته لا يعرفون عددهم وعديدهم.

الدولة الفاشلة هي التي تعلن على الملإ الأعظم أنها ذاهبة بجيشها الجرّار لمقاتلة “داعش” في الصحراء، لكنها تستدير فجأة لتفرِّق المحتجين بالقوة وتحاصر محافظة كاملة بقضّها وقضيضها ولا تتورع من قصف المواطنين المدنيين الذين اختطفتهم عناصر “داعش” وتمترست بهم وبمنازلهم.

الدولة الفاشلة هي التي لا تستطيع أن توفر الحماية الكاملة لا لبناية مجلس البرلمان ولا لرئيسه ولا لبقية أعضاء البرلمان الذين يمتلكون حمايات نوعية لا يمتلكها أي برلماني آخر في العالم. الدولة الفاشلة هي التي تصمت ولا تحرّك ساكنا حينما تقطع جارتها الشرقية 42 نهرا وجدولا، وتقلل جارتها الشمالية حصتها من الماء.

الدولة الفاشلة هي التي تبني جيشا طائفيا تدمج فيه كل من هبّ ودبّ من مليشياتها الطائفية التي لا تعرف حتى تعاليم معركة الحضيرة وهي أصغر وحدة عسكرية، فكيف سنطرد الإرهاب بهذه العناصر غير المهنية التي تُنهك خزينة الدولة يوميا؟

الدولة الفاشلة هي التي تريد عسكرة البلاد وتنفق ملايين الدولارات على قنواتها الرسمية التي تقرع طبول الحرب ضدّ مدن بعينها لتعمّق الهوة بين مكوّنات الشعب.

الدولة الفاشلة هي التي تقتحم بوقاحة قل نظيرها حسينية يجتمع فيها خيرة شيوخ العشائر الأبرار الذين يبحثون عن حل للأزمة التي أثارتها هذه الدولة الفاشلة التي لا تستطيع الحياة إلاّ حاضنة للفوضى الخلاّقة.


كاتب عراقي

9