مفيد نجم: جوهر المسألة صراع بين ثقافة التنوير وثقافة الظلام

في البلدان التي تحكمها الدكتاتوريات عانى الكثير من الكتاب السجن والاعتقال والتعذيب وحتى التصفية الجسدية، ما يثير تساؤلا عميقا: لماذا تخاف الأنظمة الدكتاتورية من الإبداع والكلمة؟ ربما كانت الكلمة ذاك الكائن الهش الذي ينبت من زفرات ساخنة تدفئها الحناجر، لكنها هي الأقدر دائما على فتح طريق جديد أمام الضوء، طريق ولو كان في ثقل العتمة ويباب الخراب، وهي قادرة على أن تحيي وتميت، أقوى من أشدّ الأسلحة فتكا، مارة من تلابيب الزمن كأعتى رصاصة تصوّب إلى الجهل والقمع والتخلف، وأعتى قطعة نور توجّه إلى الأذهان الغارقة في الظلام، لذلك تجابه الكلمة بكل الطرق والوسائل، ولكنها هي التي تنتصر في النهاية. “العرب” التقت بالكاتب السوري مفيد نجم الذي لم تمنع كلماته عن النور عتمة خلال ثلاثة عشر عاما من الاعتقال، فكان لنا معه هذا الحوار حول الكتابة والسجن والوطن.
الخميس 2015/10/01
لا يوجد تعارض بين السياسي والثقافي عندما يمارس المثقف السياسة من خارج حقل الأيديولوجيا والالتزام العقائدي

يبدأ الكاتب السوري مفيد نجم حديثه لنا عن رؤيته للمثقف الذي يزاول العمل السياسي، والتقاطعات التي تنشأ بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، يقول: لا يوجد تعارض بين السياسي والثقافي عندما يمارس المثقفُ السياسة من خارج حقل الأيديولوجيا والالتزام العقائدي، الذي يشكل مصادرة لحرية المثقف في تشكيل وعيه، وممارسة دوره النقدي في المجتمع.

الثقافة في مجتمعاتنا المثقلة بهموم النهضة والتغيير، والبحث عن الحرية والكرامة والمواطنة لا بدّ لها أن تكون جزءا من مشروع التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي والتربوي في المجتمع، وأن يكون دورها فاعلا ومتقدما على هذا الصعيد، نظرا إلى حالة الوعي المتقدم التي يمتلكها المثقف، في واقع تبلغ فيه نسبة الأمية أكثر من نصف عدد السكان.

المثقف والأيديولوجيا

يؤكد مفيد نجم علاقة السياسة بالفعل الثقافي قائلا: حالة الاستعصاء التي نعيشها على جميع المستويات، ناجمة عن طبيعة النظام السياسي الاستبدادي وممارساته القمعية، والذي ينتمي إلى عصر ما قبل ظهور الدولة، لذلك فمن الطبيعي أن يكون العمل الثقافي معنيا بالشأن السياسي العام، ولكن من خلال وظيفته النقدية والتنويرية في المجتمع. إشكالية العلاقة بين السياسي والثقافي نبعت من طبيعة مفهوم الالتزام الذي هيمن على الثقافة في عصر ازدهارها اليساري، حيث كان المثقف هو ابن الحزب والمبشر بملكوت المستقبل الذي لم يحمل لنا سوى الدكتاتوريات والقمع والأمناء العامين المخلدين لتلك الأحزاب.

ويضيف: كان السياسي يمتلك الحقيقة الناجزة واستشراف المستقبل، وكان الثقافي يحاول أن يتلمس تلك الحقيقة المزعومة من خلال سلطته الأيديولوجية، وهكذا جعلت السياسةُ المثقفَ تابعا لها وموظفا لديها، خاصة وأن تلك الأحزاب كانت في النصف الثاني من القرن الماضي هي من تصنع الأسماء الثقافية، وتروّج لها وتحجز لها مكانها في مقدمة المشهد الثقافي. الكثير من المثقفين تواطؤوا مع السلطة والأحزاب سعيا وراء الشهرة والانتشار، بينما دفع مثقفون آخرون ثمنا باهظا جراء موقفهم الرافض للتدجين الحزبي والسياسي.

الكثير من المثقفين تواطؤوا مع السلطة والأحزاب سعيا وراء الشهرة، بينما دفع مثقفون آخرون ثمنا باهظا جراء موقفهم

تجربة السجن

عن تجربة اعتقاله، وكيف يقارنها بما يجري من اعتقالات اليوم، يعلق مفيد نجم بالقول: لا يمكن مقارنة معاناة السجن الراهنة مع معاناة جيلنا في الربع الأخير من القرن الماضي، رغم الفظاعات التي كانت تمارس علينا في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي. السجن اليوم في سوريا هو عبارة عن مسلخ بشري مرعب، تمارس فيه كل الفظاعات والانتهاكات الصارخة لكرامة وشرف الإنسان وحياته. لكن لا يمكن النظر إلى هذه الفظاعات الوحشية وفهمها خارج سياق فهمنا لطبيعة النظام الإجرامية، ونظرته إلى السوريين كعبيد.

