مفهوم الدولة من منظور الإسلام السياسي

الأربعاء 2015/05/20

يشير عبدالله العروي في كتابه “مفهوم الدولة” إلى أن الدولة هي جمع من الناس يقيمون على سبيل الاستقرار في إقليم معين، ويخضعون لسلطة عليا حاكمة ذات سيادة. أما عناصر الدولة حسب العروي فهي أولا الشعب وهو مجموعة من الأفراد يستقرون في إقليمها ويرتبطون بروابط قانونية وسياسية.

وثانيا الإقليم وقد عرفه بأنه تلك الرقعة من الأرض والبحر وطبقات الجو التي تعلوها، وتباشر الدولة سلطاتها عليها.

أما العنصر الثالث فهو السلطة السياسية وهي السلطة الحاكمة التي تؤكد وحدة الشعب المعنوية والاقتصادية وتحقق مصالح الشعب وتتولى الدفاع عن كيان الإقليم.

أما ما يشير إليه المنهاج الحزبي لكل الأحزاب الإسلامية التي تأسست في القرن العشرين فلا يلتزم بالعنصر الثاني، وتركز كل الأحزاب الإسلامية على أن الكرة الأرضيّة بمجملها يجب أن تخضع للدولة الإسلامية التي يجب أن تقوم من خلال التواجد في بقعة ممهدة للدولة ومن ثمة يتم التمدد.

الأمر لم يقتصر على رؤية الدولة الإسلامية من المنظور السني فقط وإنما تجسد مع تأسيس أول دولة إسلامية في إيران حيث بشّر مؤسس الدولة روح الله الخميني بتصدير الثورة ولم يُسمّها في وقتها بمسمّى الدولة فقط، وإنما أضاف إليها قرينة ممهدة، حيث أن الولي الفقيه وفق نظرية ولاية الفقيه هو نائب الإمام المهدي وهو الإمام الثاني عشر عند الشيعة المسلمين الإثني عشرية وهو الإمام الغائب حتى يؤذن له بالظهور في آخر الزمان.

وبشّر الخميني بتصدير الثورة الأمر الذي أقلق نظام صدام حسين في العراق وأقلق كذلك دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والتي شجعت صدام حسين على استباق الثورة في إيران ووقف مشروع التصدير ووعد ملك السعودية خالد بن عبدالعزيز صدام حسين بالوقوف معه واستجلاب القوى العظمى لمساندته في الحرب التي شنها على إيران على مدى ثماني سنوات، الأمر الذي جعل من إيران- الثورة تتحول إلى دولة، لكنها ما زالت لا تخفي مشروع التصدير.

وفي التجارب الأخرى وعلى رأسها “الدولة الإسلامية في العراق والشام” والتي أعلنت خلافة أبي بكر البغدادي خليفة مطلقا للمسلمين في بقاع العالم فإنها أيضا لا تعترف بالعنصر الثاني لمشروع الدولة وهو الإقليم الذي تقيم عليه الدول، بل إنها تتصرف وكأن الإله ملك للبشر وليس العكس، فترى أن السياسة المعتمدة من قبل الدولة- مع افتراض وجود الدولة- تعتمد على الشأن العام وليس الخاص، حيث يرى صاحب السلطة أن له الوصاية على جميع أفراد الشعب وبذلك فإن الأوامر التي تصدر من الخليفة لا تحدها حدود على اعتبار أن الدولة الإسلامية يجب ألاّ تقف عند حد على الكرة الأرضيّة وأنها تحت فرضية السعي للسيطرة على العالم وانصياع الجميع لها.

وفي تجربة الإخوان المسلمين فإن هذه الجماعة أيضا ومن خلال أدبياتها فإنها تهتم بالتوسع الفكري ولا تهتم بالتحديد الإقليمي لتأسيس الدولة، الأمر الذي جعل من الإخوان فكرا مشاعا للعالم الإسلامي بغض النظر عن وجوده وتمركزه في مكان معين.

وحتى حينما بحث التنظيم عن النفط من خلال استدراج شخصيات مؤثرة في الإمارات العربية المتحدة وفي المملكة العربية السعودية بعد عجز التنظيم عن التمدد في العراق فإنه ركز على الفكر دون تحديد الأرض.

وحين سيطر تنظيم الإخوان المسلمين على مقاليد الحكم في مصر في فلتة تاريخية تصرّف التنظيم في هيئة الرئاسة وفق رؤيته كتنظيم عالمي ولم يعتن بالصيغة المفاهيمية الأممية للدولة ومسماها، بل إن التنظيم غفل عن أن مصر بقيت كدولة منذ آلاف السنين، دولة لها شخصيتها الفرعونية المتلاحقة مع الفكر الإسلامي، دولة تتصرف كأمّة، وعلى هذا الأساس يحاسب اليوم الرئيس الإخواني المصري المعزول محمد مرسي بتهمة التخابر مع دولة أجنبية.

وهي سابقة في الأعراف القانونية في دول العالم جمعاء، بيد أنها حقيقة واقعة تستند إلى أن تنظيمات الإسلام السياسي لا تعتمد نظام الدول بتوفير عناصرها ولا تؤمن بعناصر الدولة حسب المفهوم الأممي، بل إن الإسلام السياسي لا يعترف أساسا بالبنية الأممية لإدارة هذه الأرض والمتشكلة أساسا من منظمة الأمم المتحدة وميثاقها وما نتج عنه من خلال تأسيس مجموعة المنظمات الأممية التي أسست لنظام إدارة لجميع الدول العالمية التي كسبت اعترافها من خلال طلب الانضمام إلى المنظّمة الدولية.

13