مقابر الحداثة: الإسلام السياسي وتقديس التراث وإنكار الدولة

الاثنين 2014/12/29

تواجهنا جميعا معضلة حل مشكلة النظام السياسي في العالم العربي والإسلامي، خاصة ما يتعلق بأصول النظام السياسي في الإسلام، فهو في نظر البعض دين ودنيا والبعض الآخر مقامه الدنيا فقط، ومن ثم هل يقضي الإسلام باتباع نموذج محدد للحكم؟

غني عن التعريف أن هذه الأمة لم تختلف في بدايتها في ربها ونبيها ولا في كتابها وإنما اختلفت في الدينار والدرهم، أي أن الصراع بدأ في السياسة وليس في الدين. لذا كانت الإجابة من هذا المنطلق يجب أن تكون سياسية غير دينية، فليست هناك نظرية للحكم في الإسلام بالمعنى القطعي والمقدس للكلمة، بل نجد هناك اجتهادات صيغت بقوة النظر، فضلا عن وجود نماذج مورست بالقوة والغلبة عبر حقب التاريخ وفي مختلف البقاع والبلدان الإسلامية، بحيث نجد الإمامة عند السنة بابا من فروع الفقه، فيما اعتبرها الشيعة بابا من أصول الدين.

وهذا اختلاف بيّن، إلا أن المهم بالنسبة إلينا “لا مطمع في وجدان نص من كتاب الله في تفاصيل الإمامة” كما يقول إمام الحرمين الجويني.

وما يهمنا هنا، التفريق بين الفقه الإسلامي بوصفه فهما بشريا، والنصوص القرآنية والنبوية المؤسسة له، فالمسألة السياسية مسألة اجتهاد توخيا لتحقيق مقاصد الشريعة، ولا يمكن لشخص أو حزب أو مذهب أن يبرر أن ما يفعله في السلطة بإلهام رباني أصابه دون الناس جميعا.

الدولة تضمن حرية الاعتقاد وحرية التعبير وحرية التفكير للجميع دون مصادرة حق أي مذهب ولا أي لغة ولا أي جنس في الوجود

وعوار هذا الحد أن لا نستفيض فيه أكثر من اعتبار مختلف الاجتهادات التي نجدها في الفكر السياسي الإسلامي لا يمكن أن ينسحب عنها تقديس ما، لأن السياسات المقطوعة والبرامج المرسومة لا يمكن أن تتلحف بأي وصاية دينية، كما لا يمكن اعتبار تنوعها واختلافها في ذات الوقت مدعاة للإقصاء وتكفير الآخرين، حتى إن ادعت أنها تستلهم عقيدة بعينها، لأنها بدورها في هذا الاستلهام والاجتهاد غير معصومة.

إجمالا، طالما ردد سفيان الثوري: “لا تقولوا اختلف الفقهاء، وإنما قولوا توسع الفقهاء”، فدين الإسلام يتسع ولا يضيق للكون والحياة، والحاكم في المجتمع الإسلامي حاكم مدني، ليس له سلطان ولا وصاية على إيمان الناس.

لذلك لا نرى سبيلا إلى فك الاحتقان وتداخل السياسي بالديني إلا بالفصل بين مفهوم الأمة كجماعة والدولة كمجتمع، أي أن تقبل أن يشاركك الوطن من لا يتكلم بلسانك ولا يتدين بدينك أو مذهبك أو الذي ليس له نفس عاداتك وتقاليدك، فالجماعة تشترط على أعضائها تمثُّل عاداتها وعباداتها وأخلاقها وروابطها العقدية والمذهبية طوعا أو كرها، علاوة على أن الشريعة في هذا الباب موجهة إلى الجماعة كما هو شأن الإسلام كدين موجه إلى المسلمين، والمسيحية موجهة إلى المسيحيين.

أما في ما يخص جماعة المسلمين “فلا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي” (سورة البقرة) و” قل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (سورة الكهف)، علاوة على : “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم” (سورة هود).

بالمقابل إن ما تشترطه الدولة الحديثة على المسلمين أو غيرهم ليس تغيير دينهم أو عقيدتهم، بل الامتثال للقانون كسائر المواطنين، فالدولة بهذا المنظور تستند على قانون عام ومعايير وتنظيم وتقنين ولا تنادي بأفضلية إحدى الجماعات على أخرى، فالمواطنون سواسية عندها، لأنها لو فعلت ذلك ستميز بين مواطنيها، لكن لا يعني هذا خلو المجتمع من الدين، فهذا غير موجود ومستحيل.

مربط الفرس في هذه الإشارة وما نريد التأكيد عليه في العالم العربي أن مجتمعاته متعددة ومختلفة التكوين، بالإضافة إلى أن هناك أقليات عرقية ولغوية وثقافية ودينية، لذلك يجب أن تكون الإرادة العامة سليلة إرادة مشتركة بين المواطنين على اختلاف مللهم، يرعاها قانون يخضع لناموس الحياة ويتطور بتطور احتياجاتهم أو كلما دعا داع إلى ذلك، بحيث تتجنب أن ترزح تحت وصاية هيئة دينية أو سلطة دينية أو مذهبية أو لغوية أو عرقية تخص جماعة دون أخرى.

السلطة المدنية لا ينبغي لها أن تدعي أنها سلطة دينية، فهي مسؤولة عن تطبيق برنامج سياسي يفترض فيه أن يصل أصحابه إلى الحكم عن طريق الاقتراع

قد يقال “إنما المؤمنون إخوة” ولا حدود إقليمية ولا إثنية لإخاء الدين في منظور الجماعة الإسلامية، وهذا صحيح، لكن الحال يختلف عندما لا نكون “إخوة في الدين” ولسنا “إخوة في اللغة” ولا نتبع نفس المذهب، فلا يمكن أن نفرض العربية على غير العربي ولو تدين بدين الإسلام، وأوطان اليوم ليست بداخلها أجناس واحدة ودين واحد وثقافة واحدة ولغة واحدة، فهذه مقومات الجماعة بالمفهوم التاريخي والأنثروبولوجي.

أما المجتمع الحديث فلا يقوم بالضرورة على تلك الأسس التي قامت عليها الدولة القروسطية كالإمارة الإسلامية والدولة السلطانية أو الممالك الإسلامية المتعاقبة التي قامت أغلبها على عصبية في مواجهة أخرى.

مرد ذلك أن تضمن الدولة حرية الاعتقاد وحرية التعبير وحرية التفكير للجميع دون مصادرة حق أي مذهب ولا أي لغة ولا أي جنس في الوجود، فهي الوحدة التي تضمن التنوع والانصهار المطلوب.

لا تقيم الدول الحديثة في عصر العولمة تمييزا بين مواطنيها يقوم على اللغة والدين والإثنية أو السلالة العرقية والمذهب، مخافة إذكاء الشقاق والعداوة، مما يؤدي إلى العصف بوحدة الدولة وسلامة ترابها وأمن مواطنيها، بقدر ما تطالبهم باحترام العقد الاجتماعي الذي يربطهم والمتمثل في الدستور والقوانين.

إن وضع السياسة سيفا على الشريعة أو وضع الشريعة سيفا على السياسة مكلف وباهظ وعديم النفع، أي إن السلطة المدنية لا ينبغي لها أن تدعي أنها سلطة دينية، فهي مسؤولة عن تطبيق برنامج سياسي يفترض فيه أن يصل أصحابه إلى الحكم عن طريق الاقتراع أو بتفويض من أغلبية المواطنين.

13