مفيد شهاب وأزمة الدولة العربية في التمييز بين رجل القانون و"ترزي القوانين"

الأحد 2016/05/29
خبير اختار الانزواء حتى احتاجت السياسة الخارجية إلى قدراته

القاهرة - من بين عشرات الرموز التي طالتها السمعة السيئة لعصر الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، يتمتع مفيد شهاب خبير القانون الدولي ووزير المجالس النيابة سابقا، بخصوصية شخصية وعلمية تميزه عن باقي أقرانه.

الرجل ومنذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 فضّل الانسحاب ليس فقط من المشهد السياسي، وإنما من مجال العمل العام برمّته، مكتفيا بتدريس القانون الدولي لطلاب جامعة القاهرة التي صنعت أسطورته في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.

ولأنه لم يكن مدانا بقضايا فساد مثل غيره، ولم تشمله الاتهامات التي انهالت من كل حدب وصوب بإفساد الحياة السياسية لم يلتفت كثيرون إلى اختفائه الإرادي، كما أنه لم يسع إلى إعادة تقديم نفسه للأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر في السنوات الخمس الماضية مثل غيره ممن ينتمون للنخبة السياسية المتلونة.

من طابا إلى تيران

انتظر شهاب أن يأتي إليه النظام. وهو ما حدث بشكل سريع، وتحديدا بعد اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية التي تسببت بأزمة سياسية عنيفة، على خلفية الاعتراف المصري بتبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

بحثوا حولهم فلم يجدوا خبراء يستطيعون اللجوء إليهم سوى شهاب صاحب الـ80 عاما، خاصة أنه كان ضمن الفريق المصري الذي نجح في إعادة طابا إلى السيادة المصرية في ثمانينات القرن الماضي بعد سنوات من التفاوض مع الجانب الإسرائيلي.

بدلا من حصانة البرلمان التي سعى إليها الكثير من رجال الحزب الوطني المنحل وحصل كثيرون منهم عليها، حظي مفيد شهاب بحصانة رئاسية مكنته من أن يجلس إلى جوار السيسي على طاولة اللقاء الذي جمعه بممثلي الشعب لشرح أبعاد اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع السعودية.

لم يكن ذلك كل ما حصل عليه، بل زاد الأمر حينما طلب منه الرئيس أن يدلي بشهادته في هذا الموضوع، باعتبار أنه كان حاضرا في المفاوضات التي جرت مع الجانب السعودي حول الجزيرتين منذ عام 1990.

المفارقة أن عودة خبير القانون الدولي كانت بطلب سعودي أيضاً، بعدما حدده أحمد قطان سفير المملكة بالقاهرة بالاسم، باعتباره الأجدر على حسم الجدل حول ملكية الجزيرتين.

وجد مفيد شهاب ضالته التي ظل يبحث عنها طوال سنوات الصمت، وعاد في ثوب الواعظ، يجلس إلى جوار الرئيس ليؤكد أن الجزيرتين سعوديتان، وأن على الشعب أن ينسى الماضي ويتّحد في مواجهة التحديات التي تحاك ضده من كل جانب.

مفيد شهاب لم يكن مدانا بقضايا فساد مثل غيره، ولم تشمله الاتهامات التي انهالت من كل حدب وصوب بإفساد الحياة السياسية، ولذلك لم يلتفت كثيرون إلى اختفائه الإرادي، كما أنه لم يسع إلى إعادة تقديم نفسه للأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر في السنوات الخمس الماضية

الخروج بلا خسائر

يحسب للرجل قدرته على التعايش مع ذاته المتناقضة، بفضل قدرته على الخروج من كل تناقض دون أن يخسر شيئا، بحكم كونه متمرساً بالقانون، ولديه من الخبرة الكافية ما يؤهله للتعامل مع من يكشف تناقضاته على مرّ العصور.

بعد أن برّأ نظام السيسي من تهمة التفريط في الأرض باعتباره “شاهدًا على ملكية السعودية للجزيرتين”، كشفت إحدى الصحف المستقلة أن شهاب نفسه ناقش رسالة دكتوراه بجامعة القاهرة تثبت أن الجزيرتين مصريّتين، ما وضعه في مأزق أمام الرأي العام.

على ما يبدو أن مفيد شهاب فاضل بين شهادته التاريخية حول الجزيرتين أمام السيسي الذي أعاده للمشهد مرة أخرى، وبين تاريخه القانوني في الجامعة، فاختار السياسة وردّ على الصحيفة بأنه “كان عضوًا في مناقشة الرسالة ولم يقرأها بالكامل”.