أما عمّا أضاف له السجن وما أخذ منه، يعتبر ضيفنا أنه من الطبيعي أن تضيف التجربة الطويلة بحجم تجربة السجن، التي عايش فيها مئات المعتقلين من أحزاب ومنابت اجتماعية وفكرية مختلفة، الكثير له، سواء على المستوى الروحي والفكري، أو النفسي والسياسي. ويلفت نجم إلى أن أول ما تعلمه كان الإيمان بحق الإنسان بالحرية والحياة الكريمة، مهما كانت درجة اختلافه معه في الرأي والرؤية، وأن تكون لغة الحوار وسيلة التفاهم والوصول إلى القاسم المشترك بين الجميع على اختلاف تياراتهم وخلفياتهم الفكرية والدينية والسياسية.

إن هذا الوعي المبكر لأزمة الأحزاب السورية على مستوى علاقاتها مع بعضها البعض جعله يرفض التمترس خلف أي أيديولوجيا، وبالتالي انفتح في حواراته وعلاقاته مع الجميع، إذ يرى أننا “أولا وأخيرا ضحايا لنظام القمع والاستبداد، وجميعنا نناضل من أجل بناء وطن ديمقراطي، تحكمه قيم المواطنة والقانون والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بغض النظر عن التباين في الرؤية لتحقيق هذه الأهداف”.

أنا ابن الهـزيمة المـدوية المتمثلة في تسليـم الاسد الاب وطنـي الجــولان هـديـة لاسـرائيل

يقول نجم: اليأس هو العدو الأول للسجين، خاصة مع طول سنوات التجربة، وما يتولد عنها من شعور فادح بالمرارة على المستوى الوجودي والنفسي، خاصة عندما لا ترى نهاية قريبة لها، تفتح لك أفقا للأمل ولأسرتك التي تشترك معك في هذه المعاناة. تأثيرات هذا الوضع النفسية والروحية تتخذ أشكالا مختلفة في سلوك السجين وعلاقاته مع نفسه ومع الآخرين، لذلك حاولت ما أستطيع أن أنقذ نفسي من الاستسلام لليأس والضعف، ما ساعدني كثيرا على أن أخرج من هذه التجربة القاسية بأقل الخسائر الممكنة صحيا ونفسيا، إضافة إلى أنه أعانني كثيرا على أن أنخرط في الحياة بعد خروجي من السجن، وأتغلب على كل الظروف الصعبة، فكنت أكثر إصرارا على إعادة ترميم حياتي خلال سنوات قليلة، والانطلاق في مشروعاتي الكتابية والحياتية المختلفة، التي استطعت من خلالها أن أستعيد موقعي في المشهد الثقافي.

الشرق الدامي

بعد تجربته الطويلة، وبعد كل ما عاينه من أحداث لا سيما في السنوات الأربع الأخيرة، نسأل ضيفنا عن نظرته اليوم إلى مفهوم الوطن والهوية، وخاصة عمّا يطرأ عليه من تغيرات وتحديات شتى إضافة إلى تخبط مفهوم الحرية في الأذهان. يجيب الكاتب: مفهوم الوطن كما هو مفهوم الهوية مفهوم نسبي لأنك عندما تولد فإنك لا تختار مكان ولادتك ولا دينك أو هويتك. هذه العلاقة القدرية تتشكل فيها ومعها سيرورة تلك العلاقة، لكنها مع وعي الإنسان بذاته ووجوده والعالم من حوله، يدرك أن كل هذا لا يكفي لتنتمي إلى مكان ما وهوية ما، بل على العكس تغدو الحرية شرطا لهذه العلاقة وعندما تغتصب حريتك وتهان كرامتك الإنسانية وتفقد القدرة على أن تتمتع بحقوقك كمواطن وإنسان فإنك تعيش اغترابك الحقيقي بالمعنى الوجودي والسياسي والإنساني. في عالمنا العربي يختصر الوطن في الحاكم المطلق وتتحدد علاقتك بالوطن على أساس ولائك وخضوعك لسلطة الحاكم.

لقد علمته تجربة السجن الطويلة والسنوات العشر التي تلتها أن الحرية هي وطن الإنسان الحقيقي، وأن الكرامة هي جوهر هذه العلاقة. أما الإقامة في المنفى فهي لم تكن قدرا بالمعنى الحقيقي، في رأيه، بل كانت في جانب منها اختيارا فرضته متغيرات الوضع السوري وظروفه الخاصة على الرغم من أنه طوال عشرين عاما وقبلها أثناء حملة الاعتقالات لم يكن يتصور نفسه قادرا على العيش خارج الوطن.

النقد العربي مازال يحرث في أرض الغير

يعقب الكاتب: إن ما يحدث في سوريا وفي شرقنا الدامي، هو في جانبه الأهم صراع سياسي وتاريخي بين لحظتين تاريخيتين وثقافتين متناقضتين، ثقافة الاستبداد بمعناه السياسي والديني، وثقافة الحرية والحداثة والتنوير، التي انكشفت معها كل عورات ما سمي بالدولة العربية والحداثة والوطن والانتماء، الأمر الذي جعلنا في أمس الحاجة إلى تجديد هذه المفاهيم، واستعادتها بمفهومها القانوني والسياسي والاجتماعي والثقافي، وليس بالمعنى الزائف الذي كانت عليه، وقادتنا معه إلى هذه الانهيارات والكوارث الوطنية والقومية.

