مقابر "بـات" في سلطنة عمان تروي حكاية حضارة مجهولة التفاصيل

تزخر سلطنة عمان بالعديد من المعالم الأثرية التي تروي قصة حضارات ضربت بجذورها في عمق النشأة الأولى للإنسان. وتشير المكتشفات الأثرية التي تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد إلى العصور والحقب الزمنية المختلفة التي مرت بها عمان على مدى التاريخ، وإبداع الإنسان العماني وإسهاماته وتواصله مع الحضارات الإنسانية.
السبت 2016/02/06
شواهد على الموت والحياة

مسقط - مقابر “بات” الأثرية بسلطنة عمان قصة يطول شرحها، فهي تتكون من حوالي 400 مقبرة أثرية عبارة عن بناء دائري من حجارة صلبة مربعة الشكل على شكل قباب من الحجر بني اللون. وتتألف المقبرة من جدارين خارجيين وآخر داخلي مقسم إلى عدة غرف.

ويشبه وسطها شكل خلية النحل، ويبلغ ارتفاعها نحو 4 أمتار. ويقسم القبر من الداخل إلى حجرات لدفن الموتى تحتوي على بعض الأواني الفخارية والحجرية والخرز المصنوع من الأحجار الكريمة والعظام والأخشاب.

وحظيت هذه المقابر التي يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، أي منذ حوالي 5000 سنة، في ولاية عبري بمنطقة الظاهرة، بشهرة واسعة بعدما أدرجتها لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي الثقافي والطبيعي.

ويقول حسن بن محمد اللواتي مدير عام الآثار والمتاحف بوزارة التراث والثقافة العمانية “اكتشف فريق دنماركي تابع لمتحف آرهوس مقابر بات في سبعينات القرن الماضي، ثم توالت عليها المسوحات من قبل فريق بريطاني ومن ثم فريق ألمـاني”.

وخلال عمليات البحث والتنقيب التي قام بها الأثريون تم اكتشاف بقايا أوان فخارية وأخرى حجرية استخرجت من “مقابر بات” التي تشبه مقابر حضارة “أم النار” بدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تعود إلى الفترة ما بين 3000 و2700 ق.م.

وأضاف اللواتي “لقد أرخت بعثات التنقيب لأقدم المدافن في بات إلى فترة حفيت (3000 – 2500 ق.م) ثم مدافن الألف الثالث (فترة أم النار 2700 – 2000 ق.م).

وأيضا اكتشفت مدافن خلال عمليات الترميم تعود إلى الفترة الانتقالية بين حضارة حفيت وحضارة أم النار، وقد أطلق عليها مدافن فترة بات، بالإضافة إلى كميات هائلة من المدافن. كما عثر على أبراج مستديرة ضخمة تتوسط بعضها بئر ماء، وأسماؤها في سلطنة عمان هي قصر الرجوم، وقصر الخفاجي، وقصر مطارية، وقصر السليمي، وبرج الخطم”.

بعثات التنقيب لأقدم المدافن في بات أرخت إلى فترة حفيت (3000 – 2500 ق.م) ثم مدافن الألف الثالث (فترة أم النار 2700 – 2000 ق.م)

ويقول اللواتي “وقعت وزارة التراث والثقافة في عام 2006 مذكرة تفاهم مع متحف التعدين بمدينة بوخوم بألمانيا لانتداب خبير لترميم المدافن، ومنذ تلك الفترة تم اكتشاف وترميم حوالي 5 مدافن أثرية، وذلك بمشاركة فريق عماني.

ورغم تخصيص وزارة التراث والثقافة مرشدا سياحيا للموقع إلا أن أهالي ولاية عبري يقومون بدورهم بإرشاد السائحين الذين يفدون إلى المنطقة التي تبعد نحو 350 كيلومترا عن العاصمة مسقط للاطلاع على هذا الأثر العالمي”.

يقول حمد بن راشد الجابري من أبناء ولاية عبري “لا يجوز أن نعتبر أنفسنا خارج خارطة هذه المدافن لأن من لا ماضي له لا حاضر له، ولا تتصوروا مقدار سعادتنا عندما يحل بيننا وفد سياحي أو طالبو علم من جهات مختلفة من السلطنة لتقصي المعلومة التاريخية”.

وأضاف “طبعا لا ندعي أننا أوثق من الوزارة المعنية ولكن نحاول أن نساعد بما نملك من معلومات خصوصا أننا أبناء المنطقة ومن دعائم التنمية في بلادنا”.

وعن العوامل التي ساعدت على رسوخ القبور إلى يومنا هذا يقول خميس البريدي من أهالي المنطقة “الذي ساعد على الحفاظ على القبور هو الحجارة الضخمة التي بنيت عليها والتي يصعب على عشرين رجلا رفعها، ورغم عوامل التعرية والانجراف التي أتلفت أسقفها قاومت المقابر وظلت باقية للآلاف من السنين كواحدة من دعائم السياحة الأثرية في سلطنة عمان.

ويقول محمد بن راشد المقبالي إن “مقابر بات تحظى بـ’قيمة معنوية’ كبيرة تترجم مرحلة من حضارة عمان الضاربة في القدم، كما أن اختيارها من بين أهم المراجع التراثية العالمية وتدوينها ضمن قائمة التراث العالمي يزيداننا فخرا بانتمائنا إلى المنطقة خصوصا عندما نستقبل بين الفترة والأخرى أفواجا من أحباء التراث الإنساني والوافدين من السياح الأجانب حيث يأتونها من أوروبا وشرق آسيا، ومن مختلف أنحاء العالم، ومنذ فترة زارنا شباب من جامعات أميركية معروفة لدراسة التراث العالمي”.

وفي بداية تسعينات القرن الماضي تم تسوير هذه الشواهد الأثرية بهدف الضبط والحد من الممارسات الخاطئة ضد المواقع الأثرية، كما تم تعيين حارس للموقع، وحرصت الوزارة على أن يكون من أهالي بات لضمان تواجده الدائم بالموقع، وقد كان للحارس دور كبير وبارز في الحد من العبث به.

20