التفتيش في الدفاتر القديمة لمفيد شهاب لم يتوقف، وتعرض لنقد لاذع من المعارضين للاتفاقية بعد خمس سنوات من الصمت، اختلى خلالها الرجل بنفسه قابعًا في منزله، بعيدًا عن أيّ عمل سياسي.

الواعظ الأمين

لم يبال شهاب بحجم الهجوم عليه من بعض الأقلام التي اعترضت على ظهوره على الساحة مرة أخرى. وقرر أن يستكمل المسيرة مرتديًا زيّ “الواعظ الأمين” الذي يخشى على بلاده من مغبّة التضييق الدولي.

كما استغل خبرته القانونية لكي يدلي برأيه في مسائل قانونية بحتة تتعلق بسياسة الدولة الخارجية بعد سنوات من السكون ومقاطعة الإعلام بكل أنواعه، فعاد ليتحدث عن أزمة سد النهضة الإثيوبي.

صرح في أكثر من مكان عن ضرورة أن تتخذ القاهرة خطوات ملموسة في التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد، وطرح فكرة اللجوء إلى التحكيم الدولي للحفاظ على حقوق مصر التاريخية من مياه النيل.

بفضل إلمامه بالزوايا القانونية للقضية التي فشل غيره في التطرق إليها بشكل علمي وسياسي وقانوني، أصبح الضيف الحاضر بشكل مستمر في أكثر من وسيلة إعلامية.

نجح في استغلال تاريخه القديم في التفاوض الدولي بشأن طابا في سيناء، والترافع عن مصر في عدد من القضايا الدولية، حيث اختصه حسني مبارك ليكون محاميًا عن الدولة في عدد من القضايا التي كانت منظورة أمام المحاكم الدولية.

حصانة البرلمان التي سعى إليها الكثير من رجال الحزب الوطني المنحل وحصل كثيرون منهم عليها، حظي شهاب بدلا منها بحصانة رئاسية مكنته من أن يجلس إلى جوار السيسي

إدراك الرجل لضرورة أن يبادر بطرح حلول للأزمة، مكنه من تثبيت خطواته في رحلة العودة إلى المشهد، وجعله يقدم على عقد ندوات خاصة بالقضايا الحيوية التي تخص الدولة يجمع فيها بعض السياسيين والقانونيين والدبلوماسيين لطرح رؤيتهم التي “قد يستفيد منها النظام” في الوصول إلى حلول جذرية للكثير من التحديات.

كل هذا جعل المعجبين بأفكاره يسعون لتقديمه كعضو مفاوض في أزمة سد النهضة، أو كخبير قانوني في البرلمان خلفًا للمستشار سري صيام الذي استقال من مجلس النواب بسبب “تهميش دوره وخبراته القانونية”.

رجل كل الأنظمة

لا يختلف اثنان على أن مفيد شهاب، لديه من الخبرات والمزايا الشخصية التي تؤهله للتعامل مع كل الأنظمة، حتى لو كان باستخدام تناقضات ومبررات لأجل الحفاظ على وجوده في المشهد السياسي.

كما لا يمكن إنكار قدراته في التقرب من صناع القرار داخل الدولة، حتى أنه يكاد يكون من أكثر الشخصيات التي تعاملت مع كل الأنظمة، باعتبارها قادرة على تقديم مسوغات التبرير لما يملكه من خبرة قانونية.

لذلك يوصف بأنه أحد الشخصيات القليلة التي حظيت بالخلود السياسي، لقدرته على التناغم مع نظامي جمال عبدالناصر وأنور السادات، قبل أن يغير من إيقاع شخصيته حتى يتواءم مع نظام حسني مبارك.

في ذلك الوقت نجح في أن يصبح أحد الرجال الأقوياء داخل الحزب الوطني الحاكم ويحصل على لقب “ترزي قوانين مبارك”، لما عرف عن إمكانياته التي تؤهله لصياغة القوانين بشكل يمكّن النظام من السيطرة على كل شيء.

انخرط مفيد شهاب ابن الإسكندرية، في نظام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في بداية حياته المهنية من خلال عضوية منظمة الشباب الاشتراكي التي أنشأها ناصر.

مع الوقت أصبح عضوًا بارزًا في المنظمات الاشتراكية ونظّر لمبادئها بجميع أصولها وأفكارها، ونمت بداخله العقيدة السلطوية والوصول بسرعة إلى الترقّي الذي يؤهل لمستوى اجتماعي أفضل.

بدأ لمعان السلطة يظهر في عينيه، عقب تكليفه وآخرين بتطهير منظمة الشباب من العناصر غير المنضبطة التي شاركت في المظاهرات التي طالبت بمحاسبة المقصّرين في نكسة يونيو 1967.