النقد العربي

مفيد نجم واحد من ألمع نقاد الأدب العربي، كيف حافظ عل ثقافته وطورها خلال سنوات السجن الطويلة، يجيب ضيفنا: لا أميل إلى هذه الألقاب، فقد كنت ومازلت أعتبر نفسي في طور البحث والتجريب، خاصة وأن النقد العربي كما هو معروف مازال يحرث في أرض الغير. خلال سنوات السجن الأولى كنت محروما كغيري من القراءة والكتابة، وبالتالي فلم تكن هناك أيّة إمكانية لتطوير ثقافتي النقدية، أو متابعة النشاط النقدي العربي والمدارس النقدية التي كانت تظهر في تلك المرحلة. رغم هذا الفراغ حاولت في السنوات التالية أن أعوض هذا النقص، فعملت على إغناء قراءاتي النقدية، وإنجاز دراسات تطبيقية على بعض الأعمال الأدبية، ولا سيما الروائية التي كانت متوفرة داخل السجن.

النقلة المهمة حدثت بعد خروجي من السجن، فقد وجدت مكتبة غنية وواسعة من الكتب النقدية المؤلفة والمترجمة، التي تعنى بدراسة المناهج النقدية الحديثة على اختلاف اتجاهاتها وتياراتها، ما عمّق معرفتي النقدية بتلك المدارس والتيارات، وساعدني كثيرا على تحديد خياراتي المنهجية. في المرحلة التالية كان لا بدّ أن أسعى للمزاوجة بين الجانب النظري والجانب التطبيقي في ممارستي النقدية، بهدف اختبار تلك المفاهيم إجرائيا عند دراسة النص وتحليله. لقد ساهمت تلك الممارسة ومازالت في تعميق وتطوير تجربتي، وفي اكتساب المرونة المطلوبة في استخدام المفاهيم والأدوات النقدية عمليا.

يضيف: على الناقد أن يعترف أن كل نص يشكل تحديا له، ما يستوجب منه البحث عن أكثر الأدوات المنهجية، التي تساعده في فك مغاليقه، وإدراك ما يخفيه بين طبقاته من معاني ودلالات ظاهرة أو كامنة، ما يتطلب تطويرا مستمرا للمعرفة النقدية، وسعيا دؤوبا لتأصيل هذه التجربة عمليا.

حالة الاستعصاء التي نعيشها على جميع المستويات، ناجمة عن طبيعة النظام السياسي الاستبدادي

حصل مفيد عل جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عن كتابه “أجنحة في زنزانة” وهي يوميات خاصة بالسجن، ويعتبر هذه الجائزة تتويجا لجهد بذله على مدار عام ونصف العام من الكتابة وإعادة الكتابة، سعيا وراء أكثر أشكال الكتابة السردية تمثلا لهذه التجربة القاسية من جوانبها الإنسانية والوجودية والروحية والسياسية، بعد أن بقيت سنوات طويلة متهيبا الكتابة عنها.

لكن هذه الجائزة بقدر ما كانت تقديرا للعمل على المستوى الأدبي، كانت مناسبة هامة في هذا الظرف العاصف، الذي تمر به الثورة السورية لاستعادة التاريخ القمعي لنظام الاستبداد، الذي دفع السوريون من حياتهم ثمنا باهظا له على مدار عقود، ولتذكير العالم بالطبيعة الفاشية لهذا النظام الاستبدادي. اعتزازي بهذه الجائزة نابع من الجانب المعنوي لجائزة فرضت حضورها على الحياة الثقافية العربية بجدارة.

يعيش الكاتب الآن في المنفى الألماني، ورغم حداثة تجربته مع المنفى الأوروبي، يقول نجم: إن هذا المنفى الذي كنت أخاف مواجهة تجربة العيش فيه قد أصبح وطني الثاني. ما قدمه لي المنفى الألماني على مستوى الاستقرار والطمأنينة والحرية، لم أستطع أن أحققه في وطني، أو أثناء إقامتي الطويلة قبل مجيئي إلى هنا في بلد عربي، كان يفترض به أن يمنحني شيئا من ذلك، بحكم ما نشترك به من ثقافة وتاريخ ولغة. صحيح أني مازلت أصطدم بجدار اللغة، الذي مازال يحول بيني وبين التواصل مع المجتمع الجديد، إلا أن ذلك لم يشعرني بالغربة كما كنت أتخيل سابقا. كل هذا ساهم إلى حدّ معقول في إعادة ترميم نفسي وحياتي المثقلتين بهموم الوطن وجراحاته، وبالإرث الثقيل لنظام القمع والاستبداد. جيلنا هو ابن مرحلة قاسية من الهزائم والنكسات والقمع والاستبداد، وأنا ابن أول هزيمة مدوية، فقدت فيها أرضي التي قدمها الأسد الأب هدية لإسرائيل.

15