مع نجاحه في المهمة، حصل على منصب رئيس تحرير صحيفة “الشباب العربي” التي كانت تصدر عن المنظمة، ثم عيّن أمينا للشباب وقرر الإبقاء على كل من يتأكد ولاؤه، ما دفع الدولة لمكافأته بتعيينه عضوا في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي عام 1969.

صحيح أن هذه الأفكار جعلت منه شخصية عاشقة للسلطة والتقرب منها، لكن تأثره بالاشتراكية بمفهومها الشامل جعله يدافع باستماتة عن الفكر الاشتراكي المتعلق بملكية الدولة للقطاع العام.

دافع شهاب باستماتة عن استمرار القطاع العام وضرورة أن تقوم الدولة بتنميته لتقوية الاقتصاد المحلي، ما كاد يطيح به من الحياة السياسية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات مع قضية “مراكز القوى” لولا أنه فضّل السلطة عن أيّ شيء آخر.

خبرته القانونية تمكن شهاب من أن يدلي برأيه في مسائل قانونية بحتة تتعلق بسياسة الدولة الخارجية، فعاد ليتحدث عن أزمة سد النهضة الإثيوبي. طارحا فكرة اللجوء إلى التحكيم الدولي للحفاظ على حقوق مصر التاريخية من مياه النيل

بين عشية وضحاها تحوّل مفيد شهاب من كونه أشد المتحمسين للاشتراكية والحفاظ على القطاع العام، إلى أحد أكثر المؤيدين لسياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد الرئيس أنور السادات.

وعاد مجددا ليدافع باستماتة ليس عن القطاع العام هذه المرة وإنما عن الرأسمالية ويخرج في العديد من الندوات ليمجّد الفكر الرأسمالي و”يعظ” المواطنين بأهميته لأجل نهوض الدولة بعد حالة الحرب مع إسرائيل عام 1973.

لا ينسى مفيد شهاب عندما تم اختياره ليكون رئيسا للوفد المفاوض في قضية طابا في ثمانينات القرن العشرين تعرضه لموقف محرج أثناء وجوده في إحدى ندوات جامعة القاهرة حول هذا الملف. فقد وقف حافظ أبوسعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حاليا، وكان وقتها طالبا في كلية الحقوق ليهاجم موقف مفيد شهاب قائلا له “هل جاء الدكتور مفيد الذي عاش فترة المجد الناصري ليؤكد أن طابا مصرية؟”.

وأضاف أبوسعدة وقتها “يا دكتور مفيد إنك تتخلى عن مقولة عبدالناصر أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة لترتدي ثوب الاستسلام”، وقتها انفعل مفيد شهاب وهدد بإلغاء المؤتمر بعد أن شعر أن المقصود من كلام أبوسعدة الهجوم على شخصه واتهامه بشكل غير مباشر بالتطبيع.

على مدار تاريخه السياسي، لم يبال بأيّ نقد يوجّه إليه، بل استخدم كل أدواته باحترافية متناهية كي يستمر في حالة الخلود السياسي، ما مكّنه أن يصبح أحد أقوى المقربين من مبارك.

ولا ينسى أحد أن النظام السابق استخدمه في تعديل الدستور عام 2007، لحرمان محمد البرادعي من دخول الانتخابات الرئاسية ضد مبارك، فضلا عن تعديل بعض القوانين لحبس الصحافيين وإقصاء أشد المعارضين، ما وصفه البعض بأنه “الرجل المطهّر للأنظمة”.

تناقضاته في الجمع بين شغف الارتقاء والخلود السياسي، والحفاظ على ضميره القانوني، جعلت منه شخصية جديرة بأن تحظى بإشادة بعض معارضيه، خاصة في طريقة إدارة هذه التناقضات.

هو صاحب العبارة الشهيرة بأن “الرقابة الدولية على الانتخابات تحمل اعترافًا ضمنيًا بالغش والتزوير”، وهو في نفس الوقت صاحب العبارة المضادة لها التي تقول “أهلا بأيّ رقابة دولية”.

لذلك تبدو كل هذه القرائن التاريخية مبررا منطقيا لعودة الرجل إلى الساحة السياسية بعد خمس سنوات، مطمئنًا لماضيه مع الأنظمة وخبرته في أن يختار الألفاظ التي يدافع بها عن نفسه، والتوقيت والطريقة التي يظهر بها، يدعمه في ذلك أنه أحد رجال مبارك القلائل الذين برّأتهم ساحات المحاكم من أيّ تهم تتعلق بالفساد المالي والإداري، خاصة الشخصيات التي كانت في صدارة المشهد، وحتى الذين حصلوا على البراءة اختفوا من المشهد العام إلى غير رجعة.